أضيف في 18 يناير 2016 الساعة 17:17


السيد الوزير.. تقاعد مريح وأشياء أخرى


محمد طروس



يُفتح باب الإقامة الفخمة. يُهل السيد الوزير. بذلة رمادية. حذاء أسود. قميص أبيض. ربطة عنق حريرية زرقاء. ساعة يدوية مرصعة، حقيبة جلدية سوداء. في يده اليمنى هاتفيه الذكيان المتطوران. تفوح في الأفق رائحة عطر بارسية. ينظر سعادته إلى الأعلى. ينتفخ صدره. يسير واثق الخطى، حاد النظرات.

ينحني السائق أمامه خاشعا. يرتمي على المحفظة. يحملها في خفة اللصوص. يفتح الباب الأيمن الخلفي. ينبطح. يركب السيد الوزير. يستوي على مقعده الوتير. يُدار المحرك. تنطلق السيارة الفاخرة.. تتهادى في شوارع العاصمة المزدحمة. ينشغل السيد الوزير طوال المسافة بإرسال وتلقي المكالمات. التوسلات والإغراءات والمعاكسات والأوامر والابتزازات والمساومات، وأشياء، وأشياء.. وأشياء.

تقترب السيارة الفخمة من البناية الباردة. يرن الهاتف الذكي. يضغط على زر الاستقبال. يأتيه الصوت صارما: " السيد الوزير. نشكرك على الحضور، على الدور الذي لعبته بإتقان. جاء دورك لتخرج من الخشبة الحكومية. لم تعد وزيرا. ". يبتلع السيد الوزير ريقه. يحملق في الفراغ. يجمد في مقعده الوثير. لم يُبدِ أي استجابة محددة. لم يسأل أو يتساءل. لم يعتدْ على التساؤل، وما ينبغي له. تلتقط أذنا السائق المروضتان الصراخ الداخلي في صدر السيد الوزير، يتسرب الخبر من منافذ الهواء، يشيع في دهاليز البناية الرخامية.

تتوقف السيارة الغريبة أمام البوابة الرخامية. يفتح الباب. ينزل السيد الوزير. يشق طريقه نحو مكتبه في صمت رهيب. خطوات بدون وقع، بدون صدى. جمود بارد يسود الممرات والدهاليز. كل شيء مغلق. النوافذ، الأبواب، العيون، الآذان. انسحب المدراء، ذاب المسؤولون والموظفون والجيس الديواني. غابت باقة الورد اليومية، علبة الشوكولاتة، السيجار الكوبي... انتهى كل شيء.

يجلس السيد الوزير على الكرسي الثمين. يركز النظر على محتويات المكتب. القلم الذهبي. صورة زوجته وطفليه. ركام وثائق وملفات مهملة، مشاريع تقارير مكاتب الدراسات الصورية. يرفع رأسه نحو الصالون. يتذكر الضيوف المميزين، الصفقات المغرية. ينظر إلى الطاولة الخشبية المستديرة. يركز على المقعد البارز، مكان جلوس معاليه. يتذكر صولاته وجولاته، تدخلاته الساخرة، أوامره النافذة، ضحكاته الاستهزائية. يتذكر عبارات الاستحسان، قصائد التملق. "مسيو لو منيستر". كلمة لا ينساها أبدا. تسمية ساحرة تغذي نرجسيته، إحساسه بالتميز والتعالي في الاجتماعات الماراطونية. في حفلات التدشين والتأبين. في السهرات المخملية، في فضاءات المال والأعمال. يطرَب حين تخرج همسا من أفواه السيدات الراقيات المفرنسات جدا. مسيو لمنيستر. !!. مسيو لمنيستر !!... يستفيق من ذكرياته الجميلة. يجيل النظر للمرة الأخيرة في كل زوايا المكتب. يجمع لوازمه الشخصية. يغادر المكتب من الباب الخلفي، متسللا، يحمل هداياه، تقاعدًا مريحاً، لقباُ ساحرًا، وُعودًا بغنائم، وامتيازات، وألقاب جديدة.





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
رسالة الزميل محفوظ ايت صالح إلى بعض الصحفيين الشباب
عندما تبيض الشعوب ..
للقادة : الصينيون بنوا سورا عظيما ونسوا بناء حراسه وهذا ماجرى لهم
جيل لم يدخل المدرسة بالهواتف النقالة وكان يرفع فتات الخبز من الارض بعد تقبيلها
"روائح الفساد" تزكم الأنوف..وإذا لم يتوقف سيتصيدنا جميعا..من الصغير فينا إلى الكبير!
غابت الشمس : الساعة لله + 60 دقيقة خارج الحياة ..
لا وطنية.. بدون مواطن ..كفى من الريع..ومن يأخذ الثمن، يسحقُ أساسياتِ الوطنية، في ربوع هذا الوطن..!
بيداغوجيا البغرير ...
ابنتي كُوني صحافية، ولا تخافي !
غابت الشمس : زمن ’المداويخ’