أضيف في 22 فبراير 2018 الساعة 11:20


كهذا تبدو لهم الصحافة.. مهنة من لا مهنة له! ..أرجوكم ميزوا بين الصحفيين ذوي الضمير المهني وبين الباعة المتجولين ..


آسية العمراني



كيف يمكن لك أن تقنع مواطنا بأنك مشروع صحافي؟ بأنك تدرس الصحافة لكي تتخرج وتمارس مهنة نبيلة وراقية، بل إنسانية لأنها صوت من لا صوت له، لأنك من خلالها تتكلم عن قضايا الناس، همومهم التي يحترقون بها، مآسيهم، معاناتهم وأشكال التهميش الذي يطالهم؟ كيف يمكن لك أن تجيب رجلا يسب ويشتم الصحافة والصحافيين بأقبح الكلمات، ثم يقول لك: إنها مهنة من لا مهنة له!

الحديث عن الصحافة، الأخذ والرد، السبت والشتم، كل هذا يتكرر معي دائما كلما سألني شخص عن تخصصي الجامعي، لدرجة أنه إذا حدث ورآني شخص بصدد إعداد استطلاع صحافي بادلني نظرات مسمومة، وكأنني أقوم بشيء غير عادي أو أنني أخرق قانونا معينا، أما إذا طلبت من شخص أن يعطيني رأيه بخصوص موضوع "محترم"، طبعا هناك من يجيبني، ولكن الأغلبية تمتنع وتجيبك: عملكم بئيس، تقتاتون من أصوات المواطنين؟ بئس الصحافة هذه! نفس الشيء يتكرر معي في وسائل النقل العمومية، إذا ما انشغلت بقراءة جريدة، وإذا ما تفاعلت بملامحي وأنا بصدد قراءة مقال رأي، فيستسمحني شخص ليقول في الصحافة مالم يقله مالك في الخمر، قول كله سب وشتم لكل الصحفيين، طبعا يبدو بسرعة على وجهي امتعاض شديد ولو أني أحاول أن أخفيه، فأصحح له أفكاره الخاطئة، وإذا تمادى في السب فإني أعلن انسحابي من النقاش ..من نقاش عقيم، لا فائدة منه مع شخص عديم التفكير والنقاش السليم.

أتساءل فعلا، هل الصحافة صارت شبحا؟ ألا يعرف هؤلاء الناس، أصحاب هذه الأحكام بأن الصحافة كانت تترجم الشعور الوطني، وكافحت من أجل استقلال المغرب؟ ألا يعرفون أن الصحافة كانت تفضح الممارسات الاستبدادية للمستعمر وطغيانه الاستعماري بالمغرب؟ ألا يعرفون بأن الصحفيين هم المحامون الذين يحولون الكلمات إلى أسلحة كما يقال؟ ألا يعرفون بأن الصحفيين على عكس الحكام الذين يحكمون لسنوات، فهم وحدهم يحكمون للأبد؟

ربما يعرفون ولكنهم ينكرون ذلك، وإذا نسوا أو تناسوا، فلنذكرهم بأن مونتسكيو نظر لفصل السلط الثلاثة: التشريعية والتنفيذية والقضائية، وجاء الفيلسوف الإنجليزي إدموند بروك ليعترف بالسلطة الرابعة وهي الصحافة، وهو الذي قال: "ثلاث سلطات تجتمع هنا تحت سقف البرلمان، ولكن في قاعة المراسلين، تجلس السلطة الرابعة وهي أهم منكم جميعا"، بمعنى أن المراسلين الصحفيين هم الحزب الرابع الأكثر قوة وتأثيرا من بقية الأحزاب السياسية، فالصحافة هي التي تشكل الرأي العام وتوجهه، تخبر وتفصح عن المعلومات، تخلق القضايا للنقاش، تراقب مؤسسات الدولة كما يراقب البرلمان عمل الحكومة وكل هذا بهدف تنوير المجتمع وإظهار الحقائق.

صحيح أنه أخيرا، لاحظنا تطفل العديد من "العاطلين عن العمل" على الصحافة، وتابعنا الإقبال المنقطع النظير من طرف غرباء ومتطفلين على المشهد الإعلامي، فتذبذَب هذا الأخير، وبعدها فقد المواطن ثقته في كل الوسائل الإعلامية، فلا برامج إذاعية تلبي احتياجاته ولا برامج تلفزيونية تتطلع لهمومه ولا جرائد تضطلع بدورها من أجل الإخبار والتثقيف. هكذا وجد المواطن نفسه في عداء أمام الصحافة، وامتنع عن اقتنائها، بعدها وجد نفسه أمام سيل كبير جدا من الصحف الإلكترونية، وشتان بين صحفية إلكترونية وأخرى، فقدَ بعدها عقله حين بدأت المواقع تتناسل دون توقف، وصارت الفضائح والأكاذيب والأخبار المزيفة مواد صحفية لهذه المواقع، تقتحم بها جدران رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فلا يمكن لهذا المواطن إلا أن يصاب بدوار ينتهي به بالحمى ثم القيء، هذا إن لم يصاب بالجنون.

ورغم صمود ما تبقى من المؤسسات الإعلامية النزيهة والتي تحترم أخلاقيات المهنة سواء التلفزيون أو الصحف الورقية، إلا وهي تعاني ضحالة وتفاهة ما يكتب وينشر على أساس أنه عمل صحافي والحقيقة أنه غوغاء وتفاهة وكلام فارغ أجوف، لا تهدف المؤسسة منه سوى تحقيق الربح أو خدمة مصلحة، فنحن اليوم، صرنا نتابع مشهدا إعلاميا يُجلد فيه السياسيون والفاعلون المدنيون، وكأن الصحافة منجنيق لدس كل الأحقاد وشن الحروب والتطاحن بين الجميع، فصارت مهمة ذاك "الصحفي" هي خلق أخبار مزيفة، وتأويل كلام بشكل خاطئ، ونشر صور مفبركة وفيديوهات مركبة لشن الحرب على جهة أخرى ..

هل هذا هو الصحافي؟ هل هذه مهنة من لا مهنة له؟ هناك أسماء إعلامية عظيمة، وحده التاريخ ينصفها ويشهد لها مهنتيها واستحضارها للضمير المهني، لكن ما الذي يحدث اليوم؟ ماذا تغير؟ حتى صرنا أمام صحافة صفراء، وصحافيين يبيعون الخبر، يبيعون ضميرهم ثم بعدها يضعون الصحافة على حافة الانتحار..كل هذه السلوكيات تضر بالمهنة وبالقطاع بشكل عام، فالمبدأ هو: الصحافة مهنة نبيلة، يحكمها تنظيم وقوانين منظمة: قانون الصحافة والنشر، قانون الصحافي المهني، أخلاقيات المهنة وغيرها من الضوابط التي على الصحافي الالتزام بها ..

 

هل صارت الصحافة مهنة من لا مهنة له؟ هل من الصحافيين من أضاع فرصة ولوج مهنة أخرى فاختار الصحافة لأنها كانت الاختيار الأخير، أو لأنه لم يحقق حظه في مهنة أخرى، فمنح لنفسه فرصة التجريب؟ كيف نعيد للمواطنين ثقتهم في الصحافة، ونخبرهم بأن هناك صحافيون أكفاء، صحفيون درسوا وتكونوا، وتعلموا أخلاقيات المهنة ثم اجتازوا امتحانات واختبارات فصاروا يحبون أكثر مهنتهم ويضحون من أجلها، ويشتغلون بصدق ومهنية؟

الصحافة ليست مهنة من لا مهنة له، هي في الأصل مهنة المفكرين والمثقفين والعلماء، الذين نضج عقلهم فسال قلمهم على الأوراق، وأسماؤهم كثيرة، الصحافة مهنة صعبة وخطيرة، فهي مهنة المتاعب ولكنها ليست على الهامش، يختارها من ظل التوجيه ومن أضاع بوصلته، وكأنها دكان، أو محطة استراحة..لا، هذه رابع سلطةهذا عمل نبيل، تحكمه قواعد ومبادئ وضوابط، وليس كل "صحافي" صحافي، ولا تصدقوا من يقول لك مهنتي صحافي أنه كذلك، اسأل عنه، واسأله ماذا كتب؟ ماذا حرر؟ زن مستوى ثقافته ومدى اطلاعه على تغيرات المجتمع، أم فقط يتابع عورات الناس وفضائحهم، ثم اسأله إن اطلع على قانون الصحافة وأخلاقيات المهنة، فإذا لم يجبك: فاعرف أنه من التائهين الذين ظنوا أنهم سيصنعون مجدا وقد دخلوا الصحافة، ورحم الله عبدا عرف قدر نفسه، ثم أعيد وأقول: الصحافة ليست مهنة من لا مهنة له، ولا تقتلوا فينا ما تبقى من الأمل لإنقاذ هذا الميدان الذي أصابه المرض والشلل، شجعوا الأقلام الصادقة والأصوات الحرة النزيهة، وميزوا بين الصحفيين ذوي الضمير المهني وبين الباعة المتجولين ..

 

آسية العمراني. طالبة صحفية

Elomraniassiya@gmail.com



تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

1- زميل في مهنة لا مهنة له

صحفي محيد ضراسو

المجتمع فاسد سيدتي صغيرهم وكبيرهم رجالا نساءا فكيف لهم ان ينظروا للصحافة وهي كاشفة عيوبهم وأسرارهم ، أما أن الصحافة خلقت لرفع التهميش واعداد الاستطلاعات فادرسي جيدا فالعلوم كثيرة جدا ولن تسعفكي الأيام الجامعية للإلمام بكل شيء...

في 24 فبراير 2018 الساعة 50 : 18

أبلغ عن تعليق غير لائق




أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
دمنات : ’ نهار عيدكم نهار عطشكم ايها الدمناتيون..’
اِفتح عينيك !
ريحانة القلب
حمامة تلك التي ودعتنا...
مرافعة ’مول الكنز’
مُمَرِّض في ''حَيْصَ بَيْصَ'' (1)
صُلح الحُلَيْبية
ذ: الجيلالي الأخضر يكتب؛ أزمة اقتصاد أم أزمة ثقة ؟؟
’ساسة بلا أسنان’
المغاربة بين ثقافة المقاطعة و التفاعلات السياسية ''