أضيف في 1 مارس 2015 الساعة 10:00


الهدر السياسي على وزن الهدر المدرسي


بقلم د عبد الله عزي



يلتقي الهدر المدرسي بالهدر السياسي في الوزن والرنة المقرونة بعدد الكلمات في كليهما، كما يتوحدان في فاتورتهما الثقيلة. فبالرجوع إلى بعض التقارير الأخيرة لمندوبية التخطيط، نجدها تشير إلى أن ثلثي السكان النشيطين والمشتغلين فعليا وهم حوالي 62 في المائة لا يتوفرون على أي شهادة، بينما ربع هذه الفئة لديها شهادة دون الباكالوريا.

المندوبية السامية للتخطيط، لم يسبق لها أن أجرت إحصائيات حول عدد المنخرطين في الأحزاب السياسية والشواهد المحصل عليها من طرفهم، وإن كانت بعض المؤشرات المستمدة من واقع الواقع، تفيد أن عددا كبيرا من رؤساء الجماعات المحلية بما فيهم وزراء زوروا الشواهد المدرسية، وبعضهم الآخر وبحكم قانون الانتخابات تقدموا لنيل الشهادة الابتدائية في زمن لم يعد يحتفل بها ب "الغيطة والطبل".  

وبالرجوع إلى نسبة 62 بالمائة من السكان النشيطين غير متوفرين على شواهد مدرسية، تجده يعكس بقوة واقع خطورة الهدر المدرسي بالمغرب، فنسب المتخرجين من أسلاك التعليم المغربي بكافة مراحله لا يتجاوز 12 في المائة.

بالعودة إلى الأحزاب السياسية، يطرح السؤال حول عدد الملتحقين بها سنويا أو موسميا بمناسبة الانتخابات، وعدد المغادرين، الصورة يمكن تفحصها عند كل استحقاق، حيث تكتري بعض الأحزاب جيشا عرمرما من الشباب لتوزيع الملصقات والبرامج، التي يكونون غير قادرين على شرح مضامينها وأهدافها لعموم المواطنين.

الأحزاب الوطنية والتقدمية التي كانت في مراحل سابقة، تشكل مدارس للأطر وفرز مناضلين متمرسين، أضحت اليوم مشتلا لإنتاج الصحابة والتابعين والمهللين باسم "الزعيم" وما أكثر الزعماء اليوم، والذين لا تتوفر فيه أدنى صفات الزعامة، بدءا بالكاريزما وتمثل ضمير الأمة، والحكمة والرؤية السياسية الملهمة والتواضع والتبصر والقدرة على إدارة الاختلاف وتقريب وجهات النظر، والحنكة في اتخاذ القرار الحاسم في اللحظة المناسبة بمنطق الإقناع والقدرة على تحليل الواقع خدمة للمصلحة العامة وليس الشخصية.

 في غياب أطر محنكة تنتج المعرفة السياسية والنظرية، يتحول الزعيم إلى حاكم مستبد، ينتصر في أول امتحان له على معركة الديمقراطية والحرية الداخلية بالالتفاف عليها بالتجييش والتزوير وطرد المخالفين، لأنه لم يعد يعول على حزب قوي يغير موازين القوى استنادا على المناضلين، بقدر ما يعول على الأعيان الذين يعرفون الطريق إلى الكتلة الانتخابية ليس إلا، لأنها وحدها تحملهم إلى الكراسي، وبالتالي فلا حاجة للمناضلين، بل يكون الرهان على من لا شواهد لهم لا في النضال ولا في المدرسة، من ربات بيوت يبحثن عن صائر القوت اليومي والمنتفعين والانتهازين. فتكون النتيجة اغتراب أهل الدار عن دارهم وعليهم بالبحث عن مستقر جديد، فيتشكل تيار جديد بتسمية جديدة وبرنامج قديم جديد، يبحث على تحقيق حلمه بالتغيير، أو هكذا يزعم.

توالد التيارات والانشقاقات في صفوف الأحزاب السياسية، هو هدر سياسي بامتياز، كان من نتائجه حالة يأس عام وتبرم من الممارسة السياسة، التي وصلت حدا من الميوعة لا يطاق، عنوانها الأبرز " هدر كلامي" ما ترك شيئا، أتى على الأخضر واليابس، لم تفلت منه حتى الرياضة التي فرض السياسيون من خلالها هيمنتهم على أنديتها وجلبوا لها داعمين ومعلنين من خارج مناطقهم بقدرة قادر، ليس حبا في الرياضة، لأنهم لم يهرولوا في يوم من الأيام اللهم حين يصابون بداء السكري، بقدر ما يعرفون من أين تؤكل الكتف، وأن كرة القدم ورقة انتخابية رابحة، لربما هذا ما جعل بنكيران ينتفض في وجه مسيري الوداد الرياضي، لتمتد الحرب وتشتعل أوزارها مع رئيس الجامعة الذي كان لا بد له أن يتخندق دفاعا عن رهان سياسي ليس إلا.

في ثنايا هذه الحرب المستعرة يعم اليأس والتذمر الذي تعكسه نسبة التسجيل في اللوائح الانتخابية، والتي لم تتجاوز 1.5 مليون ناخب جديد من أصل 14 مليونا يوجدون خارج اللوائح الانتخابية التي وضعها وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري.

رقم المسجلين في اللوائح الانتخابية يقل بكثير عن عدد العاطلين بالبلد، الذين بلغ عددهم مليون ومائتي ألف مغربي لم تعد تغويهم شعارات السياسة في إدماجهم داخل دائرة الإنتاج، فئة منهم ابتلعتها المخدرات التي يتعاطونها، وبلغة الأرقام الرسمية 800 ألف مغربي، هذا دون الحديث عمن اختاروا الانتحار طريقا لهم بالسقوط في التطرف ومبايعة "داعش" وأخواتها.

أخيرا لا يسعنا سوى إلا أن نقول لهؤلاء القوم على لسان الروائي الروسي العظيم ليف تولستوي "خلاصكم في أنفسكم"، ونضيف، بالتخلص من ربقة الأنانية والكذب والابتعاد عن كل ألوان التعصب قبل أن تعم الكارثة، فكفى هدرا.

 





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
رسالة الزميل محفوظ ايت صالح إلى بعض الصحفيين الشباب
عندما تبيض الشعوب ..
للقادة : الصينيون بنوا سورا عظيما ونسوا بناء حراسه وهذا ماجرى لهم
جيل لم يدخل المدرسة بالهواتف النقالة وكان يرفع فتات الخبز من الارض بعد تقبيلها
"روائح الفساد" تزكم الأنوف..وإذا لم يتوقف سيتصيدنا جميعا..من الصغير فينا إلى الكبير!
غابت الشمس : الساعة لله + 60 دقيقة خارج الحياة ..
لا وطنية.. بدون مواطن ..كفى من الريع..ومن يأخذ الثمن، يسحقُ أساسياتِ الوطنية، في ربوع هذا الوطن..!
بيداغوجيا البغرير ...
ابنتي كُوني صحافية، ولا تخافي !
غابت الشمس : زمن ’المداويخ’