أضيف في 28 ماي 2018 الساعة 09:36


واقعتا المعـلم وشرطي المرور؟


عبد الرحمان شحشي*

عبد الرحمان شحشي*

 

في أقل من أسبوع تقع واقعتان متشابهتان- متناقضتان، تلميذة تستفز مدرسها بالقسم وتشوش عليه الدرس، وشرطي يستفزه سائق دراجة ثلاثية العجلات، ويمنعه من تطبيق القانون.

بمدينة خريبكة وفي إحدى مدارسها العمومية ترمي تلميذة مشاكسة معلمها بالطباشير، وتعيد الكرة أكثر من مرة، وحين ضبطها أعمى الغضب عقله، حتى أنه لم يتحكم في أعصابه وألفاظه، فسرق اللحظة هاتف جوال لأحد التلاميذ ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، فانتقل الخبر كالنار في الهشيم، وتآلب الرأي العام على المعلم متمنيا له أقصى العقوبات، وبالفعل اعتقل المعلم وأدخل السجن.

دخلت على خط القضية جمعيات المجتمع المدني للدفاع عن الطفلة المشاكسة، لكن نقابة التعليم بخريبكة، وأمام شهادات تلاميذ المؤسسة، التي كانت متطابقة حول استقامة المعلم البالغ من العمر 59 سنة، والذي تربت على يديه أجيال وأجيال، رفعت الورقة الحمراء للضغط لصالح فرد من أفراد أسرة التعليم، مهددة بالإضراب وتجميد الامتحانات، وانتهت القضية بالصلح، وإطلاق سراح المعلم بعد أن قالت النيابة العامة كلمتها: "علم المعلم كالهواء، يستنشقه القريب والبعيد، المجدّ والكسول، وكذلك الغني والفقير، وبفضل المعلم نجلس هنا في هذا المكان"، ليطلق سراح المعلم يوم الخميس 23 ماي 2018، ويدان شرطي المرور بالدار البيضاء بعد يوم واحد، الجمعة 24 ماي، والذي بمناسبة قيامه بواجبه في الشارع العام في حفظ الأمن والسكينة طبقا لقانون السير والجولان، طلب سيارة رافعة لحجز دراجة ثلاثية العجلات مخالفة للقانون، إلا أن صاحبها دخل في حالة هستيرية رافضا حجز دراجته، ولم يترك للشرطي ولأصحاب السيارة الرافعة فرصة ليقوموا بواجبهم، فما كان من الشرطي إلا أنه صده عنه مرارا، فسرق اللحظة كذلك هاتف جوال لأحد المارة، ونشرها على أوسع نطاق على مواقع التواصل الاجتماعي.






ومثلما حصل في واقعة معلم خريبكة انهال الرأي العام على الشرطي بوابل من الأوصاف الدنيئة، متمنيا له أشد العقاب.

وبسرعة تم توقيف الشرطي، وهو برتبة ضابط أمن ممتاز، وإحالته على المجلس التأديبي.

في كلتا الحالتين يناصر الرأي العام الطفلة المشاكسة في خريبكة وسائق الدراجة ثلاثية العجلات في الدار البيضاء، وتغلب العاطفة العقل، ولكن هل ستنتهي الأمور مع ضابط الأمن الممتاز كما انتهت مع المعلم؟

أليس للضابط المحترم أسرة تنتظر رجوعه إلى البيت والاجتماع معه على مائدة الإفطار في هذا الشهر المبارك؟ أم أن رجل الأمن، الذي يبلغ من العمر ما يفوق الخمسين سنة، والذي تدرج في الرتب حتى صار ضابط أمن ممتازا، يجب تعليقه في المقصلة لأنه أراد فقط تطبيق القانون ومنع سائق الدراجة من التأثير عليه بالاستجداء وتقبيل الحذاء؟ وهل سيتحرك ضمير سائق الدراجة ويسارع إلى تقديم طلب الصلح لفائدة الضابط الممتاز قبل تقديمه أمام المجلس التأديبي؟ وهل يحق لرجال شرطة المرور والضباط والضباط الممتازين الاصطفاف لمساندة زميل لهم في العمل في غياب نقابة للشرطة تدافع عنهم في مثل هذه الحالات؟

إن إثم المعلم والطفلة، والضابط الممتاز وسائق الدراجة يقع على كاهل الشيطان الذي سرق اللحظة ووزعها لنشر الفتنة وخراب البيوت.

وهل للرأي العام أن يقول إن "جهد الشرطي كالهواء، يستنشقه القريب والبعيد، المجدّ والكسول، وكذلك الغني والفقير، وبفضل الأمن نجلس هنا في هذا المكان"؟

*أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري بكلية الحقوق – جامعة الحسن الأول بسطات





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
نسيان
قصيدة شعرية وتهنئة الشاعر زوعيف بمناسبة عيد العرش العلوي المجيد
تخليد مئوية التخييم عبر ترسيخ قيم المواطنة والسلوك المدني
التسول ولكريساج، و سياسة الدولة
أهم انتظارات الساكنة من رجال السلطة الجدد بمنطقة دمنات
حملة المقاطعة بالمغرب و أشياء أخرى (رأي)
مؤسسة ’جزيرة الفكر ’ بسلا و الأسر المتوسطة المراهنة على التعليم الخاص
حدادٌ على وطن يغرقُ أبناءه في 20 سنة سجنا ظُلما
مُمَرِّض في حَيْصَ بَيْصَ ومعاينة الوفيات (2)
دمنات : ’ نهار عيدكم نهار عطشكم ايها الدمناتيون..’