أضيف في 7 يناير 2018 الساعة 11:51


التّربية المُتاحة على الفوضى المُستباحة


بقلم عبد العزيز غياتي



      حين يجلس مواطن في مقهى عمومي يتواجد بمفترق الطّرق وبيده (سبسي) طويل و يبدأ في تدخين الكيف (شقف) بعد (شقف) و يُناول أصدقائه ليدخّنوا هم كذلك (شقف) بعد (شقف)، و ذلك على مرأى من الذين يمرّون من الطّريق العمومي، و قد يكون من بين هؤلاء المارّة المواطن العادي أو عون السّلطة أو رجل الأمن أو إمام المسجد، و يتكرّر هذا المشهد مرارا و تكرارا إلى درجة الاعتقاد أنّ استهلاك المخدّرات لم يعد مخالفا للقانون.

و حين يتجوّل أصحاب الدّراجات الناريّة في الشّوارع و بين الأزقّة بطريقة و بسرعة مثيرة و بدون خوذة واقية، و يستعملون درّاجاتهم للتحرّش بالتّلميذات أمام الثّانويّات و داخل الأحياء السّكنيّة و يستعملونها كذلك وسيلة لنقل خليلاتهم، و حين تستغلّ نادلة عملها لاحتراف الدّعارة موازاة أو تحت غطاء عملها في المقهى مع الزبائن أو مع غيرهم، و حين يتمّ ذلك في غالب الأمر أمام الملأ(على عينك يا بن عدّي) دون تحفّظ و دون أن يوقفهم أحد؛ أوقن أن علاقتنا كمواطنين مع القانون من جهة، و طريقة السّلطات في التّفاعل مع من يخرقه من جهة أخرى ليست على ما يرام، و أنّ تحسّن هذه العلاقة لا يبدو لها طيف في الأفق القريب. 

حين يرى المواطن إنبات الأحياء العشوائيّة على الأراضي السّلاليّة، تحت أنظار النّواب السّلاليين و التّرابيين، بل و تتسرّب العشوائيّة إلى تجزئة سكنيّة قانونيّة في شكل إضافة حجرة أو طابق أو طابقين في ضوء الشّمس أو تحت نور القمر، في تحدّ سافر للقانون و المنطق و حسن الجوار،  و ليس في غفلة عن عيون لا تنام عن حراسة الفضاء العام. حين يشهد المواطن كلّ ذلك أو يساهم فيه بدون عتاب أو عقاب أو محاسبة من أحد؛ فهو يمارس تمرينا و تدريبا على الفوضى بشقّيه النظري و الميداني برعاية المجتمع. 

     حين يتكدّس التلاميذ داخل سيّارة النّقل المدرسي إلى درجة التصاق الأجساد بعضها ببعض، حيث يتجاوز عدد الركّاب عدد مقاعد السيّارة دون امتعاض من أولياء الأمور،  و حين يلاحظ رجال الغد أنّ السيّارة تمرّ أما رجال الأمن من كلّ الأنواع خارج و داخل المدينة دون أن تثير أحدا، و حين تنزل هذه الأمّة من الصّغار و اليافعين أمام السيّد المدير، مربّي الأجيال، دون أن يبدو عليه الإحساس بالحرج (بوجهه أحمر)، و حين يتكرّر هذا المشهد خمس أو ست مرّات في الأسبوع و تسعة أو عشرة أشهر في السّنة، حينئذ يكون المجتمع الأستاذ بصدد تكوين جيل من المواطنين في مسالك الفوضى و اللّاقانون.

     حين يضطرّ الأطفال المتوجّهون إلى المدرسة إلى المخاطرة بأرواحهم و مزاحمة السيّارات و الدرّاجات و الشّاحنات بالسّير وسط الطّريق؛ فقط لأنّ قارعة الطّريق الخاصّة بالرّاجلين احتّلتها المطاعم و المحلّات الصّناعيّة و التّجاريّة، و محلّات الخدمات و المقاهي التي تنتشر مثل الفطر، و حين يلاحظ هؤلاء التّلاميذ أن هذا المشهد ثابت لم يتغيّر منذ السّنة الماضيّة و التي قبلها بل هو كذلك منذ زمان، و لا أحد تراجع عن احتلال الملك العمومي من تلقاء نفسه أو بعد ردع السّلطات المختصّة، و لا إجماع حصل من المواطنين على مقاطعة مثل تلك المحلّات حين يمكنهم ذلك من باب تغيير المنكر، حينئذ لن يُفهم من الرّسالة غير أنّ الدّولة و المجتمع يربّيان هؤلاء الصّغار منذ نعومة أظافرهم على عدم وضع أيّ اعتبار للقانون.

حين يحتضن سكّان الحيّ مجرما لإخفائه عن الشّرطة التي تطارده، و قد تلجأ الأسرة و الجيران إلى الشّغب من أجل تهريبه للإفلات من العقاب جزاء على ما اقترفت يداه من سرقة و اعتداء و سطو و اغتصاب، و حين يجد المجرم من ينافح عنه و يبرّر له، و يقبّل الرّؤوس و الأيادي و الأرجل نيّابة عنه، لاستعطاف ضحاياه و ذويهم، و يجد من يؤثّر فيهم ليتنازلوا عن حقّهم، و ينجح في التّخفيف من العقوبة  فيخرج سريعا إلى الشّارع ليقترف ما تعوّد فعله، حتّى إذا وقع في قبضة العدالة من جديد، وجد من يتوسّط له، و وجد من يستجيب لاستعطافه، و هكذا يتكرّر هذا المسلسل عبر الزّمان و المكان . حين لا يجد المجتمع حرجا في كلّ ذلك بل يراه و اجبا تقتضيه علاقات الدّم و القبيلة؛ فإنّه يطبّع مع الجنوح و يربّي الأحداث و الكبار على الفوضى.

و حين يستوعب المجتمع الاختلاسات الكبرى دون أن يُذكر أصحابها بالاسم و إن ذُكروا فعلى استحياء، على الرّغم من أثرها البالغ على المستقبل المادّي و الاجتماعي لشريحة عريضة من المجتمع  و الذي سيستمرّ على مدى سنوات،  فإنّه يجعل من أبطالها، الذي يتمثّلون منهجا لحياتهم شعار ( كُنْ سبع و كُلني)، المثل الأعلى للشّباب و الكهول إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

أمّا الاحتفاء الإعلامي بإطلاق سراح فنّان أمضى عقوبة حبسيّة بسبب جريمة اغتصاب فيدخل في التربيّة على اللّامعقول؛ باعتبار الفنّانين قدوة للكثير من المعجبين، و إذا كانت كثير من المهن تشترط خلوّ ملفّ المرشّح من السّوابق العدليّة (الوسخ) ؛ فما عساها تكون الرسالة المتوخاة من هذا الاحتفاء غير: ( الوسخ ) تجبّه الشّهرة التي قبله؟

تلكم فقط أمثلة لمشاهد لا حصر لها من مظاهر يمجّها الذّوق قبل القانون، سكت عنها من سكت؛ رهبا أو لحاجة في نفسه، و دافع عنها من تدرّ عليه بعض الدّخل. فإذا كانت التّربية على المواطنة المدرجة في المقرّرات الدّراسية تبني، فإنّ التّربية على الفوضى المعايشة في الشّارع و المتاحة في المعيش اليومي بوسائل إيضاح لا تخطئها الألباب تهدم و  تجعل من هذا القانون المُجمع عليه و الجميل جمال قوس قزح غير ذي معنى .

                                                                               عبد العزيز غياتي





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الكتب المدرسية أداة تربوية وتعليمة يجب أن تكون في متناول الجميع!!!
أستاذي الذي رحل ...
نسيان
قصيدة شعرية وتهنئة الشاعر زوعيف بمناسبة عيد العرش العلوي المجيد
تخليد مئوية التخييم عبر ترسيخ قيم المواطنة والسلوك المدني
التسول ولكريساج، و سياسة الدولة
أهم انتظارات الساكنة من رجال السلطة الجدد بمنطقة دمنات
حملة المقاطعة بالمغرب و أشياء أخرى (رأي)
مؤسسة ’جزيرة الفكر ’ بسلا و الأسر المتوسطة المراهنة على التعليم الخاص
حدادٌ على وطن يغرقُ أبناءه في 20 سنة سجنا ظُلما