أضيف في 5 يناير 2017 الساعة 09:38


مكانة المعلم بين الأمس واليوم


بقلم عبد الله بن أهنية

-The status of the teacher before & nowadays

-Le statut de l'enseignant avant et aujourd'hui

- El estado del maestro antes y hoy en día

شاءت الأقدار أن نلتقي ثانية، هروباً من زخات المطر المنهمرة ورعشات البرد القارس ليكون مقهانا المعتاد هذا هو مكان لقائنا مجدداً، والمتواجد في الطابق الأرضي لهذا المبنى الشاهق القديم الآيل إلى السقوط في يومٍ ما إذا لم تتداركه رحمة الله ثم رحمة أهل البلدية المسؤولة عن إعادة تأهيل البنايات القديمة في هذا البلد. وأنت بمدخل المقهى يمكنك أن تتخيل ما ذكرته عن قدم هذا المكان إذ يوحي إليك الباب الخشبي البني العتيق الثقيل قِدَمَ وتاريخ هذا المقهى إذ تعمّد صاحبه أن لا يسبغه بأي طلاء كي يحتفظ بعبارات اليأس والاشمئزاز والتمرد أو الرومانسية الطائشة التي نقشها الشباب والشابات وهم يضيعون الوقت أو يتمسحون به في فترات الراحة بين الحصص الدراسية أو هروباً من ضيق ساعات العمل. إذ تركوا تلك العبارات محفورةً ومخلوطةً أحياناً مع أرقام هندية غير مفهومة (لكثرتها)، وهي لاشك أرقام جوالات مبهمة تعبرعن كبت شريحة واسعة من هذا المجتمع الحيران.

تحف بالباب العتيق زخرفةٌ زجاجيةٌ قديمة لا يمكنك أن ترى شيء من خلالها نظراً لألوانها القاتمة. كما يبدو المقهى من الداخل وكأنه دهليزٌ أو كهف تخلى عنه أصحابه منذ أمدٍ بعيد لتسكن في زواياه المظلمة (كما يخيل إلي) الخفافيش وتتقاسم مع العنكبوت مساحة عشّها وبيوتها، كما تتدلى من خلال سقفه الخشبي القديم عُقد أحبال وفوانيس حديدية بمثلثات زجاجية معلقة في سلاسل فولاذية قديمة جدا (وربما من العهد العثماني) وذات أنوار خافتة، كما تتوسط فناء المقهى أعمدة كثيرة مطلية بألوان مزركشة يغلب عليها اللون البني والأبيض، وشباك وحيد كبير، طوله أكثر من مترين، وعليه زجاج سميك يكاد يحجب أصوات السيارات والدراجات النارية وحتى المارة بالشارع الجانبي.

توقفت هُنيهة عند البوابة وأنا أمسح قطرات الماء عن وجهي وأمسح حذائي قبل الدخول إلى المقهى وانتبهت حينها أن صديقي هو أيضاً، يحاول قراءة ما نُقش على الباب ولو للحظة وجيزة وهو يمسح حذائه. أما أنا فقد شدتني عبارة كُتبت بخط كوفي تقول: "كلا عليه من زمانه واكف" (و "الواكف" هو تسريب المطر المستمر على شكل قطرات من خلال بيوت الشعر أو الخيام). عرفت بعدها أن لتلك المقولة معاني ودلالات وقصة طويلة متداولة بين عرب أهل نجد وكثيرا ما يقال ليفي بمعنى "أن كلا منا له معاناة" أو ما هو متعارف عليه باللهجة العامية عندنا "كلشي دايزة عليه القطرة". طأطأ صديقي رأسه ثانية وأومأ لي بالدخول أولا لأنني كنت عن يمينه وكأنه يقول لي: " لا تضيع وقتك في هذه التفاهات فنحن بصدد مناقشة ما هو أعظم من ذلك". تقدمنا بسرعة إلى جانب نافذتنا المعهودة ونحن نُحسّ بسعادة لأن لا أحد أخد مكاننا المعتاد هناك مما يتيح لنا التمتع بخيوط الأمطار الغزيرة، وإذا بالهندي النحيف (شاكير)، بابتسامته العريضة المعهودة، ينطّ بسرعة فائقة على الطاولة الخشبية العتيقة الثقيلة ليمسحها ثانية ولو أنها تبدو نظيفة وتلمع (لكن تلك عادته وطريقته في كسب قلوب زبنائه حتى يعطفون عليه). لم ننطق بغير كلمة الشكر والامتنان، وإذا به ينصرف دون سؤالنا عن طلبنا لأنه اعتاد على ما نطلب دوماً: "براد شاي أخضر مغربي بالنعناع" لا أقل ولا أكثر. وبما أننا في غُربة والجو ممطر وبارد لم نَرى فيه شمس اليوم، فلا ريب في أن نطلق العنان لمخيلتنا كي تسرح في ذكريات جو مثل هذا. جو لطالما ذكرنا بجو قريتنا حيث كانت السماء تتلبد بالغيوم لأيام عديدة، بل لأكثر من أسبوع أو أسابيع أحياناً لا ترى فيها إلا أعمدة الدخان التي سرعان ما تتحول إلى لون أبيض بدلاً من السواد نظراً لشدة البرد، فتمتزج رائحة الدخان برائحة الخبز أو المرق (لمن أسعفهم الحظ وادخروا شيئاً من القديد لتك الأيام الباردة القاسية).

كان اليوم يمر بسرعة في القرية لأن الظلام يُطبق عليها ويرخي سدوله على كل أطرافها في وقت مبكر، لم نكن حينها ندري معرفة الأوقات إلا بصوت المؤذن الذي يُسمع وكأنه صوت نحيف تحت تأثير مكبر الصوت العتيق ليمزق سكون القرية السرمدي الذي قليلاً ما تتخلله صيحات طويلة من أمهات البقر لينساب صوتها بين الهضاب والتلال الخضراء المحيطة لتجيبها رفيقاتها من بيوت أخرى نائية بنفس النبرات الحزينة وهي إما تريد زيادة تبن، أو تحن إلى صغيرها الذي يرتعش من شدة البرد في إسطبل صغير بجانبه، أو أن ربة البيت نست أن تحلبها لأنها انشغلت بمطاردة العجول الصغيرة الأخرى لتعود بها إلى مراكضها، أو صهيل الخيول الجامحة أو الكلاب الجائعة المبللة الشعر المختبئة في أكوام التبن منطوية على نفسها بحثاً عن الدفء، بنباح متقطع وحاد، منبّهة المارة بين الفينة والأخرى أنها على عهدها وولائها لصاحب المزرعة، وهي لازالت ترقب وتحرس الدواجن والمواشي والبيت فاتحةً نصف أعينها بين الفينة والأخرى رغم غلبة النعاس عليها بعد يوم شاقّ ممطر بارد تقشعر له الأبدان لشدة زمهرير رياحه التي تُسمع أصواتها المسترسلة وهي تخترق فروع الأشجار العارية أو الأسلاك، صفير مُطول ومتموج على شكل سمفونية حزينة توحي إليك بالبحث عن الدفء مهما كلفك الثمن، بل إن صديقي ابراهيم يقول أن الدفء في القرية في تلك الفترة من الزمن وتلك اللحظات يغنيك عن الطعام أو أوجاع الجوع أحياناً. ويذكر بلهف (ولسانه يمرّ على شاربه النحيف وشفتيه بين الفينة والأخرى) أن للبطاطس المسلوقة في تلك الأجواء الباردة الممطرة تحت دوي الرعد الذي يهز أركان البيت، طعماً يضاهي أفضل وجبة في أحسن مطعم في العالم. عجبت لقوله لكن لا أخفيكم أنني صدقت كلامه الممزوج بالبخار الذي ينفثه من فمه من شدة البرد فجعلني أشتاق إلى وجبته المفضلة تلك قبل أي وقت مضى.

جلسنا ننتظر صديقنا الهندي وقد بدأنا نحسّ بنشوة الشاي قبل أن يأتينا من خلال رائحة النعناع التي عمت أرجاء المقهى قبل أن يحضر لنا الصينية الفضية الصغيرة. التحف إبراهيم بـ"شاله" الصوفي وتململ قليلاً ليسترسل في الحديث عن ماضي قريته وجعل ينظر إليّ بنظراتٍ ثاقبة وكأنه يقول: "أنت الوحيد الذي يفهمني ويحس بما يجول في خاطري". وبالفعل، فنحن نتقاسم أفكارا كثيرة ونتشابه في نظرتنا إلى المستقبل وكيف نطمح معا إلى أن يكون التعليم في بلدنا راقيا، بل شاءت الأقدار أن يكون لنا نفس عدد أفراد عائلتنا الصغيرة. ولا أخفيكم القول أن الاستماع إلى إبراهيم يسحب منك الوقت دون أن تحس بذلك نظرا لجديته في النقاش، فأنا بدوري لم أحسّ يوماً بالملل وأنا أستمع إليه وإلى قصصه حول المجتمع أو القرية، بل كثيراً ما أستوقفه لكي يشرح لي ما يقصده أو يوضح لي فكرة ما أكثر. ولا أخفيكم أيضاً أنني أحسّ وكأنني جزء من قصص إبراهيم لدقة وصفه لتلك الصور المحبوكة ولشدة محبتي للقرية وحكاياتها أيضاً، ولا أدري أهي لوعة المعاناة التي تجمعنا أم حلاوة الذكريات!!!

فاجئنا الهندي، شاكير، بصوته النحيف وهو يضع الصينية أمام إبراهيم قائلاً: "كل تمام صديق؟." عرفت من خلال ذلك أن صديقي الهندي قد استوعب الدرس الذي كنت قد شرحته له آنفا وهو أنه من أحد أصول طريقة تحضير الشاي وطقوسه أن تعطى الصينية للأكبر سنا، فلم يخطئ بعدها يوماً، إذ جعلها من نصيب إبراهيم احتراماً له ووفاء بالأعراف والتقاليد. ولم يفتني أن ألاحظ أيضاً أن شاكير لم ينسى يوماً إحضار المنديل الكبير (على شكل فوطة صغيرة خشنة) مع الصينية، لأن إبراهيم قال له يوماً ما أن البراد لن يجود علينا بنكهة شايٍ معتبرة إلا إذا قمنا بتغطيته اتّقاء البرد مثلما نحن نتقيه ونرتدي المعطف الثقيل. وبالفعل فإن إبراهيم يهتم بكل التفاصيل المتعلقة بالشاي، بل إنه يعتني بالبراد وكأنه أحد صغاره، إذ رأيته يلف الفوطة ويجذبها من جنباتها بين الفينة والأخرى كي لا يتسرب البرد إلى البراد من إحدى أطرافها، فتراه يغطي كل جهةٍ تعرّت أو أوشكت على ذلك، بل يعامل البراد بكل حنية "فيطبطب" عليه بيده الخشنة أحياناً وهو يخاطبه: "سخن آوليدي سخن". تعجبت من هذا وكأنه يخاطب صبي صغير، فسألته مرة عن سبب تركه البراد لفترة لابأس بها قبل أن يشرع في سكب الشاي، فأجابني أن جده حدثه يوماً بأن لكل شيء مخاض ومعاناة وأنين قبل الولادة، غير أن البراد يفضل أن يكون مخاضه في سكينة وببطء، فعرفت بعدها أنك إذا كنت في عجلة فلن تظفر بكأس شاي من يد إبراهيم أبد الدهر!...

تلملم إبراهيم ثانية قبل أن يشرع في الرد عن سؤالي له حول وضعية المعلم أيام زمان، وقال في هدوء ويده على البراد الذي يزيده حرارة ودفئاً:

"صدق الشاعر أحمد شوقي حين خاطبنا نحن أبناء الإنسانية قائلاً:

قم للمعلم وفّه التبجيلا ....... كاد المعلم أن يكون رسولا

نعم المعلم ذلك الانسان الذي وُلد من رحم الأمة وكرس حياته لتنشئة الأجيال. لقد شهد التاريخ للمعلم بالرفعة لدرجة القداسة، فكان تاج الرؤوس ذا هيبة ووقار، لا يجارى ولا يبارى في المجتمع فهو الأمين المستشار في القرية وفي الحضر، وهو الأب الحنون البار لدى الكبار والصغار، وهو (كما كان يقول جدي رحمة الله عليه) "قاضيهم باقتدار عند النزاع والشجار". وهو كالشمعة تنير الدرب للسالك، فيفيض إشعاعها على الآخرين بينما تحترق هي في صمتٍ وهدوء بدموع منهمرة. كان المعلم هو المربي الثاني بعد الوالدين لذلك كنا نسمعهم يقولون له: " لك اللحم ولنا العظم"، أي ربِّهِ أنت كيفما تشاء لأننا واثقون أن عقابك للصبي لن يكون نابعاً عن عبث، بل إننا واثقون أيضا من مسؤوليتك وحرصك على غرس حسن الخلق في أبنائنا....هذه حقيقة ما كان عليه المعلم في السابق وهكذا عُرف في قريتنا، وأوصافه لا تكاد تُجمع لأحد يُعرف بها غيره بين الناس.

والجدير بالذكر أن هذا العُرف ليس شعاراً عند الكبار فحسب بل حتى في عيون الصغار وخاصة أبناء قرانا (ومدننا أيضاً) إذ كان التلاميذ يهابون أستاذهم أينما رأوه لأن آبائهم هكذا ربوهم، فمن يجرؤ على رفع بصره فضلاً عن أن ينطق ببنت شفة إلا ما كان في محله وعلى بابه، وان لم يمنعهم الخوف فلا أقل من الحياء ....وما حملهم على ذلك غير الحب للمعلم وما يحمله من علم ووقار. كما اشتهرت بينهم مقولة: "من علمني حرفاً صرت له عبداً"،بمعنى أن منّته عليّ لا أوفيها ولو كنت خادماً له."

قاطع حديثنا أحد الزبناء الذي دخل المقهى عن طريق الخطأ وهو يسأل عن أقرب صيدلية بينما شكله يوحي بأنه لا يركز في كلامه إما لقلة النوم أو لأسباب أخرى... التفت إليه إبراهيم وأشار عليه أن يقطع الشارع، وهو مستغرب كيف أن هذا السائل لم يرى اللوحة التي هي كبر الشارع! ما للبشرية أصبحت لا تركز؟ أدار إبراهيم برأسه ليركز نظره علي ويكمل حديثه الشيق فاستطرد قائلا:

"هكذا كان المعلم وهكذا كان الآباء أيضا يتعاملون بثقة ومحبة متبادلة. وهذه هي أخبارهم ولذا فقد جنوا نتاج الجهد المبذول وحصدوا أكله، وبنوا جيلاً مسلحاً بالعلم الغزير والمعرفة الحقة."

تنفس إبراهيم الصعداء وأخذ يصب الشاي للمرة الرابعة (على ما أعتقد) ووجدت نفسي دون شعور أرتشف من كأس الشاي بين الفينة والأخرى دون أن يفارق الكأس يدي باعتباره مصدر للدفء، وتابع قائلاً:

"لازلت أتذكر معلمي بمدرستنا الصغيرة بالقريةعند منحدر الهضبة. لم نكن نرى بأن معلمنا يشبه باقي الخلق إلا في بنيته الجسدية ولغته. لم يكن يحتاج إلى كثير من الكلام لكي يقنعنا بأي شيء، بل كثيرا ما كنا نفهم إشاراته فنطير على جناح السرعة لتنفيذ أوامره. كان يحزن إذا ما رآنا بوجه عبوس يبدو علينا التعب إما من شدة الجوع أو قلة النوم بفعل الأمطار الغزيرة التي توقظ كل أفراد العائلة مخافة الفيضانات أو السيل الذي يمكن أن يجرف كل شيء، فيسأل عن حالنا وحال والدينا ويشعرنا بدفء الإحساس والطمأنينة. ولازلت أذكر عندما دعاه أبي لتناول الغداء في بيتنا حيث ذاع صيت ذلك الخبر بسرعة فائقة من خلال صبيان المدرسة وأهل القرية، فمنهم من تعجب كيف استطاع أبي أن يقنعه إلى المجيء عندنا (لأنه لم يكن يحب أن يفارق بيته الصغير بجانب المدرسة)، ومنهم من أحسّ بضرورة تقليد أبي في ذلك يوما ما. ولازلت أذكر طريقة كلامه إذ كانت محط إعجاب لأنني تعودت عليه يكلم الصبيان فقط ولم أسمعه يكلم باقي البشر وكبار السن من ذي قبل. جلست وكأن الطير على رأسي بين الخوف والحياء، عاجزاً عن النظر إليه كي لا تلتقي عيني بعينه من كثرة الحياء، وجلست أسمع نصحه لأبي وإخواني عن كيفية التغلب على نوائب الدهر، فعجبت لكونه معلما واخصائي اجتماعي وفقيها في نفس الوقت ملمّاً بجوانب الحياة العادية خارج نطاق اللوح والطباشير. وعجبت له أيضاً وهو يتجاذب أطراف الحديث معهم وخاصة مع جدي الذي كان أشدّ إعجاباً به وتعلقا به وبأفكاره وهو يحكي عن طريقة وكيفية إقامة الأفراح والأعراس ولباس العريس والعروسة وتجهيزها في قريته بأعالي الجبال.






لم يكن معلمنا مكبلاً بفواتير الماء والكهرباء، إذ كان ماء البئر العذب المتاخم للمدرسة يغنيه عن أي مصدر ماء آخر، وكانت الشمعة كافية لتضيء ليله وتزيل عنه حلك الظلام. كما أن القرية بجميع سكانها، وعلى اختلاف مراتب أهاليها، كانت تغدق عليه بالخير الوافر، فلا يحتاج إلا لبعض الأشياء القليلة يقتنيها من السوق الأسبوعي الكبير. وبمعنى آخر فقد كان فعلا متفرغا لتوصيل رسالته واتقان عمله دون شوشرة أو انشغال بفتنة الحياة اليومية ومتطلباتها وضرائبها".

قلت لصديقي إبراهم: "تلك أُمة قد خلت، لها ما كسبت، ولنا نحن ما كسبنا وما كسبت أيدينا"، فهل تحدثني عن معلم اليوم؟

تنحنح إبراهيم قليلاً والتفت يُمنة ثم يسرة واحمرت وجنتاه، وكأنه مستحٍ مما سيقول وأخد نفساً عميقاً ثم أردف يقول:

"كنت أود أن لا تسألني عن هذا لأنك كأنما تضع أصبعك على جرحٍ دامٍ عميق أدمى فؤادي. إني لأتقطع حسرة على حال معلمنا اليوم وعن هذا الجيل. وإن القلب ليتقطع حسرةً وكمداً ونحن جميعاً نرى المعلم يرثى لحاله اليوم، فهو يركض بين المدارس العمومية والمدارس الخاصة ويستنجد بالدروس الخصوصية لكي يسدّ حاجياته المعاشية، ومع ذلك فتظل وضعيته مزرية وهو يقاوم نوائب الدهر وغلاء المعيشة وإيجار البيت وأقساط البنوك والضرائب التي تتساقط عليه كالمطر في بداية الشتاء من جهة، ومعاناته مع متطلبات المناهج الدراسية وغلظة التلاميذ والآباء أيضاً (إلا من رحم ربي). ولا عجب فإن حياة الإنسان قد أصبحت معلبة يتخللها الجفاء وسوء الأخلاق تدفع به إلى أن يفقد عزته وكرامته وحسن تعامله، وإذا كان حتى المعلم في زمننا هذا يُسلَب تلك العزة والكرامة ويفقد أعصابه، فلا جرم أنه يستحق الرثاء والشفقة بسبب تقهقر الأخلاق والهوان إذا لم يتدارك المجتمع تلك الهفوات والأخطاء ويقوم بتصحيحٍ شامل يعيد لمنظومةِ التربية والتعليم قوّتها ومتانتها ولرجالِ ونساءِ التعليم عزتهم وكرامتهم. فالمعلم اليوم لا يكاد يسلم حتى من أذى طلابه وتلامذته، فما بالك بالآباء وشكاويهم المختلفة والتافهة أحياناً، وفتنة العنف اللفظي أو الجسدي الذي يتربص المدارس ومحيطها، ناهيك عن الكلام الساقط في السرّ والعلن من داخل وخارج المدرسة بسبب حجم وثقل المناهج والمقررات التي يحملها التلاميذ على ظهورهم (وليس في قلوبهم)، فغلبت الـ لا مبالاة على الجِدّ وتقاعس بعض التلاميذ عن حل الواجبات، مما جعل بعضهم (وليس كلهم) يُكِنُّ للمعلم العداوة والبغضاء ويتربص به الدوائر أينما حَلّ أو وجده لينتقم منه. أما الاختبارات في أوضاع مثل هذه، فإنها لا تزيد التلاميذ أو الطلاب إلا تعاسة، إذ يتعذرون إما بصعوبتها أو بطول المادة أو أن المقرر صعب أو أن المدرس لم يستوفِ الشرح. وأما إذا حان توزيع النتائج والدرجات جاءت على رأس المعلم الطامات والمصيبات الكبرى ليس من الطلاب فحسب، بل حتى من الآباء والأمهات بين شاكٍ وباكٍ. وهكذا لا يكاد المعلم ينجو من حفرة حتى يقع في أخرى. وأما في نهاية العام الدراسي كثيراً ما نسمع الطلاب والتلاميذ يتلفظون بأسوأ العبارات ليستوفي المعلم نصيبه من الإساءة والأذى كحصاد لتلك السنة كاملة من الشقاء والمعاناة، بدلاً من أن يُشكر ويُكرم!!.."وبطبيعة الحال لا يجوز التعميم هنا، إذ أن هناك الكثير من المدارس العمومية ضربت المثال الحسن في حسن الأداء والواجب سواء على مستوى التحصيل أو المستوى الأخلاقي لطلابها وأولياء أمورهم أيضاً في البوادي وفي الحضر وأمنيتنا أن يعُم ذلك جميع ربوع الوطن.

أما آن لأهل الخير والفضل من أولياء الأمور والمسؤولين والتربويين والآباء والأبناء وجمهور الناس في المجتمع من أهل الأقلام والإعلام وأصحاب الأحكام أن يقفوا مع المعلم ليأخذ مكانته اللائقة ويستعيد هيبته؟ "

ختم إبراهيم حديثه بذلك الرجاء الصادق والنابع من أعماق قلبه ووضع الكأس من يده التي لم يفارقها منذ أن بدأنا الحديث عن هذا الموضوع، ثم ضرب على كتفي قائلا: "ما العمل يا صديقي في رأيك؟ هل هنالك بصيص أمل بخصوص مستقبل معلمنا؟"

قلت لصديقي وأنا أبلع آخر قطرة شاي من كأسي وقلت له بلهجتنا المغربية: "وحلتيها لي الله يهديك آبراهيم"، غير أني أعلم أن إبراهيم لن يبخل علي بالمزيد من الشاي:

إن الحديث عن المعلم و في هذا الوقت بالذات هو حديث عن تدهور العملية التربوية ليس في المغرب فحسب، بل في كل مجتمعاتنا العربية وبالتالي هو الحديث عن إنسان كرّس وقته ونفسه لتعليم الناشئة تعليماَ يتماشى مع متطلبات الحياة وفي نفس الوقت يحصّنهم ضد كل أفكار دخيلة أو منحرفة ويشحن عقولهم بالمعرفة والعلم كي يعيشوا حياةً سعيدةً مليئة بالسعادة والأفراح. إن المهنة التي اختارها هذا الإنسان الذي "كاد أن يكون رسولا" هي من أشرف المهن وأنبلها على الإطلاق كما أنها من أصعب المهن وأكثرها تعقيداً لأنها تعالج نفوس صغارنا التي تختلف بالفطرة والطبع كلٌّ على حسب بيئته الصغيرة. وهو الذي يختار هذا الطريق المليء بالمتاعب وبالمجازفة، بل ليجعله مصدرَ رزقٍ وعملاً صالحاً يُحسَب له. وبما أن الأمر كذلك فلابد من مراعاة النقاط التالية إذا كنا نحن جميعاً- أبناء هذا الوطن - نطمح إلى تحسين وضعية معلمنا و أن نصون كرامته وعزته:

ينبغي أن تكون له شخصية لها وزن كبير في المجتمع، كيف لا و هو القدوة والمثل، فمن المنطق أن يضرب المثل بما هو أجمل وأرقى، لا بما هو أتعس.

يجب على وزارة التربية والتعليم أن تضع خطة تشاركية مع وزارة السكنى والجماعات المحلية لتمكين رجال ونساء التعليم من الحصول على سكن لائق وبتكلفة مخفضة وتسهيلات تليق بمقامهم وتراعي ظروفهم.

تخصيص بدل نقل أو تسهيل عملية الحصول على وسيلة نقل بتكلفة خاصة.

يجب أن يخضع مجال تكوين المعلمين والأساتذة للتدريب المصاحب حتى يكون هؤلاء على اطلاع مستمرعلى ما يدور في ساحة التربية والتعليم من مستجدات ونظريات وطرق التدريس الجديدة الفعالة.

يجب اختيار نُخَب متخصصة من رجال ونساء التعليم من ذوي تجربة وخبرة لا يستهان بها كي تبث في موضوع المناهج والمقررات الدراسية، إلى جانب الخبراء في المناهج من داخل الوطن وخارجه (من أبناء الجالية المغربية)، لأن هذه الفئة هي الأقرب لما يجول بخاطر التلاميذ من حيث المواضيع التي تطرح.

لابد من إعادة النظر في آلية الإرشاد والتوجيه التربوي والتحفيز لتكون فعالة وتساعد على رفع مرد ودية العملية التربوية والتعليمية.

وضع جميع التسهيلات لحصول المعلم على الأجهزة الذكية وحضور الدورات التدريبية والأوراش الفكرية للنهوض بهذا القطاع التعليمي الحيوي ومسايرة العصر.

تحفيز هذه الشريحة من المجتمع وذلك بخلق آليات متجددة ومختلفة لمكافئة الفئة المجتهدة والمبتكرة منهم.

خلق مهرجانات ثقافية وعلمية يكون ريعها لتحسين وضعية المدارس العمومية ومرافقها.

تشجيع جمعيات أولياء أمور التلاميذ واشراكهم في أنشطة المدارس حتى يكونوا جزءا من العملية التربوية والتعليمية وتقوى بذلك علاقة المعلم بباقي أفراد المجتمع.

فسح المجال لجمعيات المجتمع المدني وخاصة تلك التي تهتم بالجانب الثقافي و الأخلاقي والتربوي الحميد كي يكونوا سنداً للمعلمين والمعلمات بخلق أنشطة مدرسية تروم إلى تحسيس الطلاب وأولياء أمورهم بقضايا تربطهم بهويتهم وتبين لهم قيمة المعلم ودوره الراقي في المجتمع.

تمكين المعلمين من الاطلاع على متطلبات سوق الشغل والعمل على تحديث وعصرنة معلوماتهم حتى يتمكنوا من إعداد مخرجات تفي بحاجة السوق والمجتمع ومتمكنة علمياً وتطبيقياً.

ضرورة تحديث الفضاء المدرسي وتجهيز جميع مرافق المدرسة بما يحتاجه التلميذ أو الطالب، وكذلك توفير قاعة للمدرسين ومكاتب لهم تجمع بين الحداثة والهدوء وتوحي بجوّ التآخي وحب التعاون فيما بينهم وبين الإدارة.

لا تعطى إدارة المدارس إلا لمن أثبتوا جدارتهم ويشهد لهم سجلهم على الخبرة والمهنية وحسن السلوك، دون أن يكون لانتمائهم الحزبي أو غيره تأثيراً على مردوديتهم أو علاقتهم بطاقم التدريس أو أولياء أمور التلاميذ.

العمل على تغيير النظرة الكلية للمجتمع تجاه أهمية التعليم والعلم الذي تحول لوسيلةٍ وليس لهدف وأصبح المعلم يسير وفق المعادلة غير العادلة:

"أنتم الذين دفعتموني حتى أصبحت أعطي من العلم بمقدار ما أنال من أجر،

واصبحت أردد قول الشاعر:

لا تعجبوا إن صِحت يوماً صيحةً ............... ووقعت ما بين البنوك قتيلا

ضرورة إيجاد تكامل بين القائمين في العمل التربوي والمدارس ومحاولة الربط بينهم من خلال تبادل أنشطة وبرامج مدرسية، ولا نحاول أن نجعل كل مدرسة عالماً خاصاً منعزلا ولا علاقة للعاملين فيها بما يجري في المدارس الأخرى.

إعادة المجد للمدرسة العمومية والرفع من مردوديتها لأنها تاج على رأس المجتمع بأكمله ما إن وضعوه إلا ووضعوا عزتهم وكرامتهم. ولا خير في أمة لا تكرم أهل العلم لديها ولا تبجلهم، كما أنه لا خير في تعليم يتساوى فيه الطالب والمعلم ويغيب فيه ضمير المحاسبة الذاتية وروح التشارك والتكافؤ ونشر فكر التسامح والإخاء والسعي والتسابق في فعل الخيرات والإحسان.

أحسست أني أثقلت الحديث على صديقي إبراهيم وهو ينظر إلي بكل إمعان وعيناه ترقب صديقنا الهندي شاكير الذي وضع رجلا على رجل وهو جالس على كرسي عالي يرقب عن بعد وبكل حسرة حركة المرور من خلال نافذتنا متمنيا الحرية لنفسه وأن يطل عليه زبون آخر فيفك عنه عزلته داخل هذا المقهى المظلم الذي شاءت الأقدار أن يكون حبيس جدرانه وزواياه لسنين عديدة. فهمت من خلال نظرات إبراهيم الهائمة في سكون هذا المكان بأن الوقت قد حان كي نفترق مرة أخرى على أمل اللقاء. كما أحسست بالأمل في نظراته بأن المستقبل سيكون بإذن الله أفضل إن تضافرت الجهود وحسُنت النية.

لملم إبراهيم أغراضه وأخد قبعته وقفازتاه ودفع بالكرسي حتى أصدر دويّاً اخترق وبشكل حاد صمامات أذناي وضرب على كتفي بقوة أحسست من خلالها بصدق أمله ومشاعره ومحبته لوطنه، واغرورقت عيناه الصغيرتان المحمرتان بالدموع التي يكابد جاهداً حبسها في كل مرة وهو يودع أحدا ما، وشد على يدي بقوة وهو ينظر إلى زوايا المقهى كاملة وكأنه لن يعود إليه ثانية، وقال بصوت تغلب عليه حشرجة:

"أكيعاون ربي..."

والله ولي التوفيق،،،

بقلم عبد الله بن أهنية

*مستشار


Abdul14v2@yahoo.com





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
حتى في مساجد .. يبررون الفساد!
هواتف جوالة تَشْدو بالموسيقى في صلاة التراويح !
نحن والفســــاد
هل أنهى الحراك الشعبي صلاحية الأحزاب المغربية ؟
بوعشرين : العماري كلما شرب يزداد عطشا
هل فعلا نعيش زمن تشميع الأفواه وتصفيد الأقلام؟
عندو ’أوزين ’ عندو الفساد دايرو في دارو أو عندما يطل الفساد برأسه من قبة البرلمان
محمد حدوي يكتب ’رمضان كريم وكل عام وأنتم بخير’
النّقابة بين حرّيّة التّعبير و التّواصل على ظهر بعير
الملك والتأسيس لنموذج تنموي مغربي ينهض بالمستوى المعيشي للمواطن (رأي سفير مغربي)