أضيف في 25 يونيو 2019 الساعة 09:00


سعيد لمسلك يكتب عن معيقات التنمية المحلية بمدينة أزيلال


بقلم سعيد لمسلك



.المسلك سعيد


1-ملخص لمعيقات  تدبيرية سبق و أن أشرنا إليها

سبق و أن أشرنا في مقالات متعددة إلى الدور الهام الذي تلعبه الجماعات المحلية كمؤسسات للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية. هذا الدور الذي يرتهن بجملة من الشروط الدستورية     و القانونية و الاقتصادية التي يجب توفرها كي تساعد فعلا على قيام تلك الجماعات بدورها التنموي المحلي الرائد.  فالشرط الدستوري مثلا يتمثل في كون الدستور القائم مكرسا لسيادة الشعب، يعطي للجماعات المحلية سلطة القيام بالتنمية المتعددة الأوجه لصالح المواطنين. كما يتمثل الشرط القانوني في توفير الضمانات اللازمة لإجراء انتخابات حرة و نزيهة لإفراز مسؤولين جماعيين يعبرون قولا  وفعلا عن إرادة الناخبين الذين اختاروهم للقيام بالعمل الجماعي. أما الشرط الاقتصادي، فيتمثل في ضبط الموارد القائمة، و البحث عن موارد جديدة مع ترشيد صرف تلك الموارد في مشاريع تنموية تساعد على النهوض بالصرح التنموي في كل المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية.. ( يمكن الرجوع إلى ما كتبناه في مقالات تحليلية سابقة عن التنمية المحلية و الإقليمية و التي قدمنا في إحداها جردا تاريخيا لكرونولوجيا المجالس المتعاقبة على تسيير الشأن المحلي لحاضرة أزيلال  ).

في هذا السياق ، كنا قد أشرنا إلى كون المجلس الحالي ، خلافا على سابقيه في عموميته ، قد استوعب بشكل ملحوظ أهمية الدور التنموي للجماعة الترابية بعد صدور الميثاق الجماعي الجديد كنتاج منطقي لمرحلة ما بعد دستور 2011 . فسعى جاهدا إلى معرفة الحاجيات الأساسية للساكنة في مجال الخدمات الاجتماعية و البنى التحتية الضرورية في إطار التشخيصات التشاركية لإعداد المخططات التنموية المحلية خصوصا و أن الميثاق الجديد قد وفر الشروط و الضمانات القانونية و الدستورية لقيام المجلس الجماعي بأدواره الطلائعية كمؤسسة للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية . كما أشرنا إلى أن استيعاب ضرورة النهوض بالأوضاع التنموية المزرية للمدينة من طرف المجلس الحالي لم يكن بنفس القدر الذي كان عليه إبان الولايات التي امتدت على الخصوص من السبعينات إلى حدود ولاية 1997/2002 ، حيث إن الدور المفترض للجماعة المحلية طيلة تلك المدة كان مغيبا بشكل تام . فقد كانت المجالس – كما يعرف ذلك الجميع بالمنطقة – مجرد هياكل صورية ساهمت في إنتاج شكل هجين متبرجز لم ير في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية إلا وسيلة لإعداد مشاريع وهمية عن طريق النهب الممنهج لموارد المدينة . و شكل هذا الأمر في حد ذاته عائقا كبيرا من معيقات التنمية بمدينة أزيلال على امتداد حوالي ربع قرن من الزمن منذ تأسيس عمالة الإقليم سنة 1975 . فعلى امتداد هذه الفترة الطويلة من التسيير ، عانت ساكنة المدينة من ويلات مجالس مفبركة بمعية السلطة الوصية و قدمت لوائح عريضة من الوعود و تلاعبت بالموارد المالية للجماعة الترابية كما أحدثت منشآت خرافية و تلاعبت بميزانيات الجماعة بشكل مرعب . و غذى هذه النزعة الانتهازية المفرطة لدى أغلب المجالس في الولايات السابقة خلال الفترة المشار إليها أعلاه ، تدني المستوى الفكري للسواد الأعظم من المنتخبين ، ما ضيع على تلك المجالس فرصة استيعاب العمل الجماعي على المستوى القانوني و على مستوى تدبير أمور الجماعة ، كما أدى إلى تبذير العديد من الإمكانات المادية و المعنوية لصالح المدينة  و ساكنتها . و هو الشيء الذي كان قد تفنن فيه الكثير من المسؤولين في تلك الفترة التي شكلت جانبا من الجوانب المظلمة لتاريخ التسيير الجماعي بالمدينة ، حيث تم إيجاد منافذ للتلاعب بأموال الجماعة بالتحايل على القانون مع استغلال النفوذ ، ما أدخل المجلس الجماعي لأزيلال فترتئذ في عملية "خدمة الدين" و أثقل كاهل الجماعة بالديون المفترضة سواء من صندوق الجماعات المحلية أو غيره .

يزكي ما سبق ذكره ، طرح انعدام الدور التنموي في قاموس المجالس المتعاقبة بأزيلال ( في الفترة المشار إليها أعلاه) ، و اقتصارها فقط على دور التسيير الذي يمكن أن تلعبه سلطة الوصاية ، ما ضيع على هذه المدينة الفتية فرصا حقيقية للتقدم و الازدهار .

2-أخطاء الماضي القاتلة ، و "القانون لا يحمي المغفلين" ضد تعنت العقلية الريعية.

اتضح من خلال بعض النقاط المبرمجة في الدورة الاستثنائية للمجلس الجماعي لأزيلال و الذي ترأسته السيدة عائشة آيت حدو رئيسة المجلس يوم 18 أبريل 2019 ، أن المعيقات الحالية التي تطرح أمام المجلس للقيام بأدواره التنموية الطبيعية المتوخاة ، لم تعد تتمثل كما في السابق، في غياب الكفاءة الفكرية لأعضائه ، أو في  كون الأعضاء يتشبعون بالممارسة الانتهازية المفرطة في العلاقة مع الجماعة أو في العلاقة مع المواطنين من اجل خدمة المصالح الخاصة كما كان عليه الأمر في مجالس زمان ، أو حتى في رهن أمر شؤون الجماعة بيد السلطة الوصية التي كانت في السابق تستغل تلك الوصاية لتسخير موارد الجماعة في أمور لا علاقة لها بالعمل الجماعي، كما لم تعد هذه المعيقات تتمثل في النقص الحاصل في الموارد الجماعية و الوعاء العقاري للتشييد ، أو في غياب ميثاق جماعي يعطي للمجلس المنتخب ضمانات الاستقلالية التامة في عملية إحداث تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية لصالح المدينة ، لأن الأمور قد تغيرت مع القوانين التنظيمية المستحدثة.  و لا في الدور السلبي لسلطة  الوصاية  و التي عانت منه كثيرا الجماعات المحلية في السابق كمعرقل لا يساعد بتاتا على تسريع وتيرة التنمية . و لا  تتمثل العوائق أيضا في عوامل أخرى موضوعية مما لم نأت على ذكره هنا  و مما يقوض العمل التنموي داخل الجماعة الترابية . بل إن استقواء الأنانية المفرطة لدى بعض العائلات أضحى أيضا من أهم أسباب التنمية المعاقة بمدينتنا . فإذا ما ألقينا نظرة متأنية على الملفات التي ورد في شأنها محضر حجز ضد الجماعة الترابية لأزيلال ، من طرف المحاكم الإدارية المختصة بالرباط ، و ذلك رغم الطعون بالنقض من طرف المجلس الجماعي ، يتضح أن حجم المبالغ المحكوم به ضد الجماعة الترابية مرتفع جدا بالنظر إلى مواضيع الدعوى المرفوعة ضدها من لدن عائلات بعينها لا تمتلك للأسف الشديد مفهوم التنمية المحلية الشاملة و حب المدينة في محفظتها الفكرية و العقائدية . فمن هذه العائلات من كانت إلى حدود وقت قريب ، تلتمس من الجماعة بإلحاح شديد أن تربط عقاراتها المتناثرة بالطرق المعبدة ، فما أن كان لها ذلك حتى تبرمت عليها بتسجيل الدعاوي القضائية ضدها في قضايا : " الاعتداء المادي على ملك الغير " في تنكر تام للمصلحة العامة للمدينة بالنظر إلى المبالغ المادية المرتفعة جدا ، و التي صدرت عن المحكمة بتأديتها من طرف الجماعة الترابية كمدعى عليه لصالح المدعين طبقا للقوانين القضائية الجاري بها العمل و طبقا كذلك للمادة 181 من القانون التنظيمي للجماعات الترابية 113-14 . فقد وصلت هذه المبالغ(بإضافة  مبالغ الأحكام التي لم تنفذ بعد إلى المبالغ الصادرة عن الأحكام المنفذة) ما يناهز تقريبا  خمسة ملاييرسنتيم !!!!

 

و لا بد من الإشارة هنا إلى أن المجلس الجماعي الأسبق برئاسة السيد محمد وغاض كان قد ارتكب في هذا الموضوع خطأ اعترف به الرئيس بتحفظ على بعض الحيثيات ، مؤكدا أن " حسن النية التي تعامل بها مع المعنيين بمرور الطرقات من أراضيهم كانت تستلزم فعلا توثيق التراضيات" مضيفا أن "الوضعية التنموية الجامدة التي كانت تعرفها المدينة ، كانت تستلزم نوعا من "المغامرة بغض النظر عن القوانين القائمة " مفسرا أيضا "كون اتباع مسطرة نزع الملكية حينئذ كان سيضيع على أزيلال وقتا طويلا في المساطر المتبعة و بالتالي ضياع فرص الاستفادة  من 17 كلم من الطرقات التي تفتخر المدينة بها اليوم في مقابل النقص الشديد في البنية الطرقية داخل المدار الحضري الذي كانت تعاني منه قبل 2008-2009 ، ما فتح آفاقا واسعة أخرى للتنمية داخل الحاضرة ...". الرئيس الأسبق لم يخف امتعاضه مما اسماها "بالمعضلة" التي تسببها هذه الأحكام القاسية ، مضيفا أنه قام و يقوم بمجهود كبير في تحسيس الساكنة طرف الدعوى بأهمية انخراطهم في تنمية مدينتهم التي يجب أن يدافعوا عنها لا أن يغرقوها بالحجوزات و أحكام القضاء ، وتحفظ الرئيس عن الخوض في تفسير جملة من "الأخطاء المتداخلة" في الملف "كغياب تتبع الملفات بشكل دقيق داخل رفوف المحكمة في وقت سابق من طرف دفاع البلدية" و "مشكل التواصل" و غيرها كثير..

جدير بالتذكير أن الرئيس لم يفعل وقتها القانون 30-89 المتعلق بالجبايات المحلية ( 47-06) حاليا ، و الذي كان يقضي بإقرار مساهمات أرباب الأراضي في مشاريع إنجاز و صيانة الطرقات التي تمر من أو بالقرب من أراضيهم ، إذ يلزم القانون أعلاه هؤلاء الملاك أن يساهموا في إنجاز و إحداث الطرقات   ( بتوقيع التراضي أو غيره) لكون هذه المنجزات الطرقية ستمكنهم أيضا من الاستفادة من القيمة المضافة التي ستمنحها هذه المحاور الطرقية لعقاراتهم . و هذا هو الشيء الذي لم يفعله المجلس وقتئذ ، ما تسبب في هذه المعضلة التنموية التي تتخبط فيها الجماعة الترابية اليوم جراء الأحكام المادية القاسية التي صدرت ضدها و التي تناهز كما أشرت آنفا الخمسة ملايير من السنتيمات!!.

و في سياق هذا الموضوع الشائك ، صرح لنا السيد دادا محمد ، و هو عضو سابق بالمجلس البلدي لأزيلال ولاية 1997/2002 أن " الخطأ الذي يحز في قلبه على حد قوله ، هو التفريط في الاتفاق الذي توصل إليه المجلس ولايتئذ مع الكثير من ملاك الأراضي قصد اقتنائها ب30درهما للمتر المربع و كذا اقتناء أراضي الكيش ب50درها "بمساعدة قيمة" من الجنرال أشهبار وقتئذ ، إذ كان مجموع ما يمكن للمجلس أن يحصل عليه من الأراضي بعد الاتفاق الموقع هو : حوالي 40 هكتارا من الوعاء العقاري ،  و الذي يشكل اليوم مشكلة حقيقية للمجالس المتعاقبة ." حيث تراجع مجلس ما بعد 2002 عن الاتفاق   و استرجع الموقعون الأراضي التي كانت ستدخل في حيازة المجلس الجماعي المحلي لولا "تعنت الأغلبية " يضيف المتحدث متأسفا ، مشيرا إلى أن التراجع عن الاتفاق كان " من الأخطاء الجسيمة للمجلس الموالي " ، أي مجلس 2002/2007 ..

أحد الملاك ( جلال التوامي) أدلى لنا برأيه كطرف مشتكي في هذا الملف قائلا : » أرض القاعة المغطاة انتزعت مني دون إعمال قانون نزع الملكية من طرف المجلس السابق و الدعوة التي سجلتها  ضده لا زالت في رفوف المحاكم منذ 2007. لا أريد الخوض في تفاصيل "الاستيلاء" على ملكي العقاري الذي شيدت عليه حديقة المسجد و مكان استغلال السويقة القديم (تاكرارت) ، و المحطة من طرف مجلس السيد وغاض .. أنا أتأسف جدا للمشاكل التي تسبب فيها مجلسه الموقر للمجلس الجماعي الحالي ، و لا زلت متشبتا بتعويضاتي القانونية ، كما أن الملاك ليسوا مسؤولين مطلقا عن إفشال مسلسل التنمية داخل مدينة أزيلال كما يعتقد الكثيرون.   « .

لم يفتنا أن نسأل عن رأي فدرالية اليسار الديمقراطي داخل المجلس الجماعي لأزيلال في هذا الموضوع. و في هذا الصدد ، أكد حدو مسكيتو أن " الملاك قد تنكروا بنوع من الجحود لعدد من الامتيازات التي استفادوا منها بعد أن عبروا عن رغبتهم في مرور الطرق المعبدة من أراضيهم في وقت سابق ، و من بينها : استفادتهم من عدد كبير من الشواهد الإدارية في إطار من المرونة التي تجاوزت أحيانا حدود القانون ، إقدامهم على بيع العديد من البقع بأثمنة مرتفعة في مقابل حصولهم على شواهد إدارية بأثمنة منخفضة ، ثم عدم مطالبتهم بتجهيز عقاراتهم في إطار تجزءات سكنية ...الخ. كان على هؤلاء الملاك استحضار المصلحة العامة لمدينتهم و استحضار استفادتهم المباشرة من عملية تعبيد الطرق المحادية أو المارة من على أراضيهم . اليوم – يضيف ممثل فدرالية اليسار – هناك من الملاك من يطالب بتعويض قدره 2500 درهم عن المتر المربع الواحد في حين أن مبلغ هذا الأخير بمنطقة تاركة مثلا بنواحي مراكش لا يتجاوز أحيانا 800 درهم !!.  و هذا مطلب غير منطقي و مناف للمعقول . كما أن الخبرة التي قدمت إلى المحكمة في شأن تحديد هذا المبلغ لا تلزم القاضي ، و الذي يأخذ حتما بعين الاعتبار الدفوعات الشكلية لدفاع المجلس الجماعي ، حيث تبقى هذه المبالغ المحددة من طرف خبير الطرف المشتكي مبالغا فيها . و المقلق جدا في هذا الملف هو تزايد عدد "الطامعين" في استنزاف ميزانية الجماعة الترابية خصوصا بعد تنفيذ بعض الأحكام مؤخرا ، و يبقى الحل في نظرنا هو نهج طريق التراضي مع المشتكين في إطار من الحوار الهادئ و التحسيس ، مع تشبت المجلس باستخلاص رسومه و ضرائبه بالشكل القانوني الصارم من الآن فصاعدا . " . مسكيتو دعا في الأخير الأطراف المشتكية إلى " استحضار مصلحة المدينة و جعل التنمية بها فوق كل اعتبار ".

3-نظرة مختصرة عن العلاقة الحميمية بين العقلية الإقطاعية و الامتيازات الريعية من طرف الجماعة الترابية بالمغرب بشكل عام .

الحقيقة أن الطبقات الإقطاعية ظلت على مدى السنين تعبد الاغتناء المستمر من شتى منابع الثروة المتاحة و منها ما يمكن أن يأتي من علاقاتها بالجماعات الترابية .

ففي المغرب عموما ، أثبتت تجارب التسيير الإداري للجماعات و البلديات على مدى سنوات ، أن انحراف مسار التنمية من المصلحة العامة نحو تحقيق المصلحة الشخصية الضيقة لم يكن يفيد فقط  المسؤولين الجماعيين و مسؤولي السلطة الوصية و المؤسسة المخزنية، بل كانت تستفيد منه أيضا الطبقات الميسورة المتكونة من الاقطاع المتبرجز و البورجوازية الكبرى و المتوسطة، و قيادة تنظيمات البورجوازية الصغرى، لأن هذه الطبقة نتجت عن استغلال الموارد الجماعية  بالسطو عليها بمختلف الوسائل التي نذكر منها لا على سبيل الحصر :

1) كراء الأسواق ذات الإيراد المرتفع بأثمنة منخفضة مما يعطي تلك الطبقات إمكانية مراكمة الثروة لتحرم الجماعات من تلك الموارد، و تتحول إلى رؤوس أموال بورجوازية  توظف في أمور لا علاقة لها بالعقلية البورجوازية المتطورة التي تساهم في التنمية عوض تقويضها.

2) انشاء مقاولات وهمية للسطو على المشاريع الاستثمارية بأثمنة خيالية قد لا يصرف منها أي شيء على تلك المشاريع، و قد تكلف بإنجازها مقاولات صغرى لا خبرة لها.

3) الاستفادة من الإعفاءات الضريبية عن طريق نسج علاقة حميمية مع الأعضاء الجماعيين،  و مع مسؤولي السلطة الوصية.

4) استغلال الممتلكات الجماعية بدون مقابل، مما يساعد تلك البورجوازية على تنمية ثرواتها على حساب الجماعة.

5) تفويت الممتلكات الجماعية إلى هذه الطبقات الميسورة بمبالغ رمزية، مما ينقلها إلى مستوى آخر ينعكس على مستوى عيشها. ( ما وقع ببلدية الرباط مؤخرا من تفويتات مشبوهة تبعث على الاشمئزاز و الدهشة في زمن الدستور الجديد. )

6) تموين المؤسسات الجماعية بمقابل يفوق كثيرا القيمة الحقيقية لمواد التموين حتى يتم الاستيلاء على المزيد من الموارد الجماعية.

7) الاستفراد بالمنح الجماعية جزاء القيام بأعمال وهمية تساهم إلى حد كبير في إضعاف القدرات الذاتية للجماعة...

و هكذا نجد أن علاقة الطبقة الميسورة و السائدة  بالجماعات المحلية في السابق و حتى إلى حدود الأمس القريب هي علاقة مستغل (بكسر الغين) بمستغل (بفتح الغين)، و لذلك كانت تسلك جميع الطرق من أجل الاستفراد بالتصرف في بعض أو كل الموارد الجماعية، ما يضرب تنمية الإنسان        و المجال عرض الحائط .

اليوم ، تقلصت هذه الاستفادة المتبادلة و اللامشروعة بشكل ملحوظ بفعل انشاء هيئات وطنية مستقلة مختصة بمحاسبة المسؤولين الجماعيين تتمتع بحق احالة الملفات على القضاء ، مع القيام بمراقبة تنفيذ المقررات التنموية التي تقوم بتقويم التكاليف الحقيقية لانجازها حتى لا تتحول إلى مجرد وسيلة للسطو على موارد الجماعات المحلية. (المجلس الأعلى للحسابات نموذجا و هيئات أخرى من القضاء الإداري المختص بالرقابة و التي أثبتت على أرض الواقع فعاليتها في المحاسبة : تنانت ، تاونزة ، سيدي بنور...إلخ ) . و لكن أعتقد شخصيا أن استمرار صدور مثل هذه الأحكام القاسية      ( حجز الميزانية و غيره رغم أخطاء الماضي في التسيير و التدبير ) لصالح بعض ملاك الأراضي   و فرض تعويضات خيالية لصالحهم بدعوى ثبوت الاعتداء المادي على ملك الغير من طرف الجماعة الترابية ، سوف لن يساعد المجالس المنتخبة على تنمية المدينة و تطويرها ( خصوصا المدن الفقيرة أو المنعدمة الموارد ) ، بل سيعمل على إقبارها و تكبيلها لمدة طويلة ما أحوج المواطنين إلى الاستفادة خلالها من فرص كبيرة للنماء و التقدم و الرقي .     

4 - ماذا نقترح شخصيا للحد من هذه الآفة المرضية على سبيل الختم ؟ 

لقد سبق و أن أكدنا في مقالات فائتة أنه على الجماعة الترابية أن تصبح وسيلة فعالة لتحقيق التنمية الشمولية داخل نفوذها الترابي. و لن يتأتى لها لعب هذا الدور إلا بضمان تمتيع الجماعات المحلية بالحد الادنى من الموارد بما يتناسب مع حاجيات التسيير اليومي، و مع ضرورة احداث تنمية اجتماعية أولية في مجالات التعليم و الصحة و السكن و التشغيل. بالإضافة إلى  ضمان امكانية تطوير تلك الموارد لمواجهة الحاجيات الطارئة عن طريق البحث المستمر و القيام باستغلال ممتلكات الجماعة، و إتاحة الفرصة لتوظيف رؤوس الاموال الاجنبية و الوطنية في حدودها الترابية.

لكن تواجد هذه الموارد و تطويرها لن يغني الجماعة و ساكنتها في شيء في ظل استمرار استقواء آليات الممارسات الريعية و الإقطاعية التي لا يهمها سوى تنمية جيوبها على حساب المصلحة العامة للمدينة . فهذا المرض الذي استأجر سريرا و سكن في مخيلة "المواطن" الأناني ، يعد من الجبهات العتيدة التي يجب على كل الجهات الراغبة في الإصلاح الحقيقي و التنمية الشاملة مقاومتها . و لا شك أن القضاء أيضا من الجهات التي يتعين عليها أن تحارب هذا المرض الذي يلحق أذى كبيرا بالتنمية المجالية . في نظرنا المتواضع ، لا بد من التفكير في ما يلي :

إعادة النظر في المقتضيات القانونية المرتبطة بهذا النوع من المنازعات بين الجماعات الترابية  و أصحاب العقار الأرضي ضمانا لتنمية متطورة و مستديمة خصوصا داخل المدارات الحضرية للمدينة.

تنظيم ندوات تحسيسية حول المساحات الأرضية الشاسعة غير المبنية و علاقاتها برهانات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية . و نشير في هذا الصدد إلى أن عامل إقليم أزيلال سبق له و أن أشار في كلمته بمناسبة تقديم بعض مشاريع التأهيل الخاصة بالمدينة من طرف المجلس الجماعي المحلي يوم 18 نونبر 2018  بمقر هذا الأخير ، إلى أن" مساهمة أصحاب العقار في شأن تنمية  المدينة  ( و هم قلة من عائلات محدودة ) أمر مهم و مطلوب ، و ذلك بالتواصل معها بمزيد من التحسيس و التشجيع من أجل مصلحة المدينة في مجالات التعمير و غيرها " .

← تأهيل السياسة العمومية في معالجة المنازعات المرتبطة بالعقارات الأرضية بالشكل الذي يساهم في تنمية المجال و يساعد في انتقال الرصيد العقاري للأسر و العائلات من حمولته الأنانية إلى حمولته  التنموية . و قد سبق لجلالة الملك أن أكد على هذه المسألة في رسالة موجهة إلى اللقاء الوطني حول إعداد التراب حيث دعا إلى " تأهيل المجال و جعله قابلا لاستقطاب الاستثمار تحقيقا للعدالة الاجتماعية  و المجالية ..."

← تطوير المقتضيات القانونية بما يجعل الترسانة القضائية تتلاءم و المتطلبات الاقتصادية و الاجتماعية دعما لإدماج  أراضي هذه العائلات في الاستثمار و التنمية المستدامة . أي : الحفاظ  على حقوق المنتفعين من أرباب هذه الأراضي دون إغفال الحرص على تنمية المدينة و الثروة المجالية .

← تشجيع تفويت بعض المساحات من هذه الأراضي داخل المدار الحضري و المشمولة بوثائق التعمير و ذلك بأثمنة معقولة و موضوعية  تحقيقا للمصلحة العامة ...

نعتقد في الأخير أن مشروعية أعمال أية إدارة في الدولة كيفما كان نوعها ( قضائية  ، تشريعية ، تنفيذية ...) لا يمكن إلا أن تكون حبيسة لسياج حصين اسمه "المصلحة العامة أولا". فهذه الأخيرة هي الركيزة الثانية للدولة بعد السلطة و تستمد منها مشروعية وجودها ( راجع للتوغل أكثر في هذا المفهوم الهام ما كتبه رأفت فودة في "مصادر المشروعية الإدارية و منحنياتها"  طبعة 1994 دار النهضة العربية .

لذلك ، فإن التمعن في الأحكام القضائية الصادرة في حق الجماعة الترابية لأزيلال في دعاوي الاعتداء على ملك الغير ، نجدها تدعو فعلا إلى القلق ، لما تشكله من كابوس حقيقي مزعج لمسار التنمية التي بدأت المجالس المنتخبة الأخيرة تنهجه لمحاولة تحقيق نوع من الرفاه والازدهار لساكنة هذه المدينة الفتية.

 

و يرى المتتبعون للشأن المحلي بأزيلال أن كثرة الدعاوي المرفوعة ضد المجلس في هذا الصدد تعود  إلى رغبة دفينة انتقامية لدى ذوي الحقوق من أرباب العقارات الأرضية المتناثرة هنا و هناك ،   و ذلك بسبب صرامة تطبيق قوانين التعمير الجديدة المتعلقة بالبناء و البيع و طرق الحصول على الشواهد الإدارية و التي تختلف تماما عن طرق الأمس القريب . و هي لعمري ، نظرة مغلوطة تنم عن تخلف ذهني و ضيق في أفق التفكير الذي لا يستحضر بتاتا البعد التنموي للمدينة و تطور القوانين و المصلحة العامة التي تحدثنا عنها آنفا .

كما لا بد من التنويه ببعض العائلات  التي لم تطالب البلدية بالتعويض عن مرور الطرق من أراضيها تعبيرا منها عن حس تنموي عال لصالح المدينة التي يقطنون بها .

 فلا بد إذن مرة أخرى من التركيز على الحوار البناء و التوعية و التحسيس  من أجل تغيير هذا الواقع المقلق .  و لا يفوتنا في هذا الصدد أيضا تنبيه الكثير من زملائنا في الجسم الشريف للمحاماة بعدم التورط في هذه الدعوات الانتقامية لأرباب الأراضي المطالبين بتعويضات ضخمة تفوق طاقة ميزانية البلدية ، حتى لا يسجل التاريخ عليهم خطأ فادحا ضد التنمية بهذه المدينة السعيدة ، و هم الذين كانوا دوما مناضلين بجانب الحق و العدالة عبر محطات نذكر منها الكثير . فالأخطاء فعلا ثابتة ضد المجلس، و لكن التعويضات المادية يجب أن تكون هي الأخرى معقولة و منطقية .  و للتاريخ ... الرأي السديد. (مقال رأي)

            

 





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
🍆 الباذنجانيون.. لم ينفعوا أحدًا
وجهة نظر في الكوطا النسائية
وجهة نظر في المشاركة السياسية
في البلوكاج الحكومي
الرئيس السابق لجماعة تبانت يكتب :'' استقبال بارد لأخنوش بأيت بوكماز ''
دمعة من أزيلال...
السيميائيات، وأسسها عند القدماء
أما آن الأوان للضمائر أن تصحو.....
أكودي نلخير جماعة الخلافات والصراعات
غربة الحنين