أضيف في 11 يونيو 2018 الساعة 01:59


مُمَرِّض في ''حَيْصَ بَيْصَ'' (1)


بقلم عبد العزيز غياتي



بقلم عبد العزيز غياتي  

 

 

صحيح أن الولادة تمّت بالمستشفى ولكنّ الأمّ لا تتوفّر على ما يثبت أنّها متزوّجة، ولا تتوفّر على بطاقة التّعريف الوطنيّة، وسبب ذلك حسب الزّوج المفترض أنّ زوجته لم تبلغ بعد السنّ القانوني للزّواج، ومع ذلك فقد تزوّجا وأقاما عرسا وعاشرا بعضهما بعضا وأنجبا مولودا وُضع في مستشفى عمومي، وبعد ذلك قدِما به إلى مؤسّسة صحيّة من أجل التّلقيح، ومن مقتضيات عملية التّلقيح تدوين معلومات عن المولود ،تتعلّق بالأب والأم والسنّ وغيره، في سجل بالمركز الصحي خاصّ بالتّلقيح وكذلك في دفتر التّلقيح الذي تحتفظ به الأسرة من أجل التّلقيحات التاليّة ومن أجل العلاجات المفترضة، كما يُستعمل هذا الدّفتر لأغراض إداريّة كالتّسجيل في الحالة المدنيّة كما جرت العادة في بعض الجماعات التّرابيّة.

      قد تبدو هذه الصّورة على عكس حقيقتها، لا لبس ولا إشكال فيها، والواقع أنّه حين يُفرض على مهني قطاع الصحّة ممارسة بعض الإجراءات الإداريّة البعيدة عن مجال اختصاصه، والتي لم يتلقّ في شأنها تكوينا أساسيّا و لا مستمرّا و لا حتّى مجرّد معلومات مقتضبة من الإدارة التي يتبع لها، إنّما يعتمد فقط على عادات من سبقوه في المصلحة وعلى اجتهاداته الشّخصيّة، حينئذ يكون مثل الذي يحوم حول الهاوية ويوشك أن يقع فيها، خاصّة حين يُوقعُ المواطن نفسه في مخالفات قانونيّة وينتظر كما تنتظر الإدارات الأخرى من الممرّض أن يدشّن الحلقة الأولى في مسلسل الحلّ، حتى ولو كانت هذه الحلقة أسّست على جرف قانونيّ هار، وخاصّة حين تتقاطع هذه الإجراءات الإدارية مع إدارات أخرى.

     إذا كان المطلوب هو أن تُحضر الأسرة معها عقد الزّواج أو الدّفتر العائلي إضافة إلى شهادة الولادة في حالة تمّت داخل مؤسّسة صحيّة، وهو أقلّ ما يجب توفّره بين يديّ الممرّض لتدوين نسب المولود واسم ونسب والديه في الدفتر الصحّي دون حرج ودون الوقوع في ما يعتبر إصدارا لوثيقة تتضمّن معلومات غير صحيحة أو مزيّفة، هذه الوثيقة التي يُحتمل استعمالها من طرف إدارات أخرى غير وزارة الصحّة، فإنّ الحيص بيص، والإشكال هو حين يدّعي الأبوان المفترضان أنّهما متزوّجان دون توثيق، وقد لا تتوفّر الزّوجة على أي وثيقة لإثبات الهويّة، حينئذ قد يقدم البعض على تجاوز المهام الأصليّة إلى إنتاج وثائق رسميّة بناء على تصريحات شفهيّة للزّوج والزّوجة والأصهار والنّسيبة، فقط من أجل حرق المراحل لتمكين المولود الجديد من أخذ جرعة التّلقيح، وتمكين الأبوين من وثيقة سوف يحتاجانها لاستعمالات متعدّدة.

     والحقيقة المستقاة من الوقائع، ومن الواقع المجرّب تؤكّد أنّ جرأة الممرّض النّادرة تلك لا يقدم عليها عون السّلطة ولا ضابط الحالة المدنيّة ولا حتى ممثّل السلطة المحليّة، بل يبنون في أغلب الأحيان على وثيقة من قطاع الصحّة، وذلك لأنّهم يحترمون المساطر التي يشتغلون تحت تأطيرها، خلافا لمهنيي قطاع الصحّة الذين يعالجون مثل هذه الموافق بطرق تختلف من إقليم إلى آخر ومن مؤسّسة صحيّة إلى أخرى، ومن جيل إلى آخر، بل قد تختلف من شخص إلى آخر داخل نفس المؤسّسة، وذلك لسبب بسيط هو أن التّكوين الأساسي أو المستمر والتّوجيه من طرف الإدارة في هذا الشّأن، والذي يمكن أن يوحّد فعل المهنيين غير موجود على الإطلاق، حيث تُركوا في مهبّ ريح اجتهادات فردية أو جماعية أو عادات موروثة أو فتاوى داخليّة أو دخيلة، قد تكون منصفة للمرتفق وحاميّة للممرّض، ومتساوقة مع الواقع والقانون، وقد تكون فقط ملاذ استعجاليا للانفلات من الفراغ الإجرائي، يُلجأ إليها لتحريك وتيسير عجلة التّدابير المتعلّقة بالتّلقيح والتّصريح بالولادة والتّسجيل في سجلّات الحالة المدنيّة، دون التفات إلى الأخطار المتربّصة والكامنة في التّفاصيل و التي تنتظر فقط من يوقظها.

     وإذا كان الشكّ سبيل الفلاسفة إلى اليقين، فإنّ الشكّ هو طوق النّجاة للممرّض لبلوغ برّ الأمان، فإذا جاءتني امرأة تحمل من تدّعي أنّه حفيدها ولا تحمل أيّ وثيقة إثبات، وقالت إنّ الأب مسافر والأمّ في البيت متعبة ولا تستطيع الحضور، وتقدّم نفسها مصدرا شفهيّا لكلّ المعلومات الواجب تدوينها أسود على أبيض، فمن حقّي أنّ أشكّ في كون المشهد ليس إلّا مسرحيّة من الألف إلى الياء للتّغطية على مخالفات قانونيّة وتدشين مسيرة لتبييض سوادها، ومن حقّي أن أطالب بكلّ الوثائق التي تثبت العكس، دون أن أحرم هذا الوليد من حقّه في أخذ جرعة التّلقيح.

       وحضور "زوجين" بدون وثيقة زواج و لو توفّرا على بطاقتي تعريفهما، يجب أن يثير الشكّ حول هذا الزّواج؛ هل هو غير قانوني أصلا وقد أثمر مولودا؟ أم هو زواج شرعيّ غير موثّق ينتظر فقط ثبوت الزوجيّة؟ أم هو زواج من امرأة ثانيّة دون إذن من الزّوجة الأولى التي قد تكون سجّلت في شأنه دعوى لدى المحكمة وتنتظر النّطق بالحكم؟ كما يجب أن يكون كذلك دافعا للإحجام عن خطّ أيّ وثيقة بيدي لا أستطيع الاستدلال على صحّة المعلومات التي تحتويها بوثائق رسميّة، وليس بتصريحات شفهيّة تذروها الريّاح في أوّل عاصفة محتملة.

       و للخروج من هذا الحيص بيص لابدّ أن أعلم ابتداء أنّ مهمّتي الرّئيسيّة في هذا المسلسل هي الحرص على تلقيح المولود في ظروف سليمة، وليس مطلوبا منّي أن ألعب دور الكاميكاز فداء لإدارة اتسع فيها الخرق على الراقع، لأنّي لست مسؤولا عن حلّ مشاكل كان السّبب فيها مثلا من تزوّج خارج نصوص القانون، أو سببها فراغ إجرائي ناتج عن ضبابيّة في تحديد مهام داخل دائرة التقاطع بين إدارات مختلفة، ولا بأس كذلك أن أطلب من المرتفقين ما يبدّد الشكّ ويقطعه باليقين، وأبالغ في الطّلب، كما يفعل إداريو القطاعات الأخرى، ولا عيب أن أحترز وأتحرّى قبل أن أصبح في موضع مساءلة حول صحّة المعلومات التي دوّنت يداي وعن مصدرها، أو أُصبح في مرمى تهمة التّزوير والمشاركة فيه، وحينئذ يكون قد فات الأوان .





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
دمنات : ’ نهار عيدكم نهار عطشكم ايها الدمناتيون..’
اِفتح عينيك !
ريحانة القلب
حمامة تلك التي ودعتنا...
مرافعة ’مول الكنز’
صُلح الحُلَيْبية
ذ: الجيلالي الأخضر يكتب؛ أزمة اقتصاد أم أزمة ثقة ؟؟
’ساسة بلا أسنان’
المغاربة بين ثقافة المقاطعة و التفاعلات السياسية ''
الفضيحة..