أضيف في 24 نونبر 2016 الساعة 00:35


آخليو البوليس يديروا خدمتهم"..


مولاي التهامي بهطاط

يكاد المغرب يكون حالة فريدة من نوعها بين دول العالم، ذلك أنه انتقل دون مقدمات، من مرحلة الخرق الممنهج لحقوق الإنسان إلى مرحلة يمكن القول إن البعض تخيل معها أن بلادنا تضاهي ما توصل إليه من اخترعوا أصلا شيئا اسمه حقوق الإنسان.

فالمغرب مر من دولة "الأمر الواقع" إلى دولة "الحق والقانون" بقرار فوقي "توافقي".. دون أن تكون الأرضية ممهدة لطفرة من هذا النوع.

أي أن الأمر لم يكن نتيجة تراكمات أدت إلى خلق ثقافة حقوقية متجذرة، ولا إلى مسلسل نضالي حقيقي أدى فعلا في نهايته إلى تغيير في مفهوم تعاطي الدولة مع مواطنيها، بل هو مجرد قرار اتخذ في لحظة ما في مكان ما من طرف جهة ما..

ولهذا هناك دائما تحذيرات وتخوفات من "انتكاسات" محتملة، لأن البناء لم يُقم على أسس قويمة وصلبة منذ البداية.

غير أن الانتكاس هنا لا يعني فقط تراجعات فردية محدودة قد تسجل بشكل عرضي، بل قد يعني قبل ذلك تصديق البعض أن المغرب أصبح في وضع يؤهله لتجاوز كل سقف حقوقي تعارف عليه العالم، وهنا مكمن الخطر.

فنحن ندرك أن كل أجهزة الأمن والاستخبارات في العالم تلجأ إلى وسائل وأساليب لا علاقة لها بأبسط مبادئ الحق والقانون، حين يتعلق الأمر بأمن البلد وسلامة مواطنيه ومؤسساته، ولنا في سجون "السي أي إيه" العابرة للمطارات أبرز مثال على أن حقوق الإنسان مفهوم نسبي، ومرتبط بأمن وسلامة المجتمع، عكس ما يعتقده بعض منتحلي الصفة، ممن يربطون حقوق الإنسان بالتحلل من كل القيود.

ولنا أن نتصور إرهابيا يتم اعتقاله في لحظة ما في أية عاصمة ديمقراطية مع يقين بأنه يملك معطيات بإمكانها إنقاذ بعض الأرواح، هل سيتم التعامل معه وفق اللازمة التي تتكرر في المسلسلات والأفلام البوليسية الأمريكية أي تلاوة حقوقه عليه :"لك الحق في التزام الصمت، وأي معلومة قد تدلي بها ستستعمل ضدك… من حقك الاتصال بمحاميك، وإذا لم يكن لديك محام سنعمل على توفيره له ..الخ.."!؟

لقد تابعنا خلال الأسابيع القليلة الماضية إسهالا في الأخبار عن حدوث "اختطافات" طالت مواطنين بقصد طلب الفدية، بل حدث مرة أن مواطنا اختطف وطلب منه توقيع شيك بقيمة عشرة ملايين، وأخذ إلى السعيدية حيث احتجز على نفقته، وباستعمال بطاقته البنكية لمدة يومين إلى أن تم صرف الشيك..

وهذا دون الحديث طبعا عن جرائم القتل والتقطيع والاغتصاب التي أصبحت حدثا عاديا، بل تم التطبيع معها بشكل كامل، إلى درجة أنها لم تعد تثير فضول "راديو المدينة"، بما أن مشاهد الأشلاء الموزعة على "البركاسات"، صارت جزء من المعيش اليومي في كثير من حواضر المغرب وقراه، حتى أن إزهاق الروح بشكل مجاني، صار رياضة وطنية يمارسها الفقراء والأغنياء، الكبار والصغار، الذكور والإناث، والبدو والحضر..

ولهذا سيكون من العبث التوقف عند جرائم السرقة والنشل والتحرش، لأنه لا وزن لها في شارع أصبح فيه الدم يسيل بلا مبرر..

ولعل هذا ما يفسر لجوء البعض إلى "الفيسبوك" للمطالبة بعودة شرطة القرب -أو ما عرف في حينه بـ"كرواتيا"-، لأنه على عهدها، اختفت على الأقل "المجاهرة" بالجريمة..رغم كل ما نسب إليها من تجاوزات وخروقات ومبالغات..

وهنا لابد من وقفة سريعة..

فالدولة العاجزة عن توفير الإحساس بالأمن لمواطنيها، ليست دولة بمعنى الكلمة، لأن المواطن الخائف، لا يمكن أن ينتج، ولا أن يقدم أي يقدم قيمة مضافة على أي مستوى لعائلته، أو مجتمعه..

ولعل من يشاهد الآباء والأزواج والإخوان الذين يرافقون بناتهم أو زوجاتهم وأخواتهم صباحا إلى مواقف الحافلات عند توجههن إلى أعمالهم أو مدارسهن وجامعتهن ويستقبلونهن مساء، يدرك معنى انعدام الإحساس بالأمن، الذي تترجمه بشكل أكثر وضوحا السياجات الحديدية التي يضعها أصحاب المحلات حتى في بعض أحياء العاصمة، حيث يحتمي التجار من الزوار غير المرغوب فيهم خلف متاريس تتحول معها الحوانيت إلى زنازن مطلة على الشارع..وأية إساءة لسيادة الدولة أكبر من هذه؟

إن حوالي عقدين من الزمن مرا حتى الآن على "ثورة حقوق الإنسان" في المغرب فماذا كانت النتيجة؟

باختصار، النتيجة هي ما نراه اليوم من انفلات شبه عام، لأن قرار الانتقال من دولة الأمر الواقع إلى دولة "حقوق الإنسان" اتخذ بشكل فوقي ولم يأخذ بعين الاعتبار إطلاقا الواقع على الأرض.

لقد تم التوافق بشكل فوقي بين مجموعة من الأطراف على دخول نادي حقوق الإنسان دون أن تكن هناك أرضية جاهزة ومعدة سلفا لاستقبال واحتضان هذا النوع من المفاهيم، فجاءت النتيجة معكوسة، أي استئساد المواطن على "الدولة" التي يفترض أنها المحتكرة الوحيدة للعنف.






إن الأمر لم يقف عند حد رفع سقف المطالب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بل أصبحنا أمام حالة من الانفلات التام، حيث أصبحت بعض الأحياء في العواصم الكبرى للجهات خارجة عن التغطية الأمنية، بل أصبح ذبح المواطن أيسر من ذبح دجاجة..

إن عدم تأصيل ثقافة حقوق الإنسان والاكتفاء باتخاذ قرار فوقي "توافقي/دعائي" بين "المخزن" بكل حمولته التاريخية وإرثه القمعي، وأطراف سياسية وحقوقية وجمعوية اتضح في النهاية أنها لا تمثل إلا نفسها، والاحتفال بذلك إعلاميا، كشف عن شيء واحد ألا وهو ضعف "الدولة" وتجبر الخارجين عن القانون.

فالمواطن عندنا يخالف قانون السير، بل قد يدهس في طريقه رجل الأمن، ويفتح أوراش البناء العشوائي جهارا نهارا، ويقيم الدنيا ولا يقعدها في أية إدارة عن باطل وليس عن حق …الخ.. لأن مفهوم حقوق الإنسان عنده ارتبط بانحسار دور "السلطة" التي هي ضرورة من ضرورات الاجتماع ..

قد نتجادل مطولا في مجال التنظير حول ضوابط الأمن وحدوده، لكن الواقع هو الفيصل في نهاية المطاف.

فعندما كنا خارج دائرة حقوق الإنسان، كان الخوف من "العقوبة" يحد من "التطلعات" الإجرامية لبعض المنحرفين، لأنهم كانوا يدركون أن زيارة "السيلون" تعني ما تعنيه…أما اليوم، بعد أن أصبحت كاميرا التلفزة لا تغادر السجون بل أصبحت هذه الأخيرة تتوفر على مسارح وملاعب، وأصبح القابعون فيها يتوفرون على كثير من الكماليات، بل يتطلعون إلى الزيارات الملكية، فقد انقلب الهرم وانعكست الآية.

والمواطن يهمه أن يحس بالأمن أيا كانت الوسيلة، لأن سلامته الجسدية وحماية ممتلكاته، أهم بكثير من شواهد حسن السيرة التي تقدمها بين الحين والآخر منظمة العفو الدولية وشقيقاتها ومشتقاتها..

ومن هنا فإن ما يعتبره البعض خرقا لحقوق الإنسان، هو في عرف كثير من المكتوين بنار الانفلات الأمني، أنجع وسيلة لضبط الأمور، لأنه قبل الحديث عن حقوق الإنسان، ينبغي أن يكون هناك أولا إنسان يستحق هذه الحقوق.

والغريب أنه حتى في الدول التي تعتبر رائدة في مجال حقوق الإنسان، لو وجد أي رجل أمن نفسه في وضع الاختيار بين إنقاذ حياة مواطن بريء، وبين إزهاق روح مجرم منحرف، فإنه لن يتردد في إطلاق النار على هذا الأخير، ولن تقوم في اليوم الموالي ضجة من الضجات التي يفتعلها البعض عندنا، ممن أصبحوا يتقدمون الصفوف..حتى بسبب استعمال العصا لإيقاف مطلوب للعدالة، بل متهم أحيانا بجرائم قتل وسرقة وضرب وجرح واغتصاب...

باختصار، لقد بدأنا الأمر من حيث كان ينبغي أن ينتهي، أي من النتيجة، اعتقادا منا أن الأمر يتعلق بربطة عنق اشتريناها من باريس، أو بوجبة سريعة يمكن التهامها في أي مطار أوروبي أو أمريكي..فيما الواقع عكس ذلك..

حقوق الإنسان هي ثقافة وليست مجرد شعارات فارغة، ترفع في وجه "الدولة" التي تجمع كل النظريات والتطبيقات الديموقراطية على أنها ينبغي أن تكون المحتكرة للعنف.. إلى درجة أن ممثليها قد ينفذون أحكام إعدام في الشارع بدم بارد ودون محاكمات إذا تطلب الأمر حماية السلامة الجسدية لمواطن.. وأستحضر هنا قصة الشرطي (القناص) الكندي -كما عرضتها إحدى القنوات الأجنبية- الذي أطلق النار على رأس مواطن كان في حالة هستيرية يهدد مواطنة ببندقية على مشارف أحد الأسواق الممتازة، والتي اتضح في النهاية أنها كانت غير صالحة لإطلاق النار..

المهم هنا هو أن هذا الشرطي قال بوجه مكشوف للصحفي الذي حاوره إنه غير نادم على ما فعل، وأنه مستعد لتكرار العملية في الظروف المماثلة، لأن المسألة عنده مرتبطة بتنفيذ أمر قائده الذي يخوله القانون الكندي حق الحكم بإعدام أي شخص يهدد المجتمع، في الشارع، ودون الالتفات إلى شعارات "حقوق الإنسان".. بينما في المغرب كلما استعمل شرطي سلاحه الوظيفي، ولو للدفاع عن نفسه، إلا وتكررت كلمة "اضطر" في البلاغات الرسمية .. بل -وهذا أمر مثير- هناك تدوينات وتغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي اعتبرت إطلاق النار على المجرمين مجرد مدخل للشروع في "التصفية الجسدية للمعارضين"..

أظن أنه علينا في نهاية المطاف، أن نختار بين التشبث بالشعارات التي أدت إلى الانفلات الذي أصبحنا نرى بعض آثاره المدمرة، وبين أن نجعل الحق في الإحساس بالأمن أسمى حق يجب الدفاع عنه وإعطاؤه الأولوية..

فرحمكم الله "خليو البوليس يدير خدمتو".. وبلا فلسلفة..

https://www.facebook.com/my.bahtat





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الحل: ’دولة مؤسسات’!
يا أبي .. قل لهم أن يعيدوا لنا سَاعتنا ؟
إضافة ساعة للتوقيت الرسمي ’نتقادو مع أوروبا فالساعة...أوداشي لاخرْ ؟؟
أيها الصحافيون.. عامل أزيلال يخاطبكم
أجمل ما قيل عن الوطن
’سينما الدجاج’ ..و ’ الامة المكلومة ’
المغرب سنة 2020
الإشهار وخراب الديار!!..
مسيرة أنركي: المؤامرة الدنيئة
حين تحْرُس الذئاب الغنم..