أضيف في 2 دجنبر 2016 الساعة 02:29


من يحسم المعركة التي أجلها الحسن الثاني أربعين سنة؟


بقلم مولاي التهامي بهطاط

ما يجري اليوم تحت مسمى "البلوكاج" هو في الحقيقة فصل جديد من فصول معركة نجح الحسن الثاني رحمه الله في تأجيلها أربعين سنة كاملة، أي طيلة فترة حكمه..

لقد رفض العاهل الراحل دائما أن يكون إلى جانبه وزير أول منتخب بأي شكل من الاشكال، أو منبثق من أغلبية برلمانية أفرزتها صناديق الاقتراع حتى في زمن التزوير العام والمباشر، لأنه كان يدرك أن ذلك ستكون له انعكاسات واضحة على "وزن" الملكية في ميزان الشرعية التي كان أصلا سببا في صراع مزمن مع الحركة الوطنية غداة الاستقلال.

فوزير أول منتخب يعني منطقيا وضع النظام عمليا على درب "الملكية البرلمانية"، كما ان تعدد الشرعيات وتنافسها سيثير كثيرا من الاسئلة "التلقائية" التي شاهدنا عينة منها في الجلسة الافتتاحية للكورتيس الإسباني قبل أيام : من انتخب الملك؟

ولهذا -وأكثر من ذلك- أصر الحسن الثاني رحمه الله في كل الحكومات التي تشكلت على عهده على أن يكون وزيره الأول دائما شخصا "ممسوحا" (Ecrasé) في تطبيق عملي لقول النابغة الذبياني (مع تحوير يقتضيه السياق طبعا):

أنت شمس "والوزراء" كواكب

إذا طلعتْ لم يبدُ منهنّ كوكبُ.

وحتى عندما أكد الأطباء خطورة مرضه، وشرع في تمهيد الارضية لانتقال العرش بطريقة سلسة، واستدعى أحزاب الكتلة لقيادة تجربة التناوب التوافقي، فإن الحسن الثاني ظل متمسكا بخيار أن تكون للملك صلاحية مطلقة في تعيين الوزير الأول، والدليل أنه لم يرد أثر في دستور 1996 لأي تحديد لهذه الصلاحية أو تقييدها بأي شرط من الشروط، رغم أن هذا الدستور مثل الجسر الذي عبرت عليه أحزاب المعارضة ممثلة اساسا في الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال، نحو ضفة "المشاركة في الحكومة"، في الظروف التاريخية المعلومة.

إن الحوار الذي أجراه الاستاذ امحمد بوستة مع جريدة "المشعل" في فبراير 2011، يتضمن شهادة على العصر قد يكون من المفيد تكرار بعض مقاطعها هنا.

فأحزاب الكتلة اتفقت مع الملك الراحل -ولا أقول اشترطت- على ما يلي:" نزاهة الانتخابات وتعيين الوزير الأول من الأغلبية، واحترام صلاحيات الوزير الأول في اقتراح أسماء الوزراء الذين يعينهم جلالة الملك"..

لكن الأستاذ بوستة يستدرك بالقول إنه تم التوافق أيضا على أنه :"ليس من الضروري أن تُكتب هذه الأشياء في الدستور، ولكن تمارس وتُقعَّد في العمل الدستوري..."..

معنى هذا أنه حتى في تلك اللحظة المفصلية المتسمة بالغموض والضبابية والانفتاح على المجهول، بل وبالمخاطر التي لخصها الحسن الثاني نفسه في جملة "السكتة القلبية"، إلا أنه أصر على أن يكون تعيين الوزير الأول -وليس رئيس الحكومة- من الحزب الفائز بالانتخابات، مجرد عرف دستوري يحتاج إلى عقود -ربما- لترسيخه، بدل النص عليه في الوثيقة الدستورية المكتوبة لاختزال الزمن وتوضيح الرؤية.

إن هذا ما يفسر تفضيل العاهل الراحل لوزراء أولين من عينة كريم العمراني وعز الدين العراقي وعبد الطيف الفيلالي وأحمد عصمان والمعطي بوعبيد .. وعدم الرهان حتى على شخصيات لها بريق خاص أو كاريزما قد تؤدي إلى مقارنة من اي نوع، فأحرى إلى منافسة أو مناقشة.

إن هذه الخاصية، تجلت مرة أخرى مع أول حكومة تم تعيينها في عهد الملك محمد السادس، حيث تم التراجع عما سماه الاتحاديون يومها "المنهجية الديموقراطية" بتعيين إدريس جطو وزيرا أول، قبل العودة في الحكومة الموالية لتعيين عباس الفاسي أمين عام الحزب الفائز بانتخابات 2007، والذي صنفه كثيرون على أنه أضعف وزير أول عرفه تاريخ المغرب المستقل.

فالهدف كما هو واضح كان الحيلولة سنة 2002 دون تحول الامر إلى "عرف دستوري" كما تم التوافق عليه بين أحزاب الكتلة والعاهل الراحل، بينما كانت سنة 2007 مجرد تمهيد لمشروع "حزب الدولة" الذي كان سيكتسح الانتخابات التي كانت مقررة سنة 2012، لولا أن هذا المخطط تعثر في "حجر" 20 فبراير.

وهنا لابد من التذكير بأنه لو أصر الاتحاديون يومها على التمسك بـ"المنهجية الديموقراطية"، لربما كان مسار التاريخ السياسي/ الدستوري للمغرب قد تغير، ولما كنا في حاجة إلى ربيع عربي ولا إلى حراك 20 فبراير.. بل لكنا أمام تطور منطقي للأمور في إطار البناء على ما تحقق من خلال تجربة "التناوب التوافقي" على علاتها... لكن الاتحاديين فضلوا يومها الحصول على جزء من الغنيمة الحكومية، بدل خوض المعركة المؤجلة.

هذا الجرد التاريخي ضروري حتما لفهم ما يجري في الحاضر، وتحديدا ما يسميه البعض بـ "البلوكاج"، وهو تعبير مجازي كما جرت العادة، عندما يعجز الفاعلون عن التعبير باستعمال المفردات المباشرة والمعبرة عن الحقيقة والواقع.

فالكل يعلم أن المخاض العسير الذي تمر به الحكومه اليوم، سببه تواجه إرادتين -حتى لا أقول صراع إرادتين-.

فلا ينبغي أن ننسى أن الذين هندسوا دستور 2011، لم يكن يخطر في بالهم، ولو من باب الاحتمال البعيد أن انتخابات 25 نوفمبر من تلك السنة ستفرز النتائج التي أفرزتها. بل من المؤكد أن الخلفية كانت واضحة، بدليل الولادة السريعة وعشية الانتخابات، لما سمي "مجموعة الثمانية"، التي كان من المفترض أن تمثل ردا "مؤسساتيا" على حراك الشارع.

فجميع التوقعات كانت تشير حينها إلى فوز هذه المجموعة بأغلبية مريحة، بل كان إسم صلاح الدين مزوار يقدم مسبوقا بصفة "رئيس الحكومة" خلال الحملة الانتخابية، وأكثر من ذلك جرى حديث عن تقسيم مبكر للحقائب الوزارية لولا أن إرادة الشارع حطمت قصور الرمال التي بناها من راهنوا على نجاح مشروع "الثورة المضادة"، والمتمثل في إفراغ الدستور الجديد من محتواه، والتراجع عن كل المكتسبات القليلة التي جاء بها من خلال قراءة "رجعية" بكل ما في الكلمة من معنى...

وبالجملة، فإن نتيجة تلك الانتخابات كانت المفاجأة الأولى، لكنها لم تكن الاخيرة..

لا نحتاج إلى كثير من الخيال لتصور المآل الذي كان ينتظر مؤسسة "رئاسة الحكومة" لو لم تؤل لزعيم حزب العدالة والتنمية.

ولا نحتاج هنا إلى تكرار ما تطرق إليه كثيرون حول دور "شخصية" بن كيران في إسقاط كثير من السيناريوهات التي تم رسمها للالتفاف المبكر على ما حققه حراك الشارع المغربي تحت عنوان "الربيع العربي"..






فقد توالت المفاجآت تباعا، وبشكل أكد فعلا استحالة "النكوص" والعودة إلى الوراء، خاصة وأن بعض اللحظات عرفت اختبارات حقيقية لمدى خطورة توفير "أسباب" وجيهة لتحرك الشارع/ الرأي العام، كما حدث في قضية العفو عن كالفان وفي قضية فواتير أمانديس.. وحتى أخيرا في قضية شهيد الحسيمة..

ولهذا تم الرهان مجددا على صناديق "متحكم فيها" للتراجع تحت غطاء "انتخابي" قد يثير ردود فعل محدودة.. لكن مفاجأة أكتوبر 2016 كانت أكبر من مفاجأة شتنبر 2015 .. والبقية لا تحتاج إلى تفصيل..

لكن بالنسبة للانتخابات التشريعية الأخيرة، وبالنظر إلى "الإجراءات" التي تم اتخاذها لـ"التأثير" على إرادة الناخبين كما "سارت به الركبان"، يتضح حجم الرهان على هذه المحطة للعودة إلى "الأعراف المرعية".. لكن الذي حصل في النهاية هو فقط تفعيل جديد للمعركة التي أجلها العاهل الراحل طيلة أكثر من 40 سنة.

ولا أجازف بالقول، إننا نعيش اليوم فعلا، لحظة تاريخية بكل المقاييس، ستنبني عليها كثير من معالم المستقبل.

فالمسألة أكبر من مجرد "بلوكاج" كما يتم تسويقه، أو صراع أحزاب أو نخب سياسية، تغلب الجوانب "الشخصية" في حساباتها.

فالكل يعلم أن الأحزاب "الإدارية" لم يعد لها وجود الشارع، وأن ما تحصده من مقاعد انتخابية يرجع الفضل فيه بالدرجة الأولى لما يسمى "الأعيان" أو على الأصح "الكائنات الانتخابية" التي تحوز مقاعدها أيا كان لونها لحزبي، خاصة بعد تراجع دور "الإدارة" بشكل واضح في مجال رسم الخرائط البرلمانية.

كما أن قيادات هذه الأحزاب لا تستطيع أن تصمد أمام المدفعية الثقيلة لبن كيران لحظة واحدة، وهذه حقيقة لا يجادل فيها أحد، وهو يدرك ذلك جيدا بدليل أنه يعمل -بين الحين والآخر- على استدراج أصدقائه قبل خصومه ليقفوا في مرمى نيرانه "الصديقة".. وليحولهم إلى فرجة في الشارع السياسي..

الدليل الآخر على أن المواجهة ليست لها خلفيات سياسية أو برامجية أو حتى إيديولوجية، تتمثل في اختيار عزيز أخنوش ليكون رأس الحربة، والحال أن الصفة الوحيدة التي تبرر هذا الاختيار هي "القرب" من القصر خاصة بعد فشل حزب الأصالة والمعاصرة في إنجاز ما خلق لأجله.

فهل يشك أحد في أن بن كيران قادر على دك أخنوش في لحظات وبأقل جهد ممكن؟

فالرجل ليس لاعبا سياسيا "محترفا" ولا يملك شعبية من أي نوع، بل إنه وُضع بطريقة كاريكاتورية على رأس حزب استقال منه قبل سنوات فقط، ليستمر على رأس حقيبة الفلاحة في الحكومة السابقة، كما أن مصالحه المالية والتجارية تجعله عاجزا عن الذهاب بعيدا في مواجهة بن كيران الذي أحرق مراكب العودة مبكرا.. ومن يستطيع المجازفة بخوض معركة مع شخص ليس عنده ما يخسره؟

مع الأسف حين يردد البعض هذه الحقائق، يتم اتهامه بالتواطؤ مع بن كيران وحزبه، والحال أن أخنوش نفسه يعرف أنه سيترك كثيرا من الريش في هذه المعركة.. إذا استمر فيها حتى النهاية... وقطاع المحروقات الذي يحتكره سيكون نقطة ضعفه الرئيسية..

لكن بالمقابل، يغيب عن كثيرين فهم سر إصرار بن كيران على انتظار التحاق التجمع الوطني للأحرار بأغلبيته الحكومية، والحال أنه كان بالإمكان تشكيل الحكومة بمجرد موافقة الاتحاد الاشتراكي على المشاركة فيها، مهما تطلب إرضاؤه من "تنازلات"..

إن بن كيران يدرك أنه يخوض المعركة التي تم تأجيلها أكثر من نصف قرن، ويعلم أن أخنوش بمقاعد حزبه الـ 37 ليس سوى واجهة .. وقناة لنقل الرسائل.. فهل أخنوش -مثلا- هو من منع قنوات التلفزة العمومية من تغطية أنشطة رئيس الحكومة المكثفة على هامش مؤتمر المناخ بمراكش؟

بن كيران يدرك أنه لا يستطيع أن يتشبث بحرفية الفصل 47 من الدستور، لأنه يعلم علم اليقين أن القصر لن يسمح له بالتمدد.. ودور أخنوش هو التذكير بهذه الخطوط الحمراء.. ولذلك وضع ضمن قائمة شروطه "التخلي عن فكرة الدعم المباشر للفقراء" لأنه استثمار انتخابي بعيد المدى، وكذا "حيازة التجمع للقطاعات الحكومية الاستراتيجية : المالية، الفلاحة، الصناعة والتجارة.." لأن القصر لا يمكنه التفريط فيها...

إننا إذا نعيش فصلا مثيرا من فصول المعركة التي أجلها العاهل الراحل طيلة أربعة عقود كاملة، ولهذا يعمل كثير من أصحاب الأبواق على إثارة الغبار بهدف صرف الأنظار عن السبب الرئيسي للمعركة، والمتمثل في وجود فعلي لمؤسسة "رئيس الحكومة"، تتوفر على شرعية شعبية وتزكية انتخابية.

ومن ثمة، فكل الفرقعات التي يتم إطلاقها حاليا حول سيناريوهات هيتشكوكية وبدائل سوريالية للخروج من "البلوكاج" ما هي إلا محاولات بئيسة للتغطية على المواجهة الفعلية، التي قد تكون بوابة الانتقال إلى "ملكية برلمانية" بشكل عملي بعيدا عن الاكتفاء بتحويل هذا الشعار إلى وسيلة للابتزاز والمزايدة.

من الصعب التنبؤ بمآلات معركة عض الاصابع الدائرة حاليا بين القصر ورئيس الحكومة المعين، رغم أن الوضع العام في المغرب لا يسمح بالاستمرار إلى ما لا نهاية في حالة "البلوكاج"، لأن المواعيد الدولية التي تنتظر البلد تتطلب منه رص الصفوف، وتقوية الجبهة الداخلية..

لكن التاريخ السياسي للمغرب علمنا أن الواقع شيء، والممارسة شيء آخر.. فقد كان هناك دائما في مراكز صناعة القرار مغامرون قادت "اجتهاداتهم" البلد إلى إخلاف كثير من المواعيد التاريخية.. وإلى الإقامة الدائمة في ذيل مؤشرات التنمية والديموقراطية والحرية..

وفي كل الأحوال ليس أمامنا سوى انتظار ما سينقشع عنه غبار المعركة التي تأجلت أكثر من نصف قرن ..



https://www.facebook.com/my.bahtat





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الإشهار وخراب الديار!!..
مسيرة أنركي: المؤامرة الدنيئة
حين تحْرُس الذئاب الغنم..
مدير ’أطلس سكوب’ يتورط في جريمة المس بمشاعر السيد الرئيس
رسالة خاصة للقادة : الصينيون بنوا سورا عظيما ونسوا بناء حراسه وهذا ماجرى لهم
’ إلى صحافيا متملقا ’.. مهرجان أزيلال للكوميديا
بعد '' المُتاهة''.. جاءكم ''ضحد''
نحن جيل لم ينهار نفسياً من عصا المعلم و لم ندخل مدارسنا بهواتفنا النقالة
أصحاب البدلات السوداء والأيادي البيضاء بمحكمة أزيلال: شكرا لكم
اليوم ليس يوم الاحتفال بل يوم الترفع عن الأحقاد والنزعات الثأرية.. فكلكم أهلنا