أضيف في 19 نونبر 2019 الساعة 22:03


وجهة نظر في الكوطا النسائية


بقلم حميد المعطى

بقلم حميد المعطى

 

يتبين لمتتبع المشهد الحزبي بالمغرب ، فشل الأحزاب السياسية في استقطاب النساء إلى العمل الحزبي والتنظيمي بمعناه السياسي، . فالوجود الفعلي للنساء في تنظيمات الأحزاب السياسية المغربية، وملامسة تأثير المرأة في هياكل هذه الأحزاب ما زال باهتاً، وهذا الوضع  لا يدعو إلى التفاؤل و الاطمئنان.
ومن هنا ينبغي أن نطرح السؤال الأساس: ما علاقة المرأة المغربية بالأحزاب السياسية؟
توصف هذه العلاقة في معظمها بالضعف، فأقل من 1% هي نسبة انخراط المرأة المغربية في الأحزاب السياسية من مجموع المنخرطين، ناهيك عن الغياب الشبه التام للمرأة عن مراكز القيادة بهذه الأحزاب. بحجة أن النساء منشغلات بأعباء البيت وغير متحمِّسات للعمل الحزبي التنظيمي، الذي يعتبرنه ترفا. وهذا فيه جانب من الحقيقة ولكنه ليس صحيحا على الإطلاق، بدليل التواجد القوي لعدد من النساء المغربيات، أللائي مارسن العمل الحزبي بقناعة تامة ومنهن من تزعمن أحزابا سياسية كنبيلة منيب للحزب الاشتراكي الموحد وزهور الشقافي لحزب المجتمع الديمقراطي وفاطمة العلوي لحزب الخضر بالمغرب.

ومن المؤكد  أن للأحزاب السياسية مسؤوليات إلى حد ما  في إقصاء المرأة، وفي عدم إشراكها في تدبير الشأن السياسي عموما والحزبي خصوصا، وإن كان الكل مقتنعا بضرورة إشراك هذه الفئات لإنجاح مسلسل الانتقال الديمقراطي.


 أما عن الأسباب فيمكن إجمالها  في غياب سياسة حزبية ترتكز على دعم وتعزيز الدور الفعلي للمرأة داخل المؤسسة الحزبية،- وتكريس الصورة النمطية للمرأة في المعتقد الاجتماعي، حيث لا يتم استحضارها إلا بهدف تأثيث المشهد الحزبي بالإضافة إلى اسباب اجتماعية تتمثل في التنشئة  الأسرية والثقافة الاجتماعية التي تربط العمل الحزبي بالرجل، وحصر دور المرأة في الوظائف التقليدية كتربية الآطفال وأشغال المنزل والاهتمام بالعائلة.
 
والجدير بالذكر أن المرأة المغربيةاكتسبت حقي الترشيح والتصويت منذ الاستقلال، حيث مارست حقها في التصويت عند تنظيم الانتخابات المحلية الأولى سنة 1960، وذلك قبل الاعتراف الكامل والتام بهاذين الحقين بموجب الإعلان عن دستور 14 دجنبر 1962، وانتظرنا حتى تنظيم الانتخابات التشريعية لسنة 1977، التي مارست المرأة من خلالها حقها في الترشيح. ب8 نساء في الانتخابات التشريعية لسنة 1977 لم تفز أي منهن،
-
وكان أول ظهور للمرأة المغربية في البرلمان سنة1993. حيث نجحت اثنتان من بين 36 مترشحة ولم يتغير العدد سنة 1997 بنائبتين من بين 76 مترشحة
-
أما سنة 2002 فتشكل سنة نوعية لنساء المغرب، بدخول 30 امرأة لمجلس النواب عبر القائمة الوطنية –الخاصة بالنساء فقط- وخمس نساء عبر القوائم المحلية، فارتفعت نسبة تمثيل النساء من 0,6 %  إلى 10,8%، حيث تم اعتماد نظام "الكوطا" النسائية، أو ما يسمى بنظام الحصص (المحاصصة)،

وهو نظام ينص على تخصيص نسبة من المقاعد البرلمانية للنساء كإجراء مرحلي مؤقت، بهدف التعجيل بالمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة، وتحقيقا لتكافؤ الفرص في ولوج  قبة البرلمان، ولأجل تشجيع النساء على دخول العمل السياسي وتنمية قدراتهن. ويعتبر هذا الإجراء المؤقت، آلية أساسية للتمكين السياسي للمرأة.


وقبل الاتفاق على هذه الآلية تم تداول المفهوم بشكل واسع في المجتمع المدني ووسائل الإعلام وزادت وتيرة هذا النقاش خلال السنوات التي واكبت تهيئ والإعلان عن "خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية"

وإلى ذلك انفتحت الدراسات على عدد من المؤشرات حاولت تشخيص بيئة المشاركة السياسية للمرأة المغربية. مع استحضار مؤشرات التنشئة الاجتماعية، والبيئة التشريعية، ودور الإعلام، ومكانةالمجتمع المدني.. في قراءة ومساءلة لمبدئي الإنصاف والمساواة في المشهد السياسي المغربي.
وفي سنة 2002 تبني المغرب نظام الحصص "الكوطا" بالانتخابات التشريعية لمجلس النواب. بعد مصادقة المغرب على معظم الاتفاقيات الدولية والإقليمية في مجال حقوق الإنسان، التي نجد من بينها تلك الاتفاقيات الخاصة بحماية الحقوق السياسية والإنسانية للنساء، كما ساهمت ضغوط المنظمات النسائية العاملة والمهتمة بحقوق المرأة لاعتماد تدابير وخطط للمطالبة برفع نسبة ترشيح النساء إلى 20 % كحد أدنى.
ورفعت هذه المنظمات مذكرات للهيئات السياسية من أجل التأكيد على ضرورة مشاركة النساء في المؤسسات التشريعية  كشرط للانتقال الديمقراطي،وعملت منظمة نسائية مغربية على تشكيل "مركز تكوين القيادات النسائية والقيام بنشر مفاهيم جديدة (حصة ، مناصفة ، نوع ، مواطن-و تكوين لجنة تنسيق من نساء 9 أحزاب من مختلف الاتجاهات، التي كونت مجموعة ضغط للمطالبة بزيادة نسبة المشاركة السياسية للمرأة.


و- عقدت هذه اللجنة لقاءات بين الفعاليات السياسية منذ يونيو 2002، التي أفرزت اعتماد لائحة وطنية من قبل الأحزاب، تخضع  للاقتراع، وتم التوافق على تخصيص اللائحة الوطنية للنساء فقط.
فتجاوبت الحكومة المغربية مع مطلب الفعاليات السياسية والنسائية، وذلك بتخصيص نسبة للنساء الممثلة بمجلس النواب والمحددة في نسبة 10%  أي 30 مقعدا

وأثير جدل واسع حول هذا التخصيص بين مؤيد ومعارض، بين من يعتبره حقا ومن يعتبره امتيازا والذي رأى في هذا التخصيص إجراء مخالفا للدستور المغربي، ويتعارض مع مبدأ  العدالة وتكافؤ الفرص.باعتباره امتيازا للمرأة.





و لم يحصر هذا القانون قائمة على النساء فقط لعدم مخالفة الدستوروسماها اللائحة الوطنية، ولم يشر هذا النص إلى معيار مرحلية تطبيق هذا الإجراء، الذي ظل عاما وغير محدد بفترة زمنية.


وتم طرح المشكل أمام المجلس الدستوري الذي وافق على مبدإ اللائحة الوطنية لأن هذا المبدأ معمول به في الكثير من الدول دون ذكر كلمة الخاصة بالنساء أي لم يمنح أي امتياز لآي فئة من فئات المجتمع.
وتم توقيع ميثاق شرف بين الأحزاب السياسية لتخصيص القائمة الوطنية للنساء فقط. فحسب الانتخابات التشريعية لسنة 2002، تمكنت من ولوج مجلس النواب 30 امرأة عبر القوائم الوطنية، وفوز 5 نساء من القوائم المحلية، وأصبحت نسبة تمثيلية النساء داخل مجلس النواب تمثل10في المائة من العدد الإجمالي لممثلي الأمة في مجلس النواب.


تنبغي الإشارة إلى أنه في انتخابات 2011 و2016 تضاعفت حصة كوطا المرأة من 30 إلى 60 امرأة في اللائحة الوطنية وأن عدد 81 امرأة في انتخابات 2016 يتضمن 60 في اللائحة الوطنية و10 في اللوائح المحلية و11 شابة في لائحة الشباب ( المتكونة من 30 شابا ذكورا وإناثا)

ويرجع ضعف نسبة ترشيح المرأة المغربية للانتخابات التشريعية، في شقه الأساسي إلى مسؤولية الأحزاب السياسية، كما يلاحظ عدم تمكن النساء المرشحات باللوائح المحلية من إقناع الناخب المغربي، للوصول إلى قبة البرلمان، ويمكن إيعاز عدم توفق هؤلاء النساء إلى احتكار رتبة وكلاء اللوائح المحلية من قبل جنس الرجال وترتيب النساء بالقوائم المحلية في رتب لا تؤهلها للفوز و ضعف ثقة الجسم الانتخابي بوكيلة اللائحة المحلية، حيث لا يرى أنها تتوفر على مواصفات المنتخب، التي يقزمها ويلخصها في ما هو خدماتي.

ومن المعلوم أن المرأة المغربية مارست حقها في التصويت منذ أول استحقاق انتخابي، فهي تمثل كتلة انتخابية مهمة توازي الرجل، حيث بلغت نسبة الناخبات 48% من مجموع الناخبين في الانتخابات التشريعية الأخيرة. وتؤكد عدة أبحاث ودراسات على الانخراط القوي للناخبات في العملية الانتخابية، فهذه الفئة هي الأكثر تعاطيا مع الانتخابات، مما يجعل الأحزاب تراهن عليها، وتلجأ لكل أساليب الإغراء من أجل كسب ودهن، حيث برهنت المرأة على قدراتها في التسويق السياسي خلال الحملات الانتخابية، فالمرشح المغربي الذي يتواصل في حملته الانتخابية مع رجل فإنه يكسب صوتا، والذي يتواصل مع امرأة فإنه يكسب عدة أصوات ولا أحد يجادل في الحضور القوي للناخبة المغربية في الفعل الانتخابي. مما يسمح القول معه بأن الانتخابات في المغرب هي فعل نسائي بامتياز

إن آلية الكوطا النسائية عززت حضور المرأة المغربية في مجلس النواب وهذه الآلية التي تعتبر تمييزا إيجابيا للنساء ليست استثناءا مغربيا لأن الكثير من الدول تعمل بها وعددها 75 دولة والكوظا بصفة عامة تستعمل في حالات بعض الأقليات كالملونين وذوي الحاجات الخاصة والأقليات الإثنية.وبعض فئات المجتمع  المهمشة منها على وجه الخصوص.

وبعد العمل بالكوطا النسائية في المغرب منذ 2002أي 4ولايات تشريعية يتساءل المهتمون وفقهاء القانون الدستوري والفاعلون السياسيون عن الحصيلة الإجمالية في التشريع ومراقبة الحكومة والدبلوماسية البرلمانية لهذه الآلية المرحلية المؤقتة فمنهم من أشاد بالتجربة وعدد إيجابياتها في ضخ شحنة إضافية في مجلس النواب وفي إثارة الاهتمام إلى بعض القضايا ومشاريع قوانين خاصة بوضعية النساء والمواثيق الدولية المتعلقة  بالجندر أي النوع الاجتماعي  في حين يرى آخرون أن الكوطا إجراء تمييزي غير عادل ولم يحقق الأهداف المتوخاة منه في خلق دينامية تسرع من المشاركة السياسية للمرأة في الحياة العامة والشأن السياسي من أجل مناصفة حقيقية.

إن الكوطا النسائية آلية يمكن الاستفادة منها مؤقتا وفي مرحلة معينة ولكن في المغرب أضحى المؤقت رسميا وزاغت الكوطا عن أهدافها النبيلة لتتحول إلى ريع سياسي تستفيد منه نساء وأخوات وقريبات ذوي النفوذ وزعماء الأحزاب السياسية .

إن اللوائح الوطنية النسائية توضع وترتب مترشحاتها وفق معايير بعيدة عن الكفاءة والشفافية في الكثير من الأحيان وفي كثير من الأحزاب التي ترشح نساء غير مناضلات ولم يتدرجن في هياكل تلك الأحزاب بل ولا تربطهن بها أية علاقة سياسية إلا علاقة الخير والإحسان.

وهذه الحصيلة السلبية للكوطا النسائية في بعض جوانبها تسائلنا عن آليات أخرى لرفع تمثيلية المرأة في المجالس المنتخبة لأن هناك شبه إجماع على تكريم المرأة وهي تمثل نصف المجتمع وتبويئها المكانة اللائقة  بها حتى تتحقق المناصفة. وبدون مجازفة يمكن القول إن الكوطا النسائية قد استنفدت الكثير من أغراضها واستوفت شروط تنزيلها والعمل بها.
ومن ثمة أصبح من المستعجل والضروري البحث عن أساليب أخرى من أجل الإنصاف والمساواة بين الجنسين بإدماج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات والبرامج الحزبية وبتحمل الأحزاب مسؤولياتها الدستورية في تأطير المواطنين وتمثيلهم .بإشراك نسبة 50% من النساء بهياكل الحزب؛ وهذا ينبغي أن ينص عليه قانون الأحزاب وأن يتحملن المسؤولية في مكاتب التسيير بنسبة لا تقل عن 30 في المائة وتخصيص نسبة منصفة بالقوائم الانتخابية في جميع الاستحقاقات الانتخابية (التشريعية والمهنية والجماعات الترابية) وهذا يتطلب إجراءات جريئة في تعديل القوانين الانتخابية ووضع تحفيزات مالية للأحزاب التي ترشح نساء على رأس لوائحها الإنتخابية المحلية وخلق مراكز للتكوين على القيادة خاصة بالنساء ودعم برامج التربية على المواطنة بالمؤسسات التعليمية بمواد تبرز أهميةالعلاقة بين الديمقراطية وحق المرأة في المشاركة السياسية.وإشراك وسائل الإعلام في عملية التحسيس بقدرات المرأة.
إن اقتحام المرأة للمسؤوليات السياسية من شأنه أن يدعم المسار الديمقراطي لتوسيع الحوار السياسي بين فئات المجتمع كافة نساء ورجالاً، لأنه بفضل مشاركة المرأة يتم التركيز على قضايا لم تكن محل اهتمام من قبل الرجل.وينبغي الانتباه، إلى أنه:
”لا مواطنة بدون ديمقراطية، ولا ديمقراطية بدون مشاركة الجميع“

حميد المُعْطَى





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الصحفي الناجح
وجهة نظر في الثنائية البرلمانية
الباذنجانيون.. لم ينفعوا أحدًا
وجهة نظر في المشاركة السياسية
في البلوكاج الحكومي
الرئيس السابق لجماعة تبانت يكتب :'' استقبال بارد لأخنوش بأيت بوكماز ''
دمعة من أزيلال...
السيميائيات، وأسسها عند القدماء
أما آن الأوان للضمائر أن تصحو.....
أكودي نلخير جماعة الخلافات والصراعات