أضيف في 27 يناير 2018 الساعة 00:43


أيت أزيلال: ابنوا لكل واحد منهم تمثال


بقلم/جمال أسكى



 

بقلم/جمال أسكى

بسم الله الرحمن الرحيم

لعلكم تتساءلون عن سبب استفتاح مقالتي بالبسملة، وتساؤلكم مشروع. فقد عرفت أزرار حاسوبي، في الأيام الأخيرة، اهتزازات وارتدادات زلزالية قوية. فكلما همَمْت بكتابة مقال إلا وارتعدت فرائص الحاسوب وشرع في إصدار أصوات غريبة تشبه صوت القنفذ تارة، وصوت الأرنب وهو يساق إلى الذبح تارة أخرى. وكرجل مؤمن، لم يعتد مثل هذه الحالة الروحانية الفريدة، فقد قصدت عرافة متخصصة في صرع ورُقية الحواسيب المحمولة. و ما إن انتهيت من سرد الحالة السيكولوجية المرعبة لحاسوبي المسكين حتى بادرتني بتوضيح العلة والسبب صارخة: " إنها "العوينة".. الأمر واضح ولا يحتاج إلى التفوسيخة للتأكد من ذلك". لم أصدق ما سمعته من " الشوافة" فصرخت قائلا: هذا مستحيل.. نعم العين حق، ولكن كيف " تضرب" العين حتى هذه الخردة؟ كيف؟ نظرت إلي الشوافة الخبيرة مطولا ثم انفجرت ضاحكة بهستيرية قبل أن تتمتم بصعوبة: "يا لك من غبي.. أقصد أن هناك عينا تراقب حاسوبك. لماذا يراقبون حاسوبي يا شوافتي؟ لماذا؟ فتجيب: سأحكي لك القصة كاملة عندما يحين الآوان...

لماذا لا يصدقون أنني تغيرت كثيرا؟ ولماذا لا يستوعبون أنني، ومنذ أن حضرت تكويناتهم ، أصبحت أكتب بطريقة مختلفة؟ نعم أعترف أنني كنت، قبل سن الرشد الإعلامي، أركز على النصف الفارغ من الكأس، وأنبش في الحيز الأسود المظلم من القضايا. هذا صار في خبر كان، واليوم، أصبحت أرى الكأس مملوءا عن آخره، والأسود أبيضا ناصعا، وبقية الألوان كلها وردية زاهية. النظرة الإيجابية ملأت بصري وفؤادي. نعم ودعت السلبية والسوداوية إلى الأبد. فقد عانق جمالي جمال الوجود فازدادا بهاء وجمالا. واقتباسا من هذه النظرة المشرقة التي تسري في عروقي، وتعبيرا، بالدليل الملموس، عن التحول من اليسار إلى اليمين، في نظرتي إلى هموم إقليم أزيلال، التي تسكن مخ عظامي، سأتحدث عن " فرسان الجيل".

لا ينكر التقدم الهائل، والتطور الباهر الذي عرفه إقليم أزيلال، منذ ما قبل التاريخ إلى اليوم، إلا جاحد أو حاسد. وهذه الحقيقة الراسخة الواضحة الساطعة تعززها الأدلة والقرائن والبراهين والحجج النقلية والعقلية وصور الأرشيف، وتلك الملتقطة بالقمر الإصطناعي، الذي أطلقه المغرب حديثا. ولتأكيد تلك المعجزات المتوالية الكبرى التي عرفها الإقليم، خاصة الدواوير ما وراء الجبال، حملت حاسوبي، بعد أن أخضعته  للرقية الإلكترونية من " العين التابعة"، و عدستي للتوثيق، ثم بدأت رحلة البحث عن الحقيقة التابثة التي لا تتحرك ولا تتزحزح، والتي ينكرها العديد من محترفي السوداوية والظلامية ونصف الكأس الفارغ، تماما كما كنت أفعل قبل التوبة النصوح.

لجمع الحقائق، بشكل علمي و موضوعي، استعنت بعلوم الأنثروبولوجيا، والسوسيولوجيا، والبيولوجيا والجيولوجيا والأركيولوجيا والسيكولوجيا و الأزيلالوجيا و الإيكونوميكا والبوليتيكا والهيرمينوطيكا... كل ذلك من أجل، أولا، تحقيق الحق وعكس الواقع الجميل كما هو. وثانيا، من أجل تقديم واجب التكريم والإعتراف والتقدير والإجلال لطينة خاصة من رجال ونساء الإقليم الذين " خدموه" بكل تفان وحب وإخلاص ونكران ذات. هل قلت "طينة"؟ لا يجوز أن توصف تلك العشيرة المباركة ب"الطين"، وإنما بالذهب وبالمعادن النادرة النفيسة. إنهم ثلة قليلة من أولياء الله الصالحين، ومن المناضلين الأفذاذ، ومن المجاهدين الأمجاد. إنهم عجينة ذهبية خاصة من رجال السياسة والفكر والإعلام والرياضة والعمل المدني الإجتماعي... إنهم هم أنفسهم  بأنفسهم  بتعاونهم مع بعضهم البعض، يشكلون جيشا من فرسان الجبل أخذوا على عاتقهم، وحدهم دون غيرهم، تحويل إقليم أزيلال إلى معجزة تنموية، والنتائج التي توصلت إليها كانت، حقا، مبهرة. وإليكم بعض الأدلة القاطعة:

أول انجاز أبهرني في طريقي إلى ما وراء الجبال بإقليم أزيلال هو " النقل المزدوج" الذي لا غنى عنه للربط بين المركز والهامش. وهذا تنزيل تطبيقي لسياسة الدولة في التعاون شمال-جنوب. وهذا الإنجاز التاريخي المهم، الذي لا تجده إلا في الأقاليم التي يربط معها إقليم أزيلال "شراكة توأمة"، غير مكتوبة، كإقليم كاتنموندو، عاصمة النيبال. كما أن هناك شائعات تقول أنه  سيتم استعمال  النقل المزدوج كوسيلة نقل رئيسية بعاصمة جنوب السودان، التي سيبنيها المغرب.

إن استعمال النقل المزدوج لم يلغ استعمال الدواب بشكل نهائي. وإنما تمت المحافظة على المزج بينهما، في إطار مقاربة تشاركية و مبدأ المساواة و المناصفة  بين وسائل النقل " الطبيعية" و "الإصطناعية". وهذا تجسيد ملموس لالتزام الإقليم باتفاقية باريس حول التغيرات المناخية. و تذكرون شعار إحدى مهرجانات أزيلال في هذا الصدد.

أما إنجاز فرسان الجبل على المستوى السياسي فمعترف به على الصعيد الدولي: يكفي أن نعلم أن نسبة المشاركة في آخر انتخابات قاربت مائة في المائة في بعض الدوائر، في حين لم تتجاوز النسبة في بعض مدن الشمال، وفق أرقام وزارة الداخلية، بضع وعشرين في المائة. إن تحقيق هذه النسبة من المشاركة الإنتخابية، في إقليم يصفه العدميون بالمنكوب، والتي لن تجد لها مثيلا حتى في إقليم  ستوكهولم بالسويد، ينم عن عبقرية فذة ومعجزة سياسية كبرى.  وتحقيق تلك الأرقام المذهلة لم يكن صدفة، وإنما نتيجة عمل دؤوب وجهد جهيد وبركة أوليائنا السياسيين الصالحين. والحديث عن الإنجازات السياسية  الخارقة لسادتنا الكرام يحتاج لموسوعة غينيس للأرقام القياسية، وليس لمجرد مقالة متواضعة.

فلعلكم تنتظرون أن أذكر أسماء حماة الديار وسدنة السهل والجبل وخدام أزيلال الأبطال... إنني أعلم علم اليقين أنكم تعرفونهم بالأسماء والصور والصفات. وذكر اسمائهم  يعد انتقاصا من قيمتهم و انتهاكا لحرمتهم، وتقليلا من ولايتهم وقداستهم. فمن المفترض والمفروض أن تكون أسماءهم محفورة في الذاكرة الجماعية لأبناء وبنات إقليم أزيلال. ومن الواجب الوطني حفظ صورهم في أرشيف كل قلب مؤمن، وجمع كل ذلك في كتاب تحت عنوان " مسلك الأتقياء ومنهج الأصفياء في ترشيد الأذكياء ووصف الأولياء". لذلك لن أكتب اسماءهم ولا مهامهم خوفا من أن يصيبني مكروه. فسادتنا الكرام يكرهون أن يشيرإليهم أي شخص بالبنان ولو بالخير. فقد سئموا من "البنان"، ويعتبرونه فاكهة كافرة، ويفضلون أن تشير إليهم بظرف "تمر المجهول".

أعلم أنكم تتهمونني بالمبالغة في إظهار معجزة وعبقرية ولامثيلية ولا مسبوقية ولا معهودية ولاطبيعية تلك الفئة المصطفاة وتلك المجموعة المنتقاة من مناضلي ومناضلات إقليم أزيلال الأولياء الأخيار الأبرار. ولكن حقائق العلم والمنطق والتاريخ والجغرافيا والواقع تؤكد أنه فعلا لتحقيق تلك الإنجازات، والوصول إلى تلك المناصب والمراتب العاليات، تحتاج أن تكون لك بركة و ولاية وأن يفرش لك في الأرض القبول. فهم يشتركون في خصائص وسمات وصفات تبدو، للمغفلين وقليلي الفهم، متناقضة مع المهام التي يضطلعون بها، ولكن كيف ستعرفون أنهم أولياء إذا لم يكونوا كذلك؟ إذا لم يبهروكم بأمور خارقة للعادة، فكيف سيستمرون في أداء رسالتهم النورانية الأبدية؟ إذا لم تقف مشدوها بين المقدمات والنتائج، كيف ستفهم البركات والكرامات؟...

أولى الخصائص المميزة لأولئك السادة أساتذة السياسة والرياضة والإعلام والعمل الجمعوي والإقتصاد التضامني هي الأمية. هل تفاجأتم؟ نعم، إن أغلبيتهم الساحقة لم يتجاوزوا، في أحسن الأحوال، عتبة "الباك"، وفي أسوئها، بمعاييركم الساذجة، عتبة المدرسة  قط. رؤساء مجالس، مستشارون، برلمانيون، رؤساء جمعيات، إعلاميون... نعم، كل هاته المناصب والمسؤوليات والمهام يضطلع بها أولياء وسادة أميون. هل تستطيع أن تكون رئيسا أو برلمانيا، وأحيانا هما معا، دون علم؟ هذا مستحيل ما لم تكن لديك "بركة". كيف يمكن لفاعل مدني أمي أن يشرف على برنامج لمحاربة الأمية ما لم ينشر له القبول في الإقليم؟  وكيف لإعلامي أن يكون له سبق صحفي، وينشر عشرة أخبار في اليوم، وهو لا يفرق بين "سار" و"صار"، إلا أن يكون مَرْضِيٌا؟ إنها أجنحة "الولاية" تظلهم برعايتها الروحانية المباركة.

ختاما، بعد إظهار بركة ومعجزة " فرسان الجبل"، على وزن " فرسان الهيكل"، بالدليل والحجة، أطالب بمزيد من الإعتبار والتكريم والتقدير لهذه الثلة المتميزة لصانعي القرار في السياسة و الرياضة والإقتصاد والإعلام في إقليم أزيلال. فلا أتصور، صراحة، استمرار وجود أيت أزيلال بدونهم. فقد ألفناهم في مهامهم ومناصبهم لسنوات وعقود. واستبدالهم سيؤدي، لا محالة، إلى لعنة و"تابعة" نحن في غنى عنها. أطالب ببناء تمثال اسمنتي لكل واحد منهم، وتدريس سيرهم الذاتية للأطفال الصغار، ووضع صورهم على أغلفة حليب الرضع حتى تتخذهم الأجيال المقبلة  قدوات ورموزا للإتباع. فلا تكفي تلك المشاريع التافهة التي يستفيدون منها لرد الجميل لهم. يستحقون الأكثر والأفضل، فمهما قدمنا من قربان وقربات لهم، فلن نجازيهم على كل تلك الخدمات الجليلة والتضحيات الجسيمة التي بذلوها، وما يزالون، في سبيل رفاهية وازدهار وتنمية إقليم أزيلال، ولعل آخرها تلك القفة المملوءة بالمساعدات الغذائية، أهمها " القالب". وسأخصص مقالي المقبل لهذا الإنجاز الرائع...





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
نسيان
قصيدة شعرية وتهنئة الشاعر زوعيف بمناسبة عيد العرش العلوي المجيد
تخليد مئوية التخييم عبر ترسيخ قيم المواطنة والسلوك المدني
التسول ولكريساج، و سياسة الدولة
أهم انتظارات الساكنة من رجال السلطة الجدد بمنطقة دمنات
حملة المقاطعة بالمغرب و أشياء أخرى (رأي)
مؤسسة ’جزيرة الفكر ’ بسلا و الأسر المتوسطة المراهنة على التعليم الخاص
حدادٌ على وطن يغرقُ أبناءه في 20 سنة سجنا ظُلما
مُمَرِّض في حَيْصَ بَيْصَ ومعاينة الوفيات (2)
دمنات : ’ نهار عيدكم نهار عطشكم ايها الدمناتيون..’