أضيف في 5 يوليوز 2018 الساعة 23:08


حملة المقاطعة بالمغرب و أشياء أخرى (رأي)


المسلك سعيد

المسلك سعيد


1-  الإستعمال و التعامل الإيجابي و الجدي لمواقع التواصل الإجتماعي بالمغرب بين الكائن و الذي يجب أن يكون.

أعتقد أن تعامل  المواطن المغربي مع مواقع التواصل الاجتماعي و خصوصا الفايسبوك ، يتذبذب بين الإيجابي و السلبي لا من حيث الفكرة المتداولة و لا من حيث أهداف الاستعمال عبر محطات زمنية مختلفة . لقد لاحظ بعض المهتمين بهذا الموضوع أن عالم الفايسبوك لا ينتج المعرفة خصوصا بالدول المتخلفة و المجتمعات المستهلكة كبلادنا ، كما  يصعب أن يصنع التغيير على اعتبار أنه عالم يضم ملايين الزبائن من ذوي الثقافات الضحلة ( الأغلبية ) ، و الأفكار الصبيانية المندفعة و العقليات المهزوزة التي لا تسعى إلى النقد البناء و التأكد ، بقدر ما تسعى إلى الاستغلال السلبي و أحيانا البشع للفايس عن طريق التعبير الفضفاض و القذف و الشتائم بأسماء مستعارة أو خلق حسابات مزيفة تنم عن ضعف كبير في الشخصية و عجز ملحوظ عن المواجهة الحقيقية للواقع و الأزمات ...


هذا ما يجمع عليه جل الباحثين في العلاقة بين الثورة المعلوماتية و القدرة على التغيير خصوصا بعوالمنا المتخلفة ، عكس ما يفعله العالم المتقدم الذي جعل مبكرا من ثقافة ال podcaster و مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة لمحاربة الفساد و تصحيح الاختلالات داخل المجتمع و ذلك اعتمادا على ثقافة واعية مبنية على عقل نقدي : يستعمل التقنية ، يسائل الوضعية ، يبحث و يعمل على إشراك المعلومة بعد تدقيقها ، يدلي برأيه بكل موضوعية ثم يساهم في تغيير أو حل المشكلة . هذا هو الاستعمال المثالي و الأصح للتقنية المعلوماتية فور ظهورها  بالعالم الغربي قبل أن تتحول إلى لعبة مسمومة بين أيادي شعوب متخلفة تفضل أن تجعل منها وسيلة لتبادل ثقافة السندويتش السريع يستلذه جمهور عريض من الكسالى و المستهلكين و ما أكثرهم ! .


إن هذا الاستغلال السلبي و البشع أحيانا للفايسبوك هو ما جعلني شخصيا أوقف بشكل قطعي حسابي الخاص بهذا العالم الافتراضي قبل خمس سنوات ، رغم أن فئة الشباب تفاجئنا بين الفينة و الأخرى بتبادل أفكار جيدة حول تقاعد الوزراء و البرلمانيين ، و الترويج لحملة مقاطعة ناجحة نسبيا لبعض المنتجات الاستهلاكية تعبيرا عن امتعاضه الشديد من غلاء المعيشة جراء ارتفاع الأسعار في مقابل انعدام الجودة و ضعف القدرة الشرائية للضعفاء و المحرومين ... ما يجعلنا نحس باستغلال جيد لهذه الوسيلة التواصلية الحديثة ، و هو استعمال من شأنه أن يساعد الشباب على إنتاج عقلية عارفة تستطيع الفهم و التفاعل الإيجابي مع الواقع المعيش. فلقد عبر المواطن المغربي من خلال المقاطعة مثلا عن وعي كبير أذكته الرغبة الجامحة في تغيير وضع اتسم بالهجوم الوحشي على  قدرته الشرائية و قوته اليومي و على حقوقه الأخرى ، في وقت لزمت فيه جمعيات حماية المستهلك الصمت – و ما أكثر تعدادها !- ، و تعطلت فيه أجهزة المراقبة الحكومية إلا فيما تقدمه من إحصائيات عبر إعلامها الرسمي حول بعض "أكباش فداء "شهر رمضان و الذي بلغت فيه أسعار المواد الغذائية أرقاما قياسية !! . و هذا ما يشبه إلى حد كبير دعوة الدولة المواطنين إلى "توخي الحذر" أثناء استعمال الطريق السيار في بعض المناسبات الدينية أو عطلة نهاية الأسبوع ، دون أن تتكلم عن إجراءات قمع فوضى الأثمنة الصاروخية داخل محطات النقل العمومي ! ، أو عن رداءة الخدمات المقدمة من طرف شركة القطارات المغربية التي لا زالت تستعمل خطوط السكك الحديدية المتقادمة منذ عهد الاستعمار !!.


باختصار ، عندما ينتفض الشعب بشكل من الأشكال ، لا تقوم  الأجهزة المسؤولة  إلا بالحديث عن منظر الشجرة التي تخفي غابة شاسعة من المشاكل الحقيقية و الجوهرية ، و قد تقوم أحيانا بمحاولات التضليل لتلميع واقع مزيف كما حدث مع المقاطعة الأخيرة لمهرجان موازين ، حيث نشاهد الإعلام الرسمي  و المرتزق يحاولان تقديم صورة مغايرة لواقع الحال . و ما أسوأ أن يمارس الإعلام التمويه في زمن العولمة و تقدم التقنية المعلوماتية ! . إذ لم يفلح الإعلام المذكور لا من خلال تعليقاته الإيجابية على إقبال المتفرجين  على حفلات مختلف منصات المهرجان ، و لا حتى من خلال "الاستنجاد" في بعض الفضاءات بجمهور واسع من الأفارقة "لسد الخصاص"  ( ما يذكرنا بخطة الدولة العثمانية القاضية باستقدام جيوش البخاري من إفريقيا لمساندة الجيش الإنكشاري المنكسر في فترة من الفترات التاريخية...) . لم تنفع هذه الحيلة و لا تلك في إخفاء نجاح حملة مقاطعة المهرجان المذكور الذي حاول القطاع السمعي البصري الرسمي - ( الذي يؤدي عليه "المداويخ" ، عفوا المواطنون المغاربة ) ضريبة مهمة مدونة بفواتير الكهرباء – تلميع صورته الباهتة !.  


  2 - نجاح المقاطعة رهين بفهم و استيعاب جوهر فلسفة المقاطعة في جلب التغيير


    عندما نتكلم عن المقاطعة كشكل نضالي فعال ، فلأن الكثير من الشعوب المتقدمة لجأت إليه في عدة محطات لحسم مشاكلها تجاه الدولة : مقاطعة nestlé  جراء إغلاق ستة مصانع و حذف 1800 منصب (1977) ، مقاطعة لحوم البقر بفرنسا و رمي شرائح اللحم بالشارع العام ، و مقاطعة مادة البيض بإحدى دول أمريكا اللاثينية جراء الغلاء ...الخ.


و عندما نتكلم عن المقاطعة كخيار نضالي، فلأنها حققت التغيير المنشود أو فشلت في ذلك عندما لم تراوح مجرد كونها ضجة عابرة لا مفعول لها و لا تأثير. إذ ما الفائدة من مقاطعة بعض المواد الغذائية أو المياه المعدنية و المحروقات أو حتى بعض الأدوية أو المشروبات الروحية المحلية الرديئة ... إن لم يؤد  ذلك إلى تغيير الوضعية القائمة أو إيجاد حل جيد للمشاكل المطروحة ؟؟.


إن طرح هذا السؤال الجوهري بهذه المرحلة التي بدأ الوعي الجماهيري يزداد فيها حدة بأهمية المقاطعة كسلاح ضاغط من أجل التغيير ، يعتبر مهما للغاية ، و يلقي على عاتق المثقف العضوي المغربي بمختلف التخصصات مسؤولية نشر التوعية و التحسيس بأهمية الاهتمام بمرحلة ما بعد "المقاطعة" و التي لا تعتبر غاية في حد ذاتها بقدر ما هي وسيلة ناجعة تدفعنا إلى مناقشة المشاكل الحقيقية المرتبطة بالوضع الاقتصادي و الاجتماعي القائم . يجب علينا ألا نهتم بالأشخاص و أسماء الشركات و المنتجات ، إذ لا يهمنا ذكر إسم أخنوش أو بنصالح شقرون أو هم يحزنون ، لأن هذه المسألة ستنحرف بالفعل النضالي عن فلسفته الجوهرية ألا و هي طرح الأسئلة الحقيقية التالية :


-         لماذا  ، في بلد تناهز مساحته 900 ألف كلم مربع من طنجة إلى الكويرة ، يتم احتكار تجارة الحليب من طرف ثلاث شركات كبرى فقط دون سواها ؟

-         هل يستطيع مستثمر صغير أو متوسط  اليوم بالمغرب يملك ما لا يزيد عن 30 بقرة ، أخذ "ماركة مسجلة" و تسويق منتوجه محليا ؟

-         أليس دفتر التحملات التعجيزية  ، و الذي يقاس على مقاس الشركات ذات رؤوس الأموال  الضخمة ، هو العامل الأساسي في تنكيس الاستثمار ببلادنا ؟

-         ماذا قدم مشروع المغرب الأخضر من نتائج إيجابية في هذا الصدد ؟ و هل تستطيع رزمانة من الفلاحين الصغار إنتاج الحليب مثلا و تسويقه محليا ؟

-         هل يستطيع مستثمر سياحي بسيط خلق "وكالة سياحية" برأسمال متوسط في مقابل الشروط الرهيبة المطروحة حاليا لخلق هذا النوع من المشاريع ؟  blocage de comptes ; cinq salariés au départ … ) ) .


أعتقد أن المقاطعة كشفت اللثام عن المشاكل و العراقيل التي يعانيها الاستثمار بالمغرب ، و هي مرتبطة بالجوانب القانونية و بتغييب التنافسية و العدالة الاقتصادية . فإقليم الأندلس لوحده ينتج أكثر من عشرين ماركة من الحليب ،  لهذا ، فحتى الذين كانوا يقارنون أثمنة بعض المواد الغذائية  بالمغرب و إسبانيا عبر صفحات اليوتوب ، ربما لم يستحضروا جوهر الاختلاف و التباين بين بلد طور سياسة الاستثمار بما يخدم المواطن و قدرته الشرائية ، و بلد اتخذ قرارات كبرى من قبيل : "تحرير الأسعار " و "الجهوية الموسعة" ، لم تواكبها للأسف ، بنيات استثمار في المستوى ، حتى ظلت أفريقيا مثلا ، أو SNI و بعض شركات الاتصال ... هي الشركات الكبرى التي بوسعها الاستثمار وفق دفاتر التحملات القائمة في جميع القطاعات الممكنة . و إلا ، فهل يستطيع أي كان أن يخلق شركة لماء معدني طبيعي نابع من جبال الأطلس الكبير الأوسط  بتخوم بوكماز أو زاوية أحنصال (1) ، ينافس من خلالها الشركات المعروفة التي تبيع الليتر الواحد من الماء ب 6 دراهم ؟؟ !؟.


هذه هي الأسئلة الجوهرية التي على المواطن المقاطع أن يستوعبها بعيدا عن التركيز عن الأسماء و الماركات . فرغم ما يقال عن نجاح حملة المقاطعة مثلا ضد الحليب و البنزين ، فهل يستطيع أي كان بالمغرب أن يجزم أو ينفي أن الوقود الذي يضخه السائق في سيارته من محطات البنزين الأخرى قد تم استقدامه من شركة أفريقيا التي استفادت من امتيازات يجهلها الكثير بعد إغلاق محطة التكرير بلاسامير ؟ .  و هل يستطيع أي كان أن ينفي أو يؤكد وجود اتفاق بين الجودة و سانطرال لتجاوز الأزمة المطروحة بطرق تمويهية تخلق لدى المستهلك المغربي وعيا زائفا عن تأثير مقاطعته على مردودية الشركة التي قام بمقاطعة منتوجها ؟ و هل من مانع يجعل البعض يفكر في إمكانية استفادة هذه الشركة أو تلك من أموال تم ضخها في خزائن محروقاتها من طرف الولايات المتحدة لإنقاذها من الركود و البوار ؟ علما أن هذه الأخيرة هي الراعية الأولى للليبيرالية المتوحشة  القاضية بتقديس حق الملكية و المصالح الشخصية للأفراد ، و التي أدت – كما هو معلوم– إلى اهتزاز و تزلزل الطبقة الوسطى و سحق المحرومين بشتى دول العالم ، ما أدى أيضا إلى تنامي الاحتجاج و الإحساس بالاغتراب بالأوساط الشعبية ؟؟.


و من يدري أن موازين الذي اعتبرته بعض المواقع مهرجانا ل"رسكلة" أموال ضخمة تضخ في جيوب المقربين من بؤر السلطة و المال ، قد نجح فعلا بشكل من الأشكال لدى منظميه رغم المقاطعة ؟...





أكرر إذن ، أن فلسفة المقاطعة يجب أن نستوعبها كفكرة واضحة المعالم و الأهداف ، لا على شكل "جمل مبنية على المجهول" محدودة الأفق ، حتى تكون قادرة على تغيير الواقع من الموجود إلى المنشود .  لهذا ، فمواقع التواصل الاجتماعي كالفايسبوك، و التي أصبحت نسبيا تستغل بشكل إيجابي ببلادنا ، يجب أن تتحول إلى منصات للاعتراض الموضوعي ، على سياسات القهر و الإهانة ، و تعميم الوعي و التحسيس بمختلف المشاكل التي تواجه المواطن

و القطع مع تعميم الخرافة و الخزعبلات من قبيل العثور على الكنز ببعض المناطق أو رؤية الملائكة في سماء بعض المدن ، ما يتنافى و العلة الأساسية من وجود  هذه التقنيات العلمية ، و التي يجب أن تبقى منابر حقيقية مؤثرة في الواقع المعيش و التوجهات المستقبلية للمشاكل المطروحة .


3 – حركة 20  فبراير  المجيدة  و أول  سطور الملف المطلبي الشبابي عبر النيت 


عبرت حركة 20 فبراير المجيدة  عن رفضها  لكل أشكال الاستغلال و القمع فعلا عن طريق الاحتجاج بالشارع العام و التجمهر ، لكنها انطلقت من فيلم قصير عبر الفايس و اليوتوب يدعو فيه الشباب كافة المواطنين الى الاحتجاج  "يوم الأحد" .


لم تنطلق الحركة من مقرات حزبية أو نقابية معينة، بل اختارت العالم الافتراضي لرفض سياسة عالم واقعي يهيمن عليه الفساد. فساد كبير ينخر كل أجهزة الدولة حتى صار المواطن يعاني من تداعياته في صمت رهيب ، فتكاثرت ظاهرة الأجساد المحروقة ، و الجثث الغارقة بحثا عن الأفضل ، و تنامى شبح الانتحار بكل الوسائل الممكنة ...


لقد سمحت الحركة للجماهير بخوض تجربة نضالية فريدة، كما دربتها على صياغة المطالب السياسية و الاجتماعية العامة.


اليوم ، و مع مرور سنوات على الحدث التاريخي ، بات واضحا التأثير الكبير و الإيجابي الذي وشمته حركة 20 فبراير في وجدان و وعي الشعب بمختلف شرائحه و فئاته ، و لعل أشكال المقاطعة التي مورست مؤخرا للتنديد بواقع الحال ، لخير دليل على أن صدى هذه التجربة الرائدة المليئة بالدروس و العبر ، لا زال مدويا و مؤثرا .


أعتقد أنه منذ 2011 إلى اليوم ، و رغم أن الحركة لم تحقق كل مطالبها ، فلقد تركت بصمتها على سطح السياسة بالمغرب و ساهمت في تشكيل وعي سياسي مهم لا بد له أن يتطور باستغلال جيد و أمثل للتكنولوجيا السمعية البصرية التي يتيحها العلم .


و من جهة أخرى ، لا بد أن يتحمل المناضلون " المقتنعون " ، لا " المقنعون "                ( المكلفون بمهمة ) ، "مهمة نضال الواجهة و أشياء أخرى" ، مسؤوليتهم التاريخية في المساهمة في صقل هذا الوعي الشبابي .

4 - على سبيل الختم :

لا يختلف إثنان على أن الأوضاع الاقتصادية و الإجتماعية بالمغرب مقلقة . و " الخوف من المجهول و الفقر و القهر و سائر السلبيات الأخرى هي من أكبر الدوافع على طلب الحق" كما كان يؤكد على ذلك الأستاذ الجليل المهدي بن عبود . بل إنها سلبيات متراكمة و متزايدة تجعل المواطنين يطرحون باستمرار السؤال الذي سبق للأستاذ ادريس بن علي أن طرحه في عدة مقالات سياسية : "هل نحن سعداء في هذا الوطن؟" .


 رغم أن شباب اليوم يتجولون بسماعاتهم على آذانهم ، مهووسين  بلازمات موسيقية  بعيدة في أغلب الأحيان عن أراضيهم الأصلية ، و رغم تأثرهم الملحوظ بالألعاب التلفزية و أنظمة النجومية في الرياضة و الأفلام  المدبلجة الفارغة المحتوى و غيرها ، يجدون فيها ربما تهدئة للأعصاب تحميهم من القلق ، رغم كل ذلك ، فنحن متفائلون بالوعي الذي يكتسبونه شيئا فشيئا من الاحتكاك بالتقنية السمعية البصرية التي يجب استغلالها داخل الأسرة و المدرسة بشكل جيد حتى تبتعد عن التفاهة و الصبيانية  و تعميم الأخبار الخرافية بين الفينة و الأخرى.


و رغم أن الكثيرين من جيل الأمس يتحسرون على فقدان المعالم الذاتية لأيام زمان ، فإننا نستطيع بالتربية و المساندة الفكرية أن نجعل هذه الطاقة الشبابية تستغل العالم الافتراضي في الأمور الجدية  بعيدا عن المبالغة في التعلق بعالم التمثلات الهشة  الذي لا يزيد الأفراد إلا قلقا من "شيطان الشك" كما تحدث عنه Marcel Gaucher  ، حيث يمتزج غموض الإرادة السياسية بكابوس "الخرابات البيئية للحقل الاجتماعي و المجال الذهني" .


الفساد يجب أن يحارب مهما كان الثمن، و البحث عن الكرامة حق مشروع بكل الطرق.


و أعتقد أن الشباب المغربي عبر عن وعيه القوي بمآزق المرحلة في عدة مناسبات : انتقد بشدة الامتيازات الخيالية لأصحاب "جوج فرانك" ، صرخ ضد قرار إطلاق سراح الإسباني Daniel الذي عبث بالطفولة المغربية ، رفض و بقوة أن يتم وصفه بأقبح الأوصاف ( المداويخ...الخ) ، دعا أيضا إلى تجسيد الروح الحقيقية لمؤتمر المناخ 22 بعيدا عن الشعارات الزائفة ل : "زيرو ميكا" في الوقت الذي تملأ فيه آلاف الحفاظات البلاستيكية الملوثة جنبات الأزقة و المطارح العشوائية ، نادى عاليا بإقامة مجتمع "زيرو فساد" و دافع عن قدرته الشرائية – التي لا يمتلكها أصلا- بمقاطعة بعض المواد و المنتجات ...


كل هذه الأمور قام بها على طريقته الخاصة مستغلا طرق التواصل الحديثة.

لا بد من الإشارة إلى أن الذي يلجأ إلى تهديد  مبدعي  مثل هذه المبادرات النضالية المشروعة ، خصوصا  الرافضة للزيادة في الأسعار ، و للسلع الرديئة و استغلال المستهلك في مناسبات معينة ، قد يكون مسؤولا منغلقا مصابا بالعقم ، لا يحب الإختلاف و يكره الإبداع . فصاحب خطاب التهديد بشكل عام ، يكون تفكيره مؤسسا على منطق فيروسي ، عماده تضخيم الذات كما في ملاحم أبي زيد الهلالي و فرسان المماليك ، حيث محاولة "تأكيد الذات" ضد المخالفين توضح  الفقدان الكلي للطمأنينة و تجاهل التقدير الموضوعي للمواقف ، كما توضح شعورا خفيا بالنقص و غياب الكفاءة لمعالجة المشاكل المطروحة بالعقلانية المسؤولة اللازمة .


لقد كان Voltaire  يؤكد على أن التهديد نوع من "حماقة التعصب" التي تدمر التسامح من جهة ، كما تحطم الدولة الديمقراطية المنشودة .


و على ذكر هذه الأخيرة (الديمقراطية) ، فلا يمكن أن تتحقق في ظل إعلام سمعي بصري لا يقدم خدمة عمومية فعلية ، بل يفضل أن يبقى يافطة للتضليل أو بوقا لمزاعم المخزن !


لهذا ، ربما ، يلجأ المواطن المغربي اليوم إلى التقنية التواصلية الرقمية الحديثة لإثبات ذاته و تصريف مواقفه  مع  جميع الفئات و حتى مع شعوب العالم الأخرى مباشرة معهم عندما لا يستطيع "مباشرة معكم" تخصيص حلقة للتحدث عن معاناته و احتجاجاته المحرجة .


إن المغرب بلد قوي بتاريخه و أمجاده، غني بخيراته، عبقري برجاله و نسائه و شبابه.

و إن كان قد  امتنع أو احتج أو عارض أو قاطع ، فلأنه تواق إلى ثالوث الحرية و الكرامة و العدالة الإجتماعية ، هذا الثالوث الذي لن يتحقق بقمع الاحتجاجات السلمية ، و وضع أكثر ما يمكن من الأوساخ في لائحة الاتهامات لإصدار الأحكام القاسية ، و استمرار الامتيازات الريعية و غياب المحاسبة الحقيقية على اختلاس الأموال العمومية ، و تنامي فوضى التلاعب بأسعار المواد الغذائية ، و استمرار ارتفاع المؤشرات الضعيفة للتنمية ، و تخلف البنية التحتية التي  جعلت العديد من مغاربة العالم يتساءلون عبر الشبكة العنكبوتية : " كيف يمكن للمغرب أن ينظم تظاهرة رياضية عالمية و المراحيض العمومية غائبة تماما حتى ببعض الحواضر الكبرى ، فما بالك بالبوادي و القرى النائية ؟!؟..."


ما أحوجنا في هذه اللحظة بالذات  إلى أن يغتنم الجميع كل الفرص المتاحة لإحداث إصلاحات حقيقية مبنية على مكافحة الفساد في إطار دولة الحق و القانون ، الشيء الذي يبقى مرهونا – كما قلنا في العديد من المقالات السابقة- بتوفر إرادة سياسية هادفة إلى استئصال كل مظاهر التعفن و التسلط المتفشية ، مع إدخال إصلاحات اقتصادية و اجتماعية تجعلنا نعيش جميعا في مغرب قوي ، متضامن متماسك و سعيد .


(1) : جماعتان قرويتان بقمم جبال الأطلس الكبير الأوسط  تابعتان لإقليم أزيلال.

 

 

 

 

 





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
التسول ولكريساج، و سياسة الدولة
أهم انتظارات الساكنة من رجال السلطة الجدد بمنطقة دمنات
مؤسسة ’جزيرة الفكر ’ بسلا و الأسر المتوسطة المراهنة على التعليم الخاص
حدادٌ على وطن يغرقُ أبناءه في 20 سنة سجنا ظُلما
مُمَرِّض في حَيْصَ بَيْصَ ومعاينة الوفيات (2)
دمنات : ’ نهار عيدكم نهار عطشكم ايها الدمناتيون..’
اِفتح عينيك !
ريحانة القلب
حمامة تلك التي ودعتنا...
مرافعة ’مول الكنز’