أضيف في 29 نونبر 2014 الساعة 13:10


الشرق والغرب خطان لايلتقيان حتى في الصحة


محمد حدوي



 

محمد حدوي

  في كل مناسبة أزور فيها مدينة أوروبية صيفا ،يسترعي انتباهي بعض الأمور البسيطة والغريبة في نفس الآن والتي لا أرى لها أثرا عندنا في بلدنا الكريم. ومن هذه الأمور مثلا : يحدث ان أرى أكثر من مرة في الشارع العام رضيعا حديث الولادة لا يتجاوز عمره بضعة أشهر وهو في  حضن احد والديه كما ولدته أمه إلا بالحفاضات احتياطا لما تعلمون .وهي ظاهرة لم يسبق لي ان رأيتها أبدا عندنا .فكلما رأيت رضيعا بتلك الحالة ،الا وتذكرت رضع بلدنا الضعفاء الذين تراهم في الغالب  مقمطين  بأغطية كثيرة ولو في عز الصيف. لا أدري لماذا؟،هل خوفا من العين الصفراء او الزرقاء، ام الشمس، ام شيئا آخر؟..

          ذات مساء ممطر، في شهر غشت في مدينة اوروبية ،تقدمت  الى النافدة لأستطلع  مايجري حولنا من تقلبات أحوال الجو،فتفاجأت  بجاربيت مكان إقامتي بمايو البحر في الحديقة الأمامية لبيته وهو يستحم  مباشرة تحت خيوط المطر الغزير الذي تصبه السماء كقراب مفتوحة الأفواه. ويبدو من تصرفات الرجل  نوع من الرضا والبشاشة والانتعاش وهو يرفع وجهه وكفيه  الى السماء كأنه يطلب المزيد...شيء غريب وجميل في نفس الوقت لم يسبق لي ان رأيته أو جربته او فكرت فيه..شيء جميل حسدت عليه حقا الرجل.. أعجبني المنظر،فشجعني فعل الرجل الذي سميته في تلك اللحظة ب"رجل المطر"على الدخول في المغامرة، فلا مانع سيحول بيني وبين الخروج بالمايو او بدونه، فمنظر العراة مألوف في شوارع المدينة حيث الحرية او التفسخ الاخلاقي أو سميها ما شئت من التسميات ..كدت اخرج الى الشارع  لأستحم تحت الزخات المطرية الغزيرة خاصة حين ذكرت قوله تعالى : (وينزل من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام).

كدت اخرج الى المطر لأتطهر من رجز كل شياطين القارة الإفريقية العالقة بي ،لكني تداركت الموقف  لأسباب مجهولة وغامضة ،أو ربما خوفا من العواقب الصحية لهذا الفعل ، وارجأت  المغامرة الى حين عودتي الى بلدي .. بالمغرب، ونحن في عز الشتاء، والشتاء عندنا اقل قسوة بكثيرمن شتاء البلدان الأوربية حيث الصقيع و البرد القارس  كما تعلمون ،شاهدت على التلفاز ذات مرة في نشرة الأخبار وأنا في البيت ملتحف  بأغطية كثيرة دافئة ،شاهدت  بعض الناس  في بلاد أوروبية شمالية مثلجة يستحمون في يوم ثلجي  داخل  مسبح بارد تطفو على سطحه قطع ثلجية وجليدية وهم يضحكون ويقهقهون..وبناء على هذا المشهد الغريب والمثير للدهشة،تذكرت ما رأيته في الصيف مع "رجل المطر" والأطفال الرضع بالحفاضات..عقدت العزم هذه المرة على القيام بالمغامرة بأخذ دوش عادي  بالماء البارد في حمام البيت ،لأن الخروج بمايو السباحة الى تحت الزخات المطرية في الشارع العام،  أو البحث عن مسبح تطفو على سطحه قطع ثلجية باردة، سيعتبره الناس في بلدي المحافظ ضرب من ضروب العبث والخرف والجنون..استغرب اهلي من هذا العمل الجنوني السخيف الذي عزمت على القيام به في البيت ، وحاولوا ثنيي عن الفكرة، فتحديتهم وتحديت نفسي ، وقمت بالمغامرة،فكانت النتيجة غير صحيحة على الإطلاق. فلازمت الفراش بعد هجوم حاد من «الانفلونزا الشتوية » والسخونة والسعال الجاف والصدر الذي صار اشبه بـ.. «مطبخ.. الاعراس الذي يغلي بطواجين لحم ساخنة  كثيرة»! لذلك، جربت كافة أدوية الطب الشعبي والعصري  لمدة اسبوع كامل فلم تفيدني في شيء، ولن تفيدني في تلك الحالة حتى لو أكلت الصيدلي والعشاب بأدويتهم وأعشابهم . وادركت حينها أننا مختلفون حتى في هذا الجانب، جانب الصحة أيضا .وأدركت ان الغرب غرب والشرق شرق. فهما خطان متوازيان لن يلتقيا أبدا..ومن لايفقه قولي هذا وليجرب القيام بنفس المغامرة التي نجوت منها بأعجوبة، وأنذاك سيفهم معنى  كلامي هذا، ومعنى أولائك  القوم الذين يسبحون في مسابح ثلجية في يوم بارد وتراهم  في بلدنا في عز الشتاء يتجولون  بسراويل قصيرة كأنهم في عز ايام فصل الصيف.. 





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
في زمن الكورونا :أبناؤنا بين ضغط الأسر وهاجس التعلم عن بعد .
هل أتاك حديث ’القايدة حورية’ ؟؟
مستشار جماعي بأيت اعتاب يكتب ’الحق في الحصول على المعلومة، سنة بعد التنفيذ و معاناة في التنزيل’
وجهة نظر في زمن أول ساعات الحظر: وباء البشر أم عطايا القدر؟؟؟
لقد كنتم السند في مواجهة خطر ’كورونا’(كلمة شكر)
خلاصات ’كورونية’
رحلتي إلى عرس أسطوري
سفر من نوع خاص (الحلقة الرابعة) وصول الوفد الرسمي لعائلة العريس
سفر من نوع خاص..(الحلقة الثالثة)
اليوم العالمي للمرأة ..المرأة_القروية