أضيف في 2 نونبر 2017 الساعة 12:00


إعفاء بعض الوزراء بين :’عفا الله عما سلف’ و ’ درس لمن يتهاون من الخَلف’


بقلم لمسلك سعيد



بقلم المسلك سعيد

 

1)  لاحاجة لنا برد اعتبار العالم غير المنظور !  هنا يربح الرهان أو يخسر...(SARTRE) (0).

لا ادري كيف سيكون موقف الوزير الأول السابق، لو تمت عملية إعفاء بعض الوزراء من مهامهم خلال فترة رئاسته للحكومة ! هل سيتراجع عن هذا الاستنتاج الذي أضحى "حكمة بنكيرانية" أرادها أن تكون ضمن العقد الفريد من مأثور الكلام والحكم و"المقولات الفكرية" حين تعذر عليه كرئيس، فضح لوائح المهربين ومختلسي المال العام واللصوص من مدمري كل المؤسسات الداعمة للاقتصاد الوطني عبر حقب طويلة من الزمن؟.

هل سيرجع عن موقفه كما يرجع الشخص في قيئه ويقول : "لن يعفو الله عن السالف وكل شيء سينكشف..."  لمجرد أن الملك قد أرخى هذه المرة بسدول غضبه على المقصرين والمتهاونين؟. أم أنه كان سيلزم الصمت مغرورق العينين، كمن علقت اللقمة ببلعومه، محتارا بين أمرين، فينطبق عليه قول أحد الشعراء الأمازيغ الكبار (1)

" ناغن أيتما دوسمونينو * ميت ديسن أمتعاوانغ"

نك أربي تعدبتيي * هاتين فستاغ أورسوالغ"  أي : " تشاجر أهل الدار مع من أحبهم*فهل أساند الحبيب أم أهل الدار؟ .

 

إن سؤال الصفح وسؤال النسيان –كما ناقشه الفلاسفة المعاصرون من أمثال JACQUES DERIDA، يلتقيان في تهدئة الذاكرة والوصول إلى نوع من النسيان السعيد. لكنهما ينفصلان عند الإحالة إلى إشكالية الذاكرة والوفاء للماضي الذي يفتح الصفح على المسؤولية الجنائية، ومن تم علاقتها بتمظهرات روح العفو والعفو العام أو جبر الضرر أو التعويض ... وغيرها من الإجراءات التي تتجه لبناء المستقبل.

ربما لم ينتبه بن كيران لهذه العلاقة، لأنه لا يملك في محفظته العقائدية إلا "عفو الله عما سلف" حتى مع جريمة قتل التنمية وتعطيل عجلة التقدم إلى الأمام.  الصفح إن كان يعني التنازل عن الحق في المطالبة بالعقاب، فهو لا يعني أن ننسى. والصفح له حدود، ولا مجال معه للقياس، ولا مكان فيه للإعتدال. وتبقى الأسئلة الصعبة التي لم يستطع بن كيران مناقشتها هي "ما الذي يستدعي الصفح؟ من يدعو إليه؟ ومن يطلبه؟ وهل هو أصلا مبني على استعطاف: أم على ندم؟ أم على ذمة إبرائية؟...

 لا شك أن الإعفاءات الأخيرة، تفضي إلى حقيقة واحدة، وهي أن جرائم التهاون والتلاعب بمواقع المسؤولية والتي تؤذي الوطن والمواطن، لا يمكن أن ينطبق عليها مبدأ التقادم CRIMES IMPRESCRIPTIBLES. وما أحوجنا اليوم إلى تحريك صارم لآليات المعاقبة والمحاسبة ضد كل ناهبي المال العام من الماضي والحاضر، وما أكثرهم بكل جهات المملكة ! . وجدير بالذكر في هذا السياق، أن المحاسبة – كما يشير إلى ذلك الأستاذ الجليل حسن كاوز "لا تقتصر على المخالفات المادية والأحداث الاقتصادية ذات الأثر المالي المرتبطة بالنفقات والممتلكات... لكنها تطال الجانب الرياضي والاجتماعي والثقافي وحتى السياسي بجناحيه الكمي والنوعي". فالتأثير الخبيث لثقافة الإفلات من العقاب، يسلب الناس حقهم في الحصول على معلومات دقيقة، وقدرتهم على المشاركة الكاملة في صنع القرار المجتمعي، ويرغمهم على فقدان الثقة في المؤسسات برمتها، وكلها سلبيات تلحق ضررا بليغ الأثر بالمجتمع المغربي، لذا  يجب التصدي لها بتفعيل المضامين الدستورية وقوة القانون الذي يعلو ولا يعلى عليه. فالمحاسبة – كما يفهم من كلام سارتر- دنيوية قبل أن تكون أخروية حتى لا تتعرض مصالح الوطن للتلاعبات المقيتة.

 

2)  مغازي الإعفاءات الأخيرة من طرف الملك:

1-2 مواقف صارمة قد تكون أملتها ظروف موضوعية .

من جملة المغازي التي ينطوي عليها إقدام الملك محمد السادس على إعفاء بعض الوزراء، هي ذلك النوع من التجاوب الحسي مع ملف مطلب شعبي قديم : "معاقبة المقصرين والمتلاعبين بالمال العام" إنه مطلب تقدم به الكثير من المناضلين قبل "السكتة القلبية" و رفع كشعارات صاخبة في مسيرات التنسيقيات الوطنية لمناهضة ارتفاع الأسعار، وركزت عليه وثيقة الإصلاحات الدستورية المرفوعة إلى القصر سنة 2006 من طرف بعض قوى اليسار (2) ،وكان هذا المطلب خبزا يوميا في نضالات الجمعية الوطنية للمعطلين، كما كان من الشعارات الأساسية لحركة 20 فبراير المجيدة التي اتهمها المخزن بموالاة البوليساريو والتخطيط لإلحاق الأذى بالملك و بالعديد  من خزعبلات أعداء التغيير. وهاهو هذا المطلب اليوم يتجدد باستمرار مع الحراك الشعبي بالجسيمة والحراكات الموازية بكل أنحاء المغرب.

 

الإعفاءات إذن تعني بالمنطق الرياضي لسيرورة الأمور، أن  الحراك على حق، وأنه على الدولة اليوم أن تبادر فورا بإطلاق سراح المعتقلين من المحتجين والثائرين والصحفيين المساندين ، مع تحميل مسؤولية إلحاق الأذى بالمغتالين و المعطوبين،لهؤلاء المتهاونين الذين أفضى تقصيرهم في المسؤولية إلى المآسي المذكورة .

 من جملة هذه المغازي أيضا، إدراك القصر –ربما- لضرورة وحتمية بداية عهد جديد من المحاسبة الفعلية لكل المتورطين في إجهاض الأوراش التنموية. هذا الإدراك هو بمحض الإرادة، وربما، بقوة ظروف خارجية أخرى ، أي أن حتمية القطع مع أسلوب التغاضي عن الفساد، وترقية المفسدين والعفو عن المختلسين وقمع الساخطين على الوضع من الفقراء والمناضلين، هي قرار أملته علاقة السينيرجيا « Synergique » التي تربط تطور سياسة الدولة المغربية بواقع التقارير الموازية المرفوعة إلى جنيف، وعلاقة "الوضع المتقدم" للمغرب حيال الدول الديمقراطية للإتحاد الأوروبي، وغيرها كثير من العلاقات الخارجية المؤثرة في تطور دولة المغرب خصوصا بعد دستور جديد لا تفعل فيه فصول الحكامة الجيدة والتي خصص لها 18 فصلا بالتمام والكمال.  باختصار، الدولة المغربية اليوم ، و في ظل العديد من التداعيات الإقليمية و الدولية ، مرغمة على أن ينطبق في دستور عهدها الجديد ، الفكر بالواقع  لكي تقطع فعليا مع ماضي الريع السياسي والاقتصادي، وماضي الرشوة والفساد

 

2-2: محمد السادس يرفض قطعا أن يتبخر "مشروعه المجتمعي الأسمى"

المتتبع عن كثب لخطب الملك محمد السادس منذ السنوات الأولى لاعتلائه العرش، سيلاحظ كيف أنه كان يركز على تحقيق ما يطلق عليه "المشروع المجتمعي التنموي أو الحداثي" الذي جعل منه "برنامج عمل أسمى" إلى غاية 2010. وكان طيلة تلك الفترة يقدم نفسه على أنه غير مسؤول مباشرة عن إنجاز" المشروع" المذكور، فهو يكتفي بتحديد التوجهات الكبرى ، بينما يبقى الإنجاز من مسؤولية "المؤسسات الدستورية والهيئات السياسية والقوى الحية في البلاد" (خطاب 2004/07/30) والتي عليها "القيام بتجسيد هذه التوجهات على أرض الواقع، من خلال برامج مضبوطة في أهدافها ووسائل تمويلها وآماد انجازها" (نفس الخطاب أعلاه) . ويقول في خطاب آخر "افتتاح دورة أكتوبر 2004" : '' إن أعداء الديمقراطية قد يوظفون ما توفره من حريات للقضاء عليها مستغلين بؤس المحرومين ويأسهم" . لذلك نسمعه يدعو إلى ترسيخ روح المواطنة الإيجابية " والتي لا ينبغي أن تختزل في مجرد التوفر الشكلي على بطاقة تعريف أو جواز سفر" (خطاب 2004/08/20) . ورغم ما لوحظ من تعرض هذا المشروع المذكور عبر محطات لعدد من العوائق الكبرى، فإننا نجد الملك لا يتردد بين خطبة و أخرى في إعطاء جرعة من الأمل والتهدئة عبر تأكيد عزمه على محاربة بطء وثيرة إنجاز أجزاء من هذا المشروع، مع استعماله أحيانا للغة الوعيد والتهديد في حق المتخاذلين والمستهترين بالشأن العام : "لذا يتعين على الجميع التحلي باليقظة والحزم للضرب بقوة القانون والسلطة القضاء المستقل وآليات المراقبة والمحاسبة على أيادي المتلاعبين والمفسدين، لاسيما عندما يتعلق الأمر بقوت الشعب أو نهب المال العام ..." (خطاب 2008/08/20).

(راجع ما كتبناه حول هذا الخطاب بالضبط في مقال (وجهة نظر حول رياح التغيير بالعالم العربي)، مسجل بأزيلال أونلاين سنة 2011).

وهي نفس اللغة –أي لغة الوعيد- التي استعملها محمد السادس بعد زلزال الحسيمة في خطاب 2004/03/25، "إننا لعازمون على وضع حد للتسيب(...) في التطبيق الصارم للقوانين المتعلقة بقواعد البناء (...) ولكل الممارسات غير المشروعة التي يؤدي بلدنا ثمنها الباهظ...".

 

إن الملك محمد السادس، إذ يبدي تركيزه الكلي على إنجاح مشروعه المجتمعي التنموي ، فإنه لا يخفي صعوبة حل كل المعضلات وأنه لا يمتلك "عصا سحرية لذلك" خطاب 2004/10/08، كما لا يخفى امتعاضه من المعضلة الكبرى لضعف أداء بعض الهيئات والمؤسسات الدستورية في تدبير الشأن العام، وهذا ما جعل خطابه قويا وعنيفا في 2017/07/30 في انتقاد أداء الإدارة المغربية والمؤسسات المنتخبة في خدمة المواطن.(3).

إن ما أستنتجه شخصيا من كل هذه الخطابات هو كونها قوية جدا على مستوى التشخيص والانتقاد اللاذع وكذلك في حثها على مضاعفة الجهود لإزاحة العوائق أمام حاجة البلاد لتحفيز الإستثمار المنتج والتوظيف الأمثل للطاقات المتاحة، رغم أنها خطب تتحلى بنوع من الوصفية DESCRIPTION ولا نجد داخلها أية إشارة إجرائية محددة لمعاقبة أحد المتورطين في التقصير أو النهب، رغم لغة الوعيد المستعملة. بمعنى أن خطب محمد السادس كانت تركز مثلا على وصف الغابة على أنها مقتلعة الأشجار، تم استنزاف وحيشها ونباتها، وهي في حالة يرثى لهل وانه من تبث في حقه الإخلال بالغابة سيتعرض لعقوبات صارمة، لكن لا تتضمن أية خطبة منها تحديد إجراء سيتخذ ضد مسؤول معين قام باختلاس هذه الغابة وتدميرها، كخطوة زجرية ملموسة على أرض الواقع، كما يحدث ببعض الدول الديموقراطية المجاورة. بمعنى أدق، كان لوقع هذه الخطب الملكية أن يكون أقوى، لو تمت معاقبة العديد من المقصرين والمختلسين والناهبين منذ 2004 على الأقل، بعد كل خطبة يتم التطرق فيها لمثال من أمثلة التهاون مصحوبا بدعوة المؤسسات إلى الاضطلاع بمهامها ومسؤولياتها.

لكن، أعتقد أن الإعفاءات الأخيرة ، أشفت غليل أغلبية المواطنين لكونها أطاحت بنخبة متفسخة، أبت- رغم كل هذه الخطب المتكررة المغزى- أن تجعل من وظائفها السامية نخبة قوية حاملة للتخطيطات الكفيلة بتنظيم جديد للحياة الإجتماعية. فهل من مزيد؟ يقول لسان حال المغاربة.

على أي، يبقى المغزى الأكثر وضوحا للعقوبات الأخيرة هو أن المسؤولية بمواقع تسيير المؤسسات بمختلف أنواعها، من الإستوزار مرورا بالبرلمان ومختلف الوظائف السامية، وليس وقوفا عند تحمل مسؤولية تدبير المجالس المحلية ومختلف الإدارات العمومية، لم تعد أمرا مبنيا على أسلوب المحاصصة، و التهافت نحو الإغتناء اللامشروع، ونهب المال العام، والرغبة في الاستفادة من ريع التقاعد غير المنطقي (خصوصا للوزير والبرلماني)، بل أصبح أمرا يقتضي التفاني في خدمة الوطن بعيدا عن التفريط في الواجب الذي سيؤدي حتما إلى العقاب. وهذا ما نتمنى استمراره  قصد تفعيل ملموس للدستور.

 

3-2- استمرار ونجاح "المشروع الأسمى" للملك محمد السادس يستلزم زلزالا أقوى.

إن زلزال الإعفاءات الأخيرة – رغم كونها سابقة في تاريخ التسيير الحكومي ببلادنا – لو افترضناه زلزالا طبيعيا حقيقيا، فإنه لا يكاد يتجاوز ثلاث درجات على سلم رشتر، إن هو اقتصر على مجرد الإعفاء من المهمة الممزوج بسخط القصر. لأن فلسفة ربط المسؤولية بالمحاسبة بكل الدساتير الديمقراطية، تقتضي التحريك الفعلي لآليات المعاقبة من خلال استرجاع المسروق من الأموال والميزانيات المرصودة، وإقرار العقوبة الحبسية لمرتكبي الجرائم المالية المعرقلة للتنمية المنشودة. إذ لا نعتقد أبدا في هذا السياق بأن يتم ضبط الإختلالات، في تتبع تنفيذ الأوراش الموقعة رسميا دون أن تحصل هناك اختلاسات، مع احترامنا لما قدمه  تقرير المجلس الأعلى للحسابات. وإلا  فسنقتنع  بادعاءات براءة أوزين من الاستفادة ولو من جزء بسيط من الميزانية الضخمة للمركب الرياضي للرباط، وسنقتنع بأن مولاي الزين الزاهيدي كان قد اتهم ظلما وعدوانا كل من سرد أسماءهم من الشخصيات النافذة في اختلاسات القرض العقاري والسياحي في وقت سابق، وسنقتنع بسهولة بأن كل الأوراش الكبرى المفتوحة التي بدأها المغرب : (تنمية أقاليم الجنوب، المغرب الأخضر، المشاريع الضخمة المنبثقة عن توطيد العلاقة المغربية الإفريقية بعد العودة إلى حظيرة الإتحاد الإفريقي ... إلخ) لن يطالها أخطبوط الإختلاس إن عرف مصيرها - لا قدر الله -  نفس مصير "منارة المتوسط".

 نعتقد بالجزم أن التكريس الفعلي لهذا المبدأ الأساسي للدساتير الديمقراطية المعاصرة "ربط المسؤولية بالمحاسبة والمعاقبة" هو الكفيل بإيقاف نزيف جسد هذا البلد السعيد الذي تنخره براثن الفساد وجشع المفسدين ممن تحميهم الأفكار المتعفنة والعقليات الإنتهازية التي تتذكر فقط "العفو عما سلف"، وتتناسى ما فعله عمر بن الخطاب (ض) بعمرو بن العاص بعد تقصيره في مسؤوليته بولاية مصر !!...

إن زلزال العقاب بعد التقصير والتهاون، عندما يكون قويا، يجعل العقاب نفسه، تعاقدا دستوريا مضمونا. إذ لا تنفع مع المسؤول لا حصانة النفوذ الحزبي، ولا حصانة البرلمان المجحفة. كما أن هذه المعاقبة الصارمة هي التوجه السليم الذي من المفترض أن يساعد على تحقيق المزيد من المكتسبات في طريق التحديث السياسي والاقتصادي الذي هو حجر الزاوية في "برنامج العمل الأسمى" للملك محمد السادس منذ سنوات كما يتضح ذلك من الخطب الملقاة أمام الشعب في شتى المناسبات الوطنية.

ولا شك أن استمرار مثل هذه العقوبات الزجرية، يبقى مرهونا باستمرار نفس الإرادة السياسية الهادفة إلى استئصال مظاهر التعفن والتسلط والنهب والاستهتار. وحتى نكون موضوعيين في هذا التحليل البسيط ، فلا بد من اقتران هذه الإرادة السياسية الفوقية بتحديث العمل الحزبي القاعدي، الذي كان بالأمس القريب فعالا، مثابرا ومجددا بالمواكبة المتفانية لأوضاع الوطن والمواطنين بالنقد البناء، فأضحى فجأة اليوم، مرتعا، بل مستنقعا آسنا لطحالب الانتهازية واللاأخلاق، تسيره أو "تشتغل" بداخله في أغلب الأحيان ،عقول قصيرة التعليم والتكوين لا تتقن إلا لغة الخشب وخزعبلات الفايسبوك الصبيانية والعاجزة أحيانا ، إلا عن التعبير ببضع سطيرات من وحي خيالها العقيم الذي يبين أنها تمارس مهنة النفاق و البهلوان السياسي ، المحب لأخذ دور البطولة لينعت نفسه من خلال وعي زائف ، بالمناضل العارف بكل شيء و هو الجاهل لكل شيء . و هذا من جملة ما ساهم في اضمحلال واجب الأحزاب في المراقبة و الملاحظة البناءة و الفعالة .

 

3- على سبيل الختم :

العقاب على الجريمة كما يقول ميشيل فوكو- به فعلا علامات عديدة موجهة لأفراد المجتمع كي يمتنعوا عن ارتكاب المزيد منها. فالعقوبة التي يقضيها المعاقب "إنما هي تعويض يدفعه لكل مواطني مجتمعه ثمنا للجريمة التي أضرت بهم جميعا" (4) . إن جبر ضرر الجماعة المتضررة من المواطنين، لن يكون لا بإنجاز القطارات فائقة السرعة، ولا بالمنشآت العملاقة المستعملة للطاقات المتجددة، ولا حتى بالمراجعات المتكررة للدساتير السابقة... لأن كل هذه الأمور و غيرها لا يمكن أن تسعد المواطن . يقول روسو :

« JE N’AI POINT VU QUE TANT DE SCIENCE CONTRIBUA AU BONHEUR HUMAIN »

نعتقد أن الملك محمد السادس هذه المرة قد هجم على موضوع الفساد من لبه وصميمه، ولم يتناوله من ذيوله ولا من أطرافه : الإعفاء من المهام المقرون بالسخط ، في انتظار المزيد، لأنه ما أكثر عدد الناهبين  والمقصرين !. و نعتقد أن إرهاصات هذا التغيير في الموقف الصارم لجلالته ، يمكن استنتاجه مباشرة بعد "البلوكاج الحكومي" في زمن بن كيران ، و الذي أسفر عن ظهور 13 وجها جديدا في التشكيلة الوزارية.

 إن الشعب المغربي بخرجاته وحراكاته المتكررة في السنوات الأخيرة، إنما كانت لأجل العدالة الإجتماعية والكرامة، ولعل خوفه من المجهول والظلم والفقر والتفقير والتهميش، كانت من أقوى بواعث طلبه للحق في الشوارع ضد "الحاضر المذعور" كما كان ينعته الدكتور الجليل المهدي بنعبود، ذلك الحاضر الذي يجب أن نحاول في جاهدين "طرد الروح الشريرة التي تسعى دوما إلى قتلنا " و هي الفساد ، كما يشير إلى ذلك Pierre Clastres. في " مجتمع اللادولة". (4) .

 

هوامش: 

(0) : محاولة لترجمة مقولة جون بول سارتر « nous n’avons que faire d’une réhabilitation posthume ; c’est ici de notre vivant que les procès se gagnent ou se perdent «

(1) : بيت شعري مغنى للشاعر الكبير بناصر أخويا في السبعينات من القرن الماضي .

(2) : وثيقة الإصلاحات الدستورية التي تقدم بها الإشتراكي الموحد سنة 2006 إلى القصر و بها مقترحات جد متقدمة في شأن مفهوم ربط المسؤولية بالمحاسبة  في إطار الملكية البرلمانية .

(3) : هذه المقتطفات من الخطب الملكية، كنا ندونها بمذكراتنا الشخصية منذ سنة 2002 للعودة إليها عند الاقتضاء كما نفعل اليوم في هذا المقال. كما كنا نتابع تحليلها من طرف بعض المحللين ببعض برامج القنوات التلفزية   .

(4) : راجع ما كتبه الفيلسوف العبقري ميشيل فوكو في كتاب surveiller et punir

 (5): انظر كتاب بيير كلاستر " مجتمع اللادولة "   ترجمة محمد دكروب .

 



تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

1- من المستوى الرفيع

تحية ليك باهرا

تحليل رفيع و من كل فن طرب . حياك الله و جميع العقول المتنورة بالمنطقة

في 03 نونبر 2017 الساعة 24 : 12

أبلغ عن تعليق غير لائق


2- روعة

تغوليت

دمت وفيا لخطك التحريري الجاهر بالحق ، العميع في ربط الأسباب بالمسببات .مقال يستحق أن يعرض في جدول أعمال البرلمان بمجلسيه . رؤية ثاقبة في عرض الأحداث . الفساد لا يزيد الدول إلا ضعفا وهشاشة واحتقانا . واصل مسيرتك أيها القلم الحر في زمن جفت فيه الصحف ورفعت فيه الأقلام .

في 03 نونبر 2017 الساعة 48 : 16

أبلغ عن تعليق غير لائق




أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الإخبار بالغيب وإعجاز القرآن الكريم
اغيثو المستوصف المحلي بفم الجمعة
الاعتداء على الأساتذة..إِهانة للمدرسة والعامِلين تحت سَقْفِها
بأي معنويات سيقف الأساتذة أمام تلاميذهم؟
الشيخ عمر القزابري لنساء ولرجال التعليم : أنتم الشمعة التي تنيرُ الطريق إلى المعرفة وهي تحترق
مَنْ علَّمَنِي حَرْفاً أوجعتُهُ ضرباً
زلزال ولكن .!!
المسيــرة الخضــراء..تفاصيـل غير معروفـة
لِمَاذَا فَرِحَ الْمَغَارِبَةُ بِإِعْفَاءَاتِ الْمَلِكِ؟
بوعشرين يخاطب الجزائر : وزيرك في الخارجية’ دبلوماسي خشن’