أضيف في 23 شتنبر 2015 الساعة 21:32


التعليم سر تقدم المجتمع ... حقيقة وليس مغالطة


مصطفى حدريوي



نشر د.عبد الله الحلوي،الاستاذ الباحث من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض / مراكش مقالا (من هنا) ذهب فيه إلى أن ما يّروج من أن التعليم سر تقدم المجتمعات ينطوي على مغالطات خطيرة... وليعْتمد تلكم الفكرة كمسلمة لا ياتيها الباطل من بين يديها وخلفها ساق مجموعة من الحجج والأرقام ؛عند التمحيص والقراءة المتأنية لها نجدها هي ذاتها مغالطات خطيرة ايضا ! ، لا ادري كيف انساق لها ولم لم يترو حتى يتبدى له الخيط الأبيض من الأسود ليعرف مدى رجحان فكرته او بطلانها ؟.

تعريف التقدم وهذه الحجج

1 ماهية التقدم

حتى لا يكون الحديث عدا ثرثرة فارغة أو كلاما ملقى على عواهنه يجب بدْءَ تعريف ماهية التقدم المجتمع.

فقد لا يختلف اثنان بأن التقدم لا يختلف عن معنى الريادة الإيجابية لتجمع بشري ـ ما ـ متجانس لغويا وإثنيا وعقائديا على أمثاله أو أغياره في صنوف مقومات الحضارة من فن و أدب وعمران ونهج سياسي يضمن الاستقرار والسيرورة الذاتية في الزمان والمكان، وقد كان ـ ابدا ـ الطريق إلى هذه المرتبة إلا من خلال ... توفر قوة ضاربة ذات استراتيجيات تنبني من طرف رجال ذوي بأس وإلمام بفنون القتال، أو الكف عنه وقت الجنوح إلى السلم.. وتوفر مال ومصادر له كممارسة التجارة او مراقبة طرقها

والتاريخ البشري حافل بأنماط عديدة من هذا التقدم فمثلا روما القيصرية سادت العالم وفرضت هيمنتها عليه بعساكرها وفكرها وكانت رائدة في البناء والعمران والفنون بكل انواعها وتضخم كل من ثقافتها وفكرها تضخما سليما مما جعل وقعهما وصدى رجعهما مجلجلا حتى الآن في رحاب ثقافة مفكرينا و مثقفينا، وحتى ساساتنا ونفس الشيء ما يزال حاضرا عندنا بالنسبة لسلالات الفرعونية التي انتشرت على امتداد دلتا النيل، وخير دليل تلكم الهياكل و المعابد والأهرامات الملغزة التي لم تتكشف حتى الآن طرق بنائها على وجه جلي رغم الابحاث والزيارات الميدانية المتكررة دلالةَ على أن بانيها وصل عندهم التقدم شاوا يضاهي ما نحن عليه كقيمة ودرجة ازدهار و تفوق...

وقد يكون جورا ومجانبة للصواب منا ان لا نذكر الحضارة الإسلامية...التي عرفت ـ ايضا ـ خلالها المجتمعات المنضوية تحت لوائها تقدما ملموسا تجلى في العمران والآداب والفنون والطب والفلسفة ...

يلاحظ عند مقارنة هاته الحضارات ان التعليم بصورته الحالية ـ عندنا ـ لم يكن موجودا بل لا اثر له... ولا اهتمام به إلا عند نبلاء المجتمع؛ قد كان ـ إذاَ طبقيا بامتياز؛ متيسرا إلا لفئة الميسورين ومن كان يتطلع منهم لان يتبوأ ابناءه مراتب متقدمة في الدولة أو يكون له يد في سدنة المعابد والهياكل الدينية؛ وقد احترف مهنة التعليم رجال يِؤجرون لتلك المهمة دون ان تمنحهم صفتها حظوة ما.. كالتي لعلية القوم... او حتى تنفي عنهم صفة العبودية كما كان الحال إبان الحضارة الإغريقية... مما يعني ان التعليم كان خارج إطار الماسسة أو مساهما في تقدم المجتمات...

استقراء لما ذهبت إليه اعلاه يُتبين ويفهم أن السيد د.ع.الله الحلوي كان على السمت الصحيح وأن ـ صراحة ـ ليس التعليم رافدا من روافد التقدم والرقي. ولكن، البارحة ليس هو اليوم وبتغير الزمان تتغيرت حتى المعايير والعوامل؛ فالتعليم الذي كان معطلا ـ بالأمس ـ ووقعه على سيرورة الحياة عديما أصبح حاضرا ومؤثرا بشكل مصيري لأنه تحصلت عنه معطيات كثيرة ومهمة ساهمت في تطور التكنلوجيا التي سرعت عجلة الانتاج وساهمت في تطويره كما وكيف و يسرت الوصول إلى أسواق ابعد بمساهماتها السحرية في إيجاد وسائل نقل وتنقل جبارة وسريعة أيضا؛ وقد نتج عن هذا صحوة اقتصادية وتحصيل هائل من الأموال والقوة

ولكن هذه التكنلوجيا بنوعيها الميكرو والماكرو التي نعيش تحت رحمتها الم يكن رديفا لها سابقا موجودأ؟

بلى.. قد وجدت ونجزم ـ دون تحفظ ـ أنها كانت حاضرة مذ بدأ الانسان يخلق ويبتدع، فالحجر المسوم على شاكلة مطرقة ضرب من التكنولوجيا...

إذاَ مرة أخرى يظهر انتفاء التعليم ودوره في التقدم المجتمعات ..

لا.. فالتكنولوجيا اليوم اصبحت تخضع للمنطق وللتصاميم الأولية المبنية على الحسابات الدقيقة والمرجعيات العلمية في صنوف العلوم... فمثلا اول ترونزيستور ابتدع عن طريقة الخطأ والصواب ولكن اليوم يصمم رياضيا ويطرح في السوق حسب مواصفات محددة سلفا للهدف الذي سيستغل فيه...ونفس المثال ينسحب على كل ما نحتاجه في هذه الحياة من الإبرة إلى المسبار المتنقل على المريخ... او ذاك التائه بين الأفلاك والنجوم ( سكايلاب)

هاته التكنولوجيا لم تات هكذا من الفضاء ...أنزلت علينا... بل إن لها رجالات خريجي الجامعات ومعاهد التكنولوجيا مروا من مدارس العمومية، هم... من عوام الشعب بل نتاج مخيض تعليم سطرت أهدافه الآنية والبينة والغائية من قبل الأمة التي ينتمون إليها...هم قلة مقارنة مع سكان العالم لا يمثلون إلا أجزاء من المائة...فهم مثل التبر( حبيبات الذهب الخالص ) لا يتحصل عليه إلا بعد تصفيات الاطنان ثم الأطنان من التراب ...

دحض مزاعم الدكتور

1 ـ اعتمد الدكتور معيار الأرقام ومعدلات الدخل السنوية كمعايير للمقارنة واستنباط الأحكام، لكنه سلك ـ على ما يبدو لي ـ نهجا خاطئا، لأن بعض الظواهر ذات المتغيرات المتعددة لا يُضبط تحولها أو جهة مسارها أو تقييمها من خلال قراءة رقمية وحتى وإن كانت دقيقة؛ لأن ما يكون سلبيا هنا يكون إيجابيا هناك وما قد يكون مطبثا هنا قد يكون مساعدا ومحفزا هناك لاختلاف الناس ونسبية تفاعلهم مع ما يواجهون من شؤون الحياة، على سبيل المثال لا الحصر فالتدريس تحرم منه اللبنات في أصقاع كثيرة من هذا المعمور أو يمنعن من متابعة دراستهن...

2ـ يقول الدكتور : ( مصلح الراديوهات وأجهزة التلفزة القديمة قد يعرف أكثر مما يعرف مهندسو شركة سامسونڭ....) كيف ياسيدي لك أن تقول هذا ؟ كاني بك تقارن بين التلميذ والمعلم..بين العالم والجاهل الفدم !

ذاك المهندس ياسيدي هو من صمم تلك الشريحة اليكترونية ( circuit integré ) ذات الآلاف من الترونستورات والصمامات التنائية والمكثفات الدقيقة وحدد مخارجها ومداخلها ومنْطقها لتعمل وفق برنامج يتناسب مع عمل حاسوب إن كانت من انواع المعالجات (microprocesseur ) أو لتندمج مع عناصر الدارات الكهربائية لتنظيم وتنسيق الوان شاشة تلفزة إذا كانت تخص الكروما ؛ او تضبط الصوت وتنقيه ثم تضخمه بجودة عالية إن كانت تهمّ التردد السفلي ...

أيعقل ان يتوفق عليه في اصلاحها أو ملحقاتها من له بالكاد مبادئ في الاليكترونيك ؟... لن أطيل في هذا الجانب التقني فهو شائك ومعقد وكل إضافة ستكون عدا حشو ليس إلا... لكن دعني ـ أخيرا ـ اهمس لك أن ذاك المهندس هو من اوجد بعض التقنيات ليكون الإصلاح في المتناول لدى بعض المهرة خدمة للمنتوج المسوق وحفاظا على سوق رائجة لقطع الغيار.

خلاصة

التعليم ما كان وزرا ، وما كان وما يكون الاستثمار فيه من قبل الدولة، بل الأمة مفسدة مال أ وضياع وقت... فهو بوابة لخلق رجال اكفاء ـ إن وجد لهم المناخ المناسب لتنشئتهم ـ مخلصين يسعون قدما لبناء وطنهم كل وفق طاقاته وكفاياته التي أنشئ عليها وتعلمها حد الإتقان... فالتقدم له أوجه شتى ومعايير متعددة وقد يكون بحسن تدبير شؤون بلد لا يملك لا موارد خامة ولا صناعة ثقيلة وإنما رجالا متعلمين أكفاء يحسنون التموقع في النسيج العالمي حتى يكون بلدهم شعلة تومض رقيا وتقدما وتفيض خيرات ومال..

وكل رؤية إصلاحية لا تاخذ التعليم بعين الاعتبار هي رؤية قصيرة تريد ان تأخذ دون أن تعطي وهذا يتنافى مع قانون الطبيعي الأزلي فعلى الراغبين في الإصلاح والدفع بعجلة التقدم أن يكونوا اسخياء وينفقوا ملء يديهم دون إخلال بالمراقبة والمحاسبة استثمارا في الراس المال البشري فهو خير طريق للوصول ...

نعم تعليمنا يعاني من مشاكل جمة متعددة تعدد رؤى الاشخاص المهتمين به...ولكن إن نحن اجتمعنا ووحدنا رؤانا سنجد معضلته يسيرة قابلة للحلحلة إن حضرت النوايا الحسنة والإرادة والعزم عند الجميع...

لنتكلم بصوت مسموع ولا نبقى نتهامس فلسنا وحدنا من نعاني، ففرنسا و أمريكا بل دول كثيرة تعاني مما نعاني منه وكل يبحث على طريقته...فأطفال اليوم ليسوا ابناء البارحة وشباب القرن 21 ليسوا من عيار 20 لكل منهم ميوله وحاجاته إذا مشاكله وحلوله.





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
رسالة الزميل محفوظ ايت صالح إلى بعض الصحفيين الشباب
عندما تبيض الشعوب ..
للقادة : الصينيون بنوا سورا عظيما ونسوا بناء حراسه وهذا ماجرى لهم
جيل لم يدخل المدرسة بالهواتف النقالة وكان يرفع فتات الخبز من الارض بعد تقبيلها
"روائح الفساد" تزكم الأنوف..وإذا لم يتوقف سيتصيدنا جميعا..من الصغير فينا إلى الكبير!
غابت الشمس : الساعة لله + 60 دقيقة خارج الحياة ..
لا وطنية.. بدون مواطن ..كفى من الريع..ومن يأخذ الثمن، يسحقُ أساسياتِ الوطنية، في ربوع هذا الوطن..!
بيداغوجيا البغرير ...
ابنتي كُوني صحافية، ولا تخافي !
غابت الشمس : زمن ’المداويخ’