أضيف في 9 يونيو 2016 الساعة 05:39


لماذا نتأخر وما السبيل لتغيير الوضع؟


ياسر الطريبق



عندما تنتمي إلى بلد يعاني من مشاكل بنيوية على مستوى تدبير شؤونه العامة بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية وأنت مصاب بمرض الغيرة على مستقبله دون القدرة على التأثير فيما تتخذه سلطته التنفيذية من قرارات أو توجيهها إلى ما قد يصبّ نحو القضاء على تلك المشاكل فإن مشاعر الشك والارتياب والرهبة ستصيبك لا محالة وسوف لن تتوقف عن التساؤل والاستفسار عن الأسباب الحقيقية التي تحول دون تقدم بلادك أو على الأقل ظهور بوادر السعي الفعلي والفعال إلى تقدّمها إسوة ببلدان أخرى تصنّف بمعايير الثقافة الدولية العامة بالدول المتقدمة أو النامية أو السائرة في طريق النمو.

لا شك أن المواطن المغربي (أي المواطن المنتسب لبلاد المغرب) الذي يدخل في خانة الغيورين على مستقبل بلادهم ستغمره نفس أحاسيس الشك والارتياب والرهبة التي أشرت إليها في هذه التوطئة لأنه لم يهتد لحد الساعة لما يؤكد سعي المسؤولين عن تدبير شؤونه العامة بشكل فعلي وفعّال إلى تحقيق التقدم السياسي والتنمية الاقتصادية الكفيلين برفع منسوب الثقة عند المواطنين بشكل عام، حتى وإن كان ملك البلاد نفسه ما فتئ يقرّ ويؤكّد في أكثر من مناسبة (خصوصا في خطاباته التي ألقاها في السنين الأخيرة) أنه يسعى بكل حزم ووضوح إلى تحقيق ذلك التقدم وتلك التنمية وترسيخهما في شرايين البلاد ومن يعيش فيها من عباد، لكن الخطابات والنوايا المفترضة والجديرة بالثقة تبقى غير كافية وناقصة في نظري المتواضع وفي نظر كل الدارسين والمهتمين بشؤون العلوم السياسية ما لم تتحقق الفعالية المنتظرة وما لم تتجسّد الإرادة السياسية المعبّر عنها بإجراءات عملية يتلمسّها المواطن بشكل مباشر ويتفاعل معها المجتمع بكل فئاته ومكوّناته، وقد أبانت التجربة القصيرة لما جاء بعد "الربيع المغربي" أي بعد 20 فبراير و9 مارس 2011 أن تنظيم انتخابات شفافة ونزيهة وفتح المجال للأحزاب السياسية لتفعيل نوع من الديمقراطية العددية الفاقدة للضوابط والشروط الموضوعية اللازمة لتفعيلها تفعيلا سليما وذي معنى لم تعط ثمارها، إن لم نقل إنها أعطت نتائج عكسية لما هو مرجو منها، ونحن نعلم أن المغرب يتوفر ولله الحمد على مجموعة من المقومات التي من شأنها دفعه لتحقيق نهضة حقيقية من قبيل وجود طبقة متوسطة وفئة مثقفة لا بأس بها من ناحية العدد والنوع، وهي فئة ما فتئت تؤمن بقيم الحرية والعدالة والمساواة في الحقوق وكذا بالحاجة إلى الارتقاء بمجتمعها وجعله ينبذ مظاهر الفوضى والبدائية السائدة فيه، ومن مقومات هذه البلاد كذلك أنها تمتلك خيرات وفيرة ومتنوّعة وأنها استطاعت أن تحافظ على ظروف الاستقرار والتعايش بين حساسياتها المختلفة في ظروف إقليمية متقّلبة وهائجة رغم المؤامرات التي تحاك ضده في السرّ والعلن وهو ما يثبت قوة التلاحم والتضامن اللذان يسودان في ذهنية المجتمع المغربي بكل فئاته وروافده وما كان ذلك ليكون لولا أحاسيس المحبة والالتفات الشعبيين اللذان يحظى بهما ملك البلاد، فما هي أسباب تأخر المغرب يا ترى؟ وما هي الحلول التي يجب اعتمادها لتغيير الوضع الحالي؟ وما هي الطريقة الأنسب لتحويل الدفة القيادية للبلاد من طريق الضبابية والغموض إلى طريق التقدم والنهضة والوضوح؟ سأجازف بالجواب على هذه الأسئلة انطلاقا من أبواب ثلاثة تعتبر، في نظري المتواضع، أركانا أساسية للمشروع النهضوي الذي تحتاجه بلادنا،

ويتعلق الركن الأول بتأسيس جديد للعلاقة التي تربط بين الحاكم والمحكومين على أساس التلاحم الذي تجسّده البيعة النابعة من ثقافتنا وتراثنا من جهة والتعاقد على احترام معايير المواطنة المتعارف عليها في قاموس الديمقراطية من جهة ثانية، لكن تأسيس هذه العلاقة أو بالأحرى تحديثها في إطار ما يسمى في الفكر السياسي ب"الميثاق الاجتماعي والسياسي" لا يمكن أن يتم بالبساطة التي يبدو عليها الأمر في هذه الأسطر القليلة بل إن تفعيله يحتاج إلى مفعول الصدمة والارتجاج بالشكل الذي من شأنه إيقاظ الضمائر في النفوس وإحياء الآمال في القلوب واسترجاع الثقة في مؤسسات الدولة وهيبة قوانينها التي يجب أن تسود على الجميع بما يتطلبه ذلك من حرب ضروس على تجليات الفساد والريع وتحصين لبيت العدالة المتجسّد في قضاء مستقلّ عن باقي السلطات الأخرى بما في ذلك السلطة التنفيذية، وتبقى مصداقية هذه الخطوة رهينة بمدى الحزم والعزم اللذان يجب أن يصاحباها بلا رجعة ولا فتور وإلا فلنقرأ الفاتحة عليها ولنبكي عليها شأنها في ذلك كشأن الفرص الضائعة الكثيرة التي عرفها تاريخنا.

وإذا كان يمكن اعتبار الركن الأول للإصلاح بمثابة البناية التي نشيّدها ليسكن فيها الوطن، فإنه يمكن اعتبار الركن الثاني بمثابة القوت أو الزاد الذي يتيح لذلك الوطن الاستمرار في الحياة والسعي لرغده، وأما الزاد هنا فهو التربية والتعليم إذ لا وجود لحياة كريمة وذات معنى إلا بالتربية والتعليم، لذلك فإن دولة المغرب تبقى مطالبة اليوم بإعادة النظر في قطاع التعليم بنظرة تحرّرية وإصلاحية جديدة تتماشى مع ما يحتاج إليه المواطن المغربي من تفعيل للميثاق الاجتماعي والسياسي الذي ذكرناه سلفا، ولتحقيق ذلك يبقى من اللازم تجديد المناهج التعليمية والمقررات الدراسية بما يحتاج إليه أبناء الوطن من حاجة إلى الانفتاح على العلوم المجرّدة والطبيعية والتاريخية والأدبية والانسانية بتجرّد تام عن المؤثرات السياسية والتقليدانية وتوافق وانسجام مع الموروث الديني واللغوي للمجتمع المغربي.

وأما الركن الثالث الذي يمكن مقارنته بنمط العيش داخل البيت الذي نسكنه جميعا _في إحالة على الوطن كما تم وصفه في الفقرتين السابقتين_ فإنه يتعلق بالإصلاح الإداري في جميع المستويات والقطاعات، فالإدارة هي الأداة أو السبيل الذي نعبر منه لإصلاح كل المجالات الاجتماعية والاقتصادية الحيوية من قبيل الصحة والتعليم والشغل والصناعة والتجارة والفلاحة والبحث العلمي وغيرها، وهنا يجب الإشارة إلى أن الإدارة المغربية حافلة والحمد لله بالأطر والكفاءات الكفيلة بإصلاح كل القطاعات سالفة الذكر لكنها طالما عانت من التهميش والإقصاء من طرف السياسيين اللذين تعاقبوا على قطاعاتهم، وهذا ليس فيه حكم سلبي مضاد للسياسة والسياسيين في المغرب وإنما هو نقد موضوعي للمنظومة التي تشكلت في إطارها كل الحكومات المغربية السابقة، وهي المنظومة التي كانت ومازالت تفتقد للاستمرارية في تطبيق البرامج الإدارية وتصنع الهوة بين الأطر والموظفين الإداريين من جهة والوزراء ودواوينهم من جهة أخرى اللهم إلا من اتبع ملّتهم الحزبية، ومن هنا تضيّع بلادنا الفرصة لتطبيق الكثير من البرامج البناءة والحلول التي يجتهد فيه خبراء إداريون مغاربة استطاعوا الاهتداء إليها بفضل ما راكموه من تجارب طويلة الأمد وغنية في وزارات التعليم والصحة والفلاحة والشغل والعدل والصناعة والتجارة لكنهم لا يجدون لها سبيلا، بل إن العديد من مكاتب الدراسات الدولية التي استنزفت من ميزانية الدولة أموالا كثيرة، أعدّت تقاريرها ودراساتها بأياد هؤلاء الخبراء وأدمغتهم ومع ذلك بقيت تقاريرهم في رفوف الوزارات بلا تطبيق. إن الإدارة المغربية تحتاج إلى إدارييها وموظفيها وأطرها أكثر مما تحتاج إلى مكاتب الدراسات وغيرهم لتنفيذ البرامج الإصلاحية، وأما السياسيين فدورهم ينحصر في تجسيد الإرادة السياسية لتطبيق تلك البرامج وتوجيهها بما تقتضيه الظروف وما يعبّر عنه مجتمعهم من حاجات وانشغالات.

هذه إذن هي الأركان الأساسية لتنفيذ المشروع النهضوي الكبير الذي نحتاج إليه في بلادنا حسب نظرتي المتواضعة، وهو المشروع الذي يجب أن يرمي في قلب ما يرمي إليه إلى ربح الرهان في استرجاع حب الوطن عند المغاربة كافة وهو الحب الذي بدأ يفتر للأسف بعد أن زاحمته مشاعر كثيرة من الطمع والأنانية السلبية واليأس الذي تولّده صور تمزيق الوطن العربي في شرقه وغربه.





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
زينب،هبة وشيماء شخصيات سنة 2019 بأزيلال
رسالة الزميل محفوظ ايت صالح إلى بعض الصحفيين الشباب
عندما تبيض الشعوب ..
للقادة : الصينيون بنوا سورا عظيما ونسوا بناء حراسه وهذا ماجرى لهم
جيل لم يدخل المدرسة بالهواتف النقالة وكان يرفع فتات الخبز من الارض بعد تقبيلها
"روائح الفساد" تزكم الأنوف..وإذا لم يتوقف سيتصيدنا جميعا..من الصغير فينا إلى الكبير!
غابت الشمس : الساعة لله + 60 دقيقة خارج الحياة ..
لا وطنية.. بدون مواطن ..كفى من الريع..ومن يأخذ الثمن، يسحقُ أساسياتِ الوطنية، في ربوع هذا الوطن..!
بيداغوجيا البغرير ...
ابنتي كُوني صحافية، ولا تخافي !