أضيف في 29 ماي 2020 الساعة 22:44


الوصم الاجتماعي وفيروس كورونا: من الأخطر ؟


فاطمة الزهراء ايت عمر

يتعرض الأشخاص المصابون بفيروس كورونا ومحيطهم إلى  الوصم الإجتماعي، فهذا الأخير يعرف على أنه  مجموعة من السلوكات و العمليات التي تهدف إلى تبخيس و تحقير الأفراد أو فئات الأفراد لخاصية دونية و محِطة، حيث ينظر لهم على أنهم أشخاص منحرفين.


أما في المجال الصحي يقصد بالوصم الارتباط السلبي بين شخص أو مجموعة من الأشخاص الذين يشتركون في خاصية معينة أو مرض معين، و في حالة تفشي مرض معين قد يعني ذلك أن الناس يُوْصَمُون و يمارس التمييز ضدهم أو يعاملون بطريقة مغايرة و مختلفة.


وفي هذا الإطار لقد تسبب فيروس كورونا في تعرض العديد من الفئات إلى جانب المرضى المصابين بهذا الوباء إلى الوصم الإجتماعي كأسرهم و أصدقائهم و الأطباء المتكفلين برعايتهم و علاجهم وجعل منهم أشخاصا منحرفين و يجب استبعادهم بل و تنتج اتجاههم سلوكات تمييزية، الشيء الذي قد يؤذي في بعض الأحيان إلى توليد الكره و العداء ضدهم بل و الأكثر من ذلك قد تتمخض  عنه الإنقسامات الإجتماعية وقد تعرض هذه الفئات الى التنمر و أمراض نفسية خطيرة.


و هذا الوصم الذي ارتبط بظهور فيروس " كوفيد19" هو ناتج عن تداخل عدة عوامل ولعل من أبرزها: كون هذا الوباء هو مرض جديد و مجهول الطبيعة الشيء الذي يولد حوله خوفا كبيرا و هلع في نفوس الأشخاص؛ ففي حالة انتشار الوباء يكون الخوف أعلى مما عداه، تشتغل داخل الإنسان غريزة بدائية شرسة يمكننا ان نصفها بأنها غريزة " الرغبة في البقاء"، و عندما تسيطر هذه الغريزة نجد أنفسنا أمام كائن مذعور و مضطرب، فهذه الغريزة تجعل من الأفراد يسلكون أبشع و أحط أنواع السلوك على الإطلاق، كما يساهم انتشار الشائعات و المعلومات المضللة لرأي العام في زيادة هذا الخوف و تضاعفه، فهذه العوامل كلها تساهم بطريقة او بأخرى في تغدية الصور النمطية تجاه كل المصابين و المحتكئين بهذا الوباء الذي أصاب أغلب دول العالم و قلب كل الموازين و غير حياة كل المجتمعات و نمط عيشهم.


وفي مقابل ذلك، يمكن ان يؤذي هذا الوصم إلى نتائج سلبية معاكسة تزيد من صعوبة السيطرة على هذا الوباء، بحيث يؤذي الى تقويض التماسك الإجتماعي و احتمال العزلة الإجتماعية و الوقوع في الإكتئاب و التعرض للأذى النفسي جراء السلوكات و نظرات الآخرين  و كيفية التعامل معهم؛ حيث يتم التعامل معهم كأنهم هم الفيروس بنفسه من خلال تجنبهم و الابتعاد عنهم خوفا من الإصابة بالفيروس، و في بعض الأحيان توجيه إساءات لفظية و عاطفية و جسدية لهم مما يعرضهم  أكثر للإصابة بمرض التنمر الذي أصبح يهدد العديد من الأشخاص داخل كل المجتمعات.


وكل هذه التأثيرات تشكل دوافع تنتج عنها سلوكات مضادة من طرف هؤلاء المصابين حيث يلجأ أغلبهم إلى إخفاء مرضهم و الإعراض عن الخضوع للفحوصات أو طلب الرعاية الصحية في مرحلة مبكرة خوفا من التعرض للتمييز مما يزيد من خطورة إصابتهم و إصابة غيرهم بالعدوى.  كما أن هذه السلوكات التي يمارسها البعض تجاه الأشخاص المصابين بالفيروس" كوفيد19" تساهم بشكل كبير في إجهاض كل المجهوذات المبذولة من طرف المجتمعات و حكوماتها في الرفع من الوعي الصحي لدى شعوبها والتشجيع على تبني ثقافة صحية.





وبذلك فالعامل النفسي في هذه الوضعية يلعب دورا هاما في الخوف و الإعراض عن كشف الإصابة بهذا الفيروس و محاولة التعافي منه، كما أن العامل الديني هو الآخر لا يقل أثرا عن غيره، ففي العديد من المجتمعات هناك معتقدات تعتبر بعض الأمراض " مخجلة" و لايجب على الشخص أن يصاب بها بل و الأكثر من ذلك لا يمكن حتى ذكرها و تسميتها، كما أن البعض يعتبر أن هذا الوباء هو غضب من الله أو ربما عقابا على ذنب اقترفه المصابون لذلك لا يريدون أن يراهم الآخر مصابين و يحاولون جاهدين على إخفاء كل الأعراض و تحملها و التظاهر بعدم إصابتهم بأي مرض، مما يعرضهم أكثر لخطر هذا المرض و استعصاء الشفاء منه.


وعموما فإن السبيل الأوحد لمواجهة هذا الوصم و الخوف الذي يصاحب هذا الفيروس هو العمل على الرفع من الوعي الإنساني و خاصة الوعي الصحي و الطبي و تربية الأفراد على التحلي بالثقافة الصحية و الطبية و كذلك شن حملات تحسيسية و توعوية إعلامية بالخصوص تُوصل كل المعلومات و الحقائق الصحية للعموم كما هي دون الوقوع في تضليل الأخبار الزائفة التي تؤثر بشكل كبير في نفسية المرضى و كل المهتمين بأخبار هذا الفيروس المستجد، وكذلك العمل على إعادة بناء الثقة المفقودة في الخدمات الصحية لدى المواطنين و البحث عن المعلومات و التحري عن الحقائق بخصوص " فيروس كورونا" من مصادر رسمية و موثوقة مثل منظمة الصحة العالمية و مراكز مكافحة الأوبئة و الوقاية منها، و لما لا تقاسم قصص وتجارب أشخاص تعرضوا للمرض و تغلبوا عنه لأخد العبرة و فهم المرض و كيفية التعامل معه و الوقاية منه.


وبهذا لابد من تظافر كل الجهود لمكافحة هذا الوصم الذي تتعرض له هذه الفئات و خاصة المصابين بهذا الفيروس و التي تهدد حياتهم و تعرضهم لأمراض أخرى أكبر و أخطر و تبقى الطريقة الأنجع في تحقيق ذلك كما أشرنا سابقا هي العمل على خلق بيئة يمكن فيها مناقشة المرض و تأثيره و معالجته و سبل الوقاية منه في منحى عن كل الأخبار الزائفة و المفبركة التي تروج حول هذا الوباء العالمي الجديد .

 

فاطمة الزهراء ايت عمر





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
عشر نصائح ذهبية للمقبلين على الباك
الشطار ؛ الجزء الثاني من حياة شكري ، لم يتلقفها القراء مثل الخبز الحافي .
مركزية المقهى في وجدان الإنسان خلال فترة الحجر الصحي .
العنف بين المجتمعي والرياضي
اغتصاب الأطفال.. الألم الذي لن يمحوه الزمن والضحكة التي لن يرسمها العقاب
جائحة كورونا: تواصل اجتماعي جديد و فيروس مستجد
تصوير حياة الشارع بين فن إبداعي ومعيقات قانونية ومجتمعية.
تطور مدرسة الحوليات..
المحامي جهاد أكرام يوجه رسالة مفتوحة لرئيس الحكومة في شأن تمديد حالة الحجر ....
آثار وباء كورونا على العالم