أضيف في 27 أبريل 2018 الساعة 10:00


’الوْجه المشروكْ عمْرو ما يصْفا’ .. مثل تصرخ به مرافقنا


بقلم عبد اللطيف مجدوب
عبد اللطيف مجدوب

ظاهرة تحمل أكثر من دلالة

يتساءل المرء بكثير من الذهول ، وهو يذرع شوارعنا أو يلج أحياءنا ، لماذا يتدافع الكثير من المغاربة إلى الإساءة ؛ من حيث يعلمون أو لا يعلمون ؛ إلى المرافق العمومية والخدْمات المشتركة ، وكأنها لا تمت بصلة إليهم أو هي في نظرهم مجرد فضاءات للتخلص من فضلاتهم والتعبير عن عدوانيتهم . نلاحظ هذا في الشارع العام وفي الحافلة المهترئة والطرقات وعلى متن القطار وكذلك "الحدائق العمومية" ؛ أكواما مبعثرة من النفايات تؤثث زوايا الأزقة والدروب وبوابات العمارات ، وكدمات ورضوض باتت السمة العامة لحافلاتنا إلى جانب منافذ مهشمة ومقاعد لم تعد تحتفظ سوى بهياكل حديدية ؛ ترتج ضلوعها دوما كلما أقلعت ... كما أن آثار التخريب والتمزيق تطالعك وأنت تهم بحجز مقعدك داخل قطار .. وتبلغ بك الدهشة أوجها حينما تحاول استعمال دورة المياه !

والمفارقة الغريبة هي في وجود اهتمام بمرافقنا الداخلية بمنازلنا وبيوتاتنا ؛ نتعهدها بالنظافة والرعاية ، لكن إذا تعلق الأمر بمرفق مشترك كالدرج والمصاعد والسطوح .. فثمة وجه آخر يعكس عدوانية بغيضة ومجانية أحيانا ، وكأن لسان حالنا يقول : " أنا ومن بعدي الطوفان " ! فماذا يكمن وراء هذا العداء تجاه المرفق المشترك ؟ ماذا يعكس السلوك بهذه اللامبالاة والتجاهل لكل قواعد سلامة البيئة الطبيعية والاجتماعية ؟

لماذا المشترك محل نزاع ؟

قد تعود جذور هذه الظاهرة إلى أساليب التربية التي اعتادتها معظم الأسر المغربية مع أبنائها ؛ والقائمة على الاستفراد بالمهام والمسؤوليات دون إشراك الآخر ، أو النظر إلى مرافق المنزل كما لو كانت قصرا على شخص معين ؛ فوقوع اختلالات بها لا يستدعي اهتمام "الجميع" ، مثلا تعرض النافذة لشروخات ما تستدعي ؛ في الدرجة الأولى ؛ اهتمام الأم أو الأب ، كما أن عطلا بالسيارة كثيرا ما يقود الأب وحده إلى استعراض تداعياته ، كالتأخر في التحاقه بالعمل وفي غياب تام لوعي الأبناء به ، مما يجعلهم يزيحونه من اهتماماتهم .





فالتربية المبكرة على صيانة المشترك هو أمر أساسي وجوهري في بناء وعي جماعي ؛ ينسحب على الأسرة كما ينسحب على الجوار . وهذا ما يدفع بالمواطن إلى ردود أفعال تلقائية إزاء كل حالة غير اعتيادية ؛ يلاحظها في محيطه أو بالقرب منه ، كأن تلاحظ امرأة شخصا يحاول القذف بنفاية ما من خلال نافذة ؛ حتى ولو كانت بمنزل مجاور ؛ فتنزعج وتسارع إلى إبلاغ الشرطة .. وينسحب هذا المثال أيضا على مشاهدة شخص يحاول العبث بأزهار الحديقة ، أو حيوان يتعرض للتعذيب . وفي جميع هذه الحالات وغيرها يهب الأشخاص بقصد النجدة أو إبلاغ دوائر الأمن المختصة ؛ على النقيض تماما من مجتمعات لا تهتم بالمشترك أو تتعامل معه بعدوانية ولامبالاة ، كما لو كان خارجا عن دائرة وجودها ولا يمت بصلة إليها .

ولعل هذا التأسيس من عدمه في قضية المشترك يمتد أثره إلى المجتمع ، فالكثيرون لا يأبهون بالمرافق ما كانت معطوبة أم لا ، أو يستعملونها كما لو كانت خارجة عن دائرة خصوصياتهم ، وهو ما يمكن رصده من خلال شخصين متواجدين في مجتمع واحد ؛ أحدهما تلقى تربية قائمة على احترام المشترك فإذا ما تناول العلكة جعل يبحث عن صندوق للنفايات ليرمي فضلتها ، عكس الثاني الذي يقذف بها أنى تأتى له .

وقد نجد لهذه الظاهرة امتدادات أخرى أكثر خطورة ؛ منها المعاملات التجارية والتي تحمل طابع "الشركة" بين ثلاثة أشخاص أو أكثر ، والتي ينتهي إقبارها داخل ردهات المحاكم لانعدام روح "الثقة" بين شركائها ، ودبيب الخلاف بينهم حول أشياء صغيرة وتافهة .

حمل المجتمع على احترام المشترك

هناك مجتمعات تنبهت مبكرا لهذه القيم الحضارية المشتركة فلجأت إلى سن قوانين زاجرة وإشارات منبهة .. نصبتها في جميع المرافق ، في الطرقات العامة في الحدائق وفي الأحياء ، فضلا عن تسجيلها على الكثير من علب المنتوجات الاستهلاكية معززة إياها بغرامات تجاه كل الخروقات ، مما حمل على تكريس الوعي بهذه القيم المشتركة بين أفراد المجتمع وصيانته للمعايير الحضارية وترسيخ وجودها في السلوكات الفردية والاجتماعية . ولتبيان أثر هذه التربية على المشترك ، يمكن إيراد مجموعة من المؤشرات فيما يلي :

* مآثرنا وأسوارنا التاريخية المكشوفة تنبعث من جنباتها روائح تزكم الأنوف ؛ تشعر الزائر بعدم الاقتراب منها ؛

* المراحيض عسير وجودها، وإذا وجدت فعسير استعمالها ؛

* القمامة بالكاد تؤثث شوارعنا وحاراتنا ؛

* النفايات يقذف بها عادة في كل اتجاه ؛

* باحات ومحطات المسافرين تعد منبرا للنزاعات بين أرباب الحافلات والسائقين ، فضلا عن كونها مرتعا للنصابة ؛

* درج العمارات ملوثة باستمرار وأبوابها مخلوعة أو مهشمة في أفضل الحالات ؛

* منافض السجائر داخل المقاهي لا أثر لها وحتى إن وجدت يتم تحاشيها من طرف معظم المدخنين ؛

* الحدائق تتحول إلى مرتع للعب وطمس معالمها الخضراء ؛

* الشواطئ هي الأخرى تتحول في الصيف إلى موائد طعام متنقلة ومصرف للنفايات والفضلات ؛

** بينما نجد ؛ في مجتمعات أخرى تربى أفرادها على صيانة المشترك ؛ وجود روادع وتنبيهات باحترام المرافق المشتركة أينما حللنا ؛ سواء داخل الأسواق أو في قارعة الطريق أو على الرصيف أو المنتزهات ..





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الصناعات الثقافية بالمغرب وتنمية التفكير الإبداعي .2
جولة في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية – الجولة الأولى-
صحافي من أبناء جهة بني ملال خنيفرة.. يوجه نداء القلب والضمير لمراسلي الجهة
المدينة الكهف
سمير أوربع وقراءة في قضايا كتاب ’الأدب في خطر’
أمهات وآباء آخر زمن!
الصناعات الثقافية الصناعات الثقافية وتنمية التفكير الإبداعي والاقتصاد الوطني (مدخل عام)
ممرّض في حَيْصَ بَيْصَ والطّبيب الصّغير (3)
الجيلالي الاخضر يكتب؛ قديما قيل: ’الاغبياء يفسدون اللحظات الجميلة''
هل قتلتَ جمال خاشُقجي أم قتلكَ؟