أضيف في 12 يونيو 2018 الساعة 00:18


مرافعة ’مول الكنز’


جمال أسكى

الكنز وما أدراك ما الكنز! كنز يغنيك عن "الخنز" وكنز يجعلك "خانز فلوس". أنا الشاب الحالم بالثروة.. قررت، عكس باقي أقراني في قريتي المنسية، أن أحول حلمي إلى حقيقة وواقع معيش. حلمت أنني وجدت كنزا فوق الجبل، أنا الذي لم أسمع عن المال والثروة والغنى إلا في "جزيرة الكنز"، فقررت أن أتبع "تعليمات الجن" بعدما تنكر لنا "الإنس" الذي صوتنا عليه في الإنتخابات الجماعية والبرلمانية.


حكيت قصتي لأهل قريتي وصدقوني، دون أدنى تردد، لماذا؟ لأنهم يعيشون الفقر والتهميش والحرمان منذ أمد بعيد، و لأنهم، من شدة فاقتهم، كانوا هم أيضا يحلمون ب"الكنز المفقود". لم يتجرأ أحد على القيام بما قمت به لأنهم يميزون بين "الوعود الإنتخابية"  و"الإنجازات" على أرض الواقع. أما أنا فأنتمي لجيل جديد يتماهى لديه "الواقع الإفتراضي" ب"الواقع المعيش". أنا أنتمي لجيل صبره على الظلم والحگرة والإقصاء... قليل، ويؤمن بالإنجاز وليس ب"الشعارات". 


حملت راية الوطن فوق أكتافي، ورددت "عاش الملك" لأبين أنني وطني يحب وطنه وملكه، وأنني لست خائنا ولا انفصاليا  ولا "مدوخا". أنا، والآلاف من بني البشر، الذين صعدوا معي إلى الجبل، في الحر و الصيام، بحثا عن " الكنز المدفون" أردنا أن نرسل رسالة قوية وصادمة للدولة المغربية، بمختلف مؤسساتها، أن هناك في جبال بولمان شعب لا يزال يعيش ظروف "ما قبل التاريخ" من أمية وجهل وفقر وتهميش وإقصاء وحگرة و... وأنه هش لدرجة تصديق أي "خرافة"، وأن على الدولة التحرك الفوري العاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الآوان.


إن اعتقالي وسجني، وحتى إعدامي، لن يحل المشاكل الجمة لساكنة أعالي الجبال. فأنا، مهما بدوت أحمقا مضطربا متهورا، لست إلا نتاج سياسة "التنمية البشرية" الفاشلة، التي حولها البعض إلى كنز حقيقي حيث نهبوا الملايير بشعارات براقة ومشاريع وهمية. إن الحل يكمن في بناء المدارس والطرق والمستشفيات، وفتح المساجد لمحاربة الجهل والأمية والفقر، وقبل ذلك إيجاد فرص الشغل للشباب الحالم بالعيش الكريم.





إن اعتماد المقاربة "الإحسانية" الموسمية كذر للرماد في العيون، لن يكرس إلا مزيدا من الهشاشة و المآسي، ليس فقط في بولمان، وإنما في خنيفرة وميدلت وأزيلال والصويرة...

أعتذر لكم قرائي الأعزاء، ولكل من صدق كذبتي، فقد كانت "مسيرة العسرة" في "جبل الكنز" اليوم مجرد "كاميرا خفية" لإثارة انتباه الدولة ووسائل الإعلام والعالم أجمع بوجود شعب في قرية اسمها "سرغينة" بإقليم اسمه "بولمان،  يعاني ويئن، في صمت، لعقود. هل عرفتم بوجود هذه القرية وهذا الإقليم قبل اليوم؟ هل سمعتم عنهم يوما في الإعلام العمومي؟

 

أعتذر بشدة فهدفي كان وطنيا نبيلا: أريد أن أطالب الدولة، نيابة عن الآف البشر الذين تبعوني إلى الجبل بحثا عن "الكنز المدفون"،  بأن تمنحنا جزءا من حقنا في "الكنز الظاهر" المسروق من عائدات الفوسفاط والصيد في أعالي البحار و الضرائب... فنحن أيضا مواطنون مغاربة لنا الحق في التنمية والكرامة البشرية.


أردت فقط أن أثير الإنتباه  إلى أن الجهل والفقر والأمية والحرمان هي عود ثقاب قد تحرق الأخضر واليابس، في أية لحظة. ماذا لو جاءت داعش ووعدت الشباب ب"كنز" مدفون في الرقة أو درنة أو أي مكان آخر؟ ألا يذهبون؟ ألم يذهب شباب مغاربة من قبل؟ أتظنون أن السبب هو إيديولوجي محض؟ أليس بحثا عن التعويضات بالدولار  وزوجة وبيت؟ ماذا عن التنصير الذي طال  بعض في الأطلس من قبل؟ أليس بسبب الفقر والحرمان؟


اطلقوا سراحي فأنا إبرة وخز في ضميركم الميت لكي تستفيقوا وتهتموا بأبناء المغرب "غير النافع" أسوة بمدن الشمال. فنحن أيضا نستحق الحياة.. فبأي ذنب تعدمون حقنا في العيش الكريم؟ ألأن أجدادنا اختاروا المقاومة وبذلوا دماءهم رخيصة في سبيل الوطن؟ أجيبونا...

جمال أسكى





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الصناعات الثقافية بالمغرب وتنمية التفكير الإبداعي .2
جولة في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية – الجولة الأولى-
صحافي من أبناء جهة بني ملال خنيفرة.. يوجه نداء القلب والضمير لمراسلي الجهة
المدينة الكهف
سمير أوربع وقراءة في قضايا كتاب ’الأدب في خطر’
أمهات وآباء آخر زمن!
الصناعات الثقافية الصناعات الثقافية وتنمية التفكير الإبداعي والاقتصاد الوطني (مدخل عام)
ممرّض في حَيْصَ بَيْصَ والطّبيب الصّغير (3)
الجيلالي الاخضر يكتب؛ قديما قيل: ’الاغبياء يفسدون اللحظات الجميلة''
هل قتلتَ جمال خاشُقجي أم قتلكَ؟