أضيف في 26 ماي 2018 الساعة 01:57


قصة قصيرة : الكرامة أولا


جمال أسكى



في الدول المتقدمة الحضارية العريقة الأصيلة يعتبر صون كرامة المواطن أولوية الأولويات، وأقدس المقدسات، وأس وأساس كل البرامج والخطط والمخططات. فالإنسان، بصفته إنسانا أولا وأخيرا، "كائن مقدس" له حرمة وكرامة واعتبار، ولا يجوز، بأي حال من الأحوال، تعريض كرامته للإبتذال والإمتهان والإنتقاص. وكل مؤسسات الدولة تعمل، وفق تخطيط محكم دقيق، من أجل تحقيق رفاهية وحفظ كرامة وآدمية ذلك "الكائن المقدس"، بغض النظر عن لونه أو جنسه أو مستواه السوسيو-اقتصادي...

عندنا، في المغرب الحبيب، لا يتمتع الناس جميعا بالقدر نفسه من الكرامة والقدر والإعتبار. فكونك "إنسان"، لا يعطي لك أي "ميزة" تستحق بموجبها معاملة لائقة. فلا بد من إضافة سمات وصفات وخصائص لآدميتك، حتى تتمكن من "انتزاع" بعض الحقوق الأساسية، التي من المفروض أن تتمتع بها لكونك "بشرا" ممن كرمهم الله.

ولذلك تنقسم لدينا المواطنة إلى مواطني الدرجة الاولى والثانية والثالثة... و "تحت الصفر". وينعكس ذلك على النظرة التي تنظر بها مؤسسات الدولة إليك، وحجم العناية التي تتمتع بها والإهتمام الذي توليه لحاجياتك الطبيعية. فالإستقبال والعلاج في المستشفيات العمومية، مثلا، يختلف حسب دائرة معارفك، ورصيد حسابك... و طريقة التعامل مع مخالف لقانون السير، مثلا، ليست بنفس الطريقة مع الجميع. فهناك من سيؤدي المخالفة، وهناك من سيقدم له رجل السلطة المكلف التحية دون أن يطلب منه الوثائق حتى، وهكذا دواليك...

إن تقسيم مؤسسات الدولة المواطنين، بشكل لاشعوري أحيانا،   إلى فئات تستحق الإحترام والتقدير والمعاملة اللائقة، وأخرى "بخوش"، كيفما عاملتهم، فلا بأس.. بمنطق " المتسول لا خيار له"، كما يقول المثل الإنجليزي، ينطوي على مخاطر كثيرة. فليس أصعب وأشق على المرء من أن يرى بأم عينيه، ويعيش الظلم والتميبز والحگرة...

إن انتشار صور المسؤولين، وهم يوزعون "قفة العار" على معوزي ومقهوري الوطن، بينما هم منتشون بالتقاط الصور، ونشرها على اعتبارها إنجازا يجب أن يحمدوا عليه، يلخص أزمة النموذج التنموي للبلاد، الذي أعلن عاهل البلاد فشله. فالتنمية المستدامة، التي تحفظ للمواطن كرامته، حق وليس مكرمة. ولا يمكن، مطلقا، محاربة الفقر و الهشاشة بقفة 200 درهم. هل "كارطونة المساعدات" هي التي ستغني ساكنة الجبال طيلة السنة؟ وهل البشر يستهلكون فقط الدقيق والزيت والسكر؟ ماذا عن باقي المواد والحاجيات؟ لماذا لا تكتفون بالحرمان؟ لماذا تصورون الناس في وضعية إذلال؟

آن الآوان أن يعامل جميع أبناء الوطن، بدون استثناء، على قدم المساواة باعتبارهم مواطنين مغاربة كاملي المواطنة ومن حقهم أن يستفيدوا من ثروات وميزانيات الدولة. فمن حقهم الدستوري القانوني المشروع أن تبنى لهم المستشفيات والمدارس والطرقات وتقريب الإدارات، وتوفير فرص الشغل تقيهم تسول "كرطونة القوالب" كل سنة. فساكنة الجبال ليسوا مجرد وعاء انتخابي يستغله السماسرة للنهب باسمهم، هم أيضا بشر لهم كرامة يجب أن تصان.. اليوم وليس غدا...

جمال أسكى





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
من يحب الدولة أكثر؟
رأسمالنا البشري ليس في حالة مريحة..
هل تبخر –من جديد- حلم ارتقاء دمنات الى عمالة...؟؟؟
محامي يضع ’استفسار المدير الاقليمي للتعليم بأزيلال’ في ميزان القانون والحريات
الطّريق الأسفلتي أو الذّهب الأزرق
الكتب المدرسية أداة تربوية وتعليمة يجب أن تكون في متناول الجميع!!!
أستاذي الذي رحل ...
نسيان
قصيدة شعرية وتهنئة الشاعر زوعيف بمناسبة عيد العرش العلوي المجيد
تخليد مئوية التخييم عبر ترسيخ قيم المواطنة والسلوك المدني