أضيف في 16 فبراير 2017 الساعة 03:38


الإشهار وخراب الديار!!..


مسرور المراكشي

مسرور المراكشي


لقد شكل البحث عن الربح هاجس التجار الأول مند الأزل إلى يومنا هذا، وهذا شيء طبيعي في عالم التجارة فلا أحد يبحث عن الخسارة إلا المعتوه، لكن المشكل يكمن في طرق ترويج البضاعة، هنا تتعقد الأمور ويصبح الكذب”مشروعا” عند بعض التجار، بدعوى أن الصراحة في هذا المجال تعني الكساد وبوار السلعة، لهذا تجد في الأحياء الشعبية أسواقا تتعالى فيها صيحات الباعة، وهناك من يلقب سلعته بـ”اللوز” رغم أنه يبيع البصل، وآخر يقسم بأغلظ الأيمان أن سلعته أحسن ما في السوق، وآخر يقول أنه يبيع الورد “ماشي ماطيشة” مبالغة في جودتها وطراوتها، وصاحب السمك يقول أن السمك خرج لتوه من البحر رغم أن البلد يبعد بحوالي300كلم عن الشاطئ، وفي زحمة السوق وصراخ الباعة لن تكتشف العيب إلا في المطبخ أو فوق المائدة أو في “الحمام” لا قدر الله، إن هذه الطرق في ترويج البضائع تعد تقليدية، و مردودها قليل نسبيا مقارنة بطرق الترويج الحديثة، التي تستعمل آخر ما توصلت إليه تقنيات الإشهار عبر وسائل الإعلام”السمعي والبصري والمقروء”.

فخطورة الإشهار اليوم لا تكمن في ترويجه لبضائع فاسدة أو جيدة، ذلك أمر آخر يمكن الرجوع فيه إلى أصحاب الخبرة في ميدان تحليل المواد الغذائية، لكن الخطورة تكمن في استهدافه لنفسية المستهلك، وتدمير شخصيته الأولى الممانعة أو المحصنة بقيم معينة، ثم بعد ذلك يبدله بشخصية طييعة تقبل بكل ما يروج له من سلع وخدمات دون تحفظ، ويمكن إعطاء أمثلة لتتضح الأمور، ففي مجال إشهار مواد التجميل قد تظهر على الشاشة ـ:”..فتاة شقراء صاحبة ملامح غربية تقوم بطلاء مستحضر طبي لو جهها ..” إلى هنا الأمر عادي، ثم يأتي التعليق مادحا المستحضر الطبي بأنه يعطي لونا صافيا للبشرة ويزيل السواد.. ويجعلك أكثر “بياضا”، وبما أننا مغاربة ننتمي إلى إفريقيا القارة”السوداء”، فهذا الإشهار”العنصري” يريد منا أن نكره لوننا الأول”الأسمر” ويبدلنا بلون آخر، فنكره شخصيتنا الأولى و نتماهى مع الشخصية الثانية، فننجذب نحو المعيار الأوروبي في تقييم الجمال، وعندما نانهزم نفسيا أمام القصف “الإشهاري” يمكننا فعل كل شيء حتى المحذور، سنقوم ” بطلي” وبلع وشم ولبس كل ما نصحنا به”خبراء” التغدية والجمال، وسننسى كل التحذيرات إلا شيء واحد سنتذكره عند كل محل تجاري إنها “ماركة” المستحضر ولونه أو إسمه.






كما أن الإشهار يستهدف ضرب فكرة القناعة لدى المغاربة، حيث يرسخ فيهم ثقافة الاستهلاك”بلا حدود”، حيث يدفعك لتشتري وتشتري..حتى ينقطع نفسك ويصبح المستهلك يلهث وراء الجديد في السلع والخدمات، وتأملوا معي عرضهم للأثمنة بطرق خبيثة، فكل سلعة ثمنها  99درهم يوهمك بأنها أرخص من100درهم رغم أن الفرق هو درهم واحد. لقد كان المغاربة يحسنون تدبير أمورهم المالية والمعيشية، كما يقول المثل المغربي:”كل واحد يعرف قياس برادو”، أي أنه يصرف حسب مدخوله اليومي والشهري، ويقضي العطلة في البادية عند العائلة كما يختار مسكنا متواضعا وقد يتخذ دراجة عادية لتنقل، المهم يساير “الوقت” كما يقول المغاربة.

لقد أصبح المغربي اليوم محاصرا بالفوائد الربوية، فكل ما يملك جاء عن طريق الاقتراض من لأبناك وبفوائد كبيرة، مما أدخله في أزمة مالية خانقة جعلته يقترض من جديد لتسديد دين قيم، مما أحال حياته إلى جحيم لا يطاق، فالسيارة والمنزل والتجهيز بل حتى الملابس كل ذلك ملزم بدفع فتواتره شهريا، لقد أصبحت هذه المشاكل سببا رئيسيا في الطلاق و الانتحار، إن الإشهار دفع المغاربة إلى الإنفاق على السلع والخدمات بشكل مبالغ فيه إلى درجة أن الرجل يصرف مبالغ أكبر من دخله بعشرات المرات، فهو يريد فيلا ذات مسبح كبير وسيارة من النوع الفخم وكل ما شاهده في الإشهار يريده حالا، والحل موجود طبعا عند الشركات”القروض الميسرة” يعني “شي كريدي مايزيرني”، لقد أبدع المغاربة الأولون في هذا المثل يصفون به الفقير:”..عاش ما كسب..مات ما خلا”

اليوم المغربي يمكن أن يترك لورثته فواتير لأبناك كذكرى”كريمة” سيستمرون في دفع مستحقاتها زمنا طويلا، فنظرا لرغبته في تحقيق كل ما أوحي إليه في الإشهار، يقترض فوق طاقته ولتسديد كل هذه الفواتير يلزمه عمر سيدنا نوح عليه السلام … !!

 أبالمعطي أش ظهرليك فصحاب لكريدي؟ أولدي قالوا زمان اللي يصرف أكثر ما ايصور على العمود يدور.
         





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
رسالة الزميل محفوظ ايت صالح إلى بعض الصحفيين الشباب
عندما تبيض الشعوب ..
للقادة : الصينيون بنوا سورا عظيما ونسوا بناء حراسه وهذا ماجرى لهم
جيل لم يدخل المدرسة بالهواتف النقالة وكان يرفع فتات الخبز من الارض بعد تقبيلها
"روائح الفساد" تزكم الأنوف..وإذا لم يتوقف سيتصيدنا جميعا..من الصغير فينا إلى الكبير!
غابت الشمس : الساعة لله + 60 دقيقة خارج الحياة ..
لا وطنية.. بدون مواطن ..كفى من الريع..ومن يأخذ الثمن، يسحقُ أساسياتِ الوطنية، في ربوع هذا الوطن..!
بيداغوجيا البغرير ...
ابنتي كُوني صحافية، ولا تخافي !
غابت الشمس : زمن ’المداويخ’