أضيف في 29 ماي 2020 الساعة 22:52


بورتريه : آخر مهندسي حكومة التناوب عبد الرحمان اليوسفي رحمه الله


بقلم غزلان أغانيم صحافية متدربة



غزلان أغانيم صحافية متدربة

 

 

شاءت الأقدار أن نتلقى صباح يوم الجمعة ببالغ الحزن والأسى، خبر نهاية مسار حافل ومشوار وطني طويل، يشهد له بفضائل تميز شخصه وتعلو بمكانته ،شخص أضاف إلى تاريخ المغرب نفحات الشجاعة والنضال ، عززت التجارب السياسية بوقع أعمال  امتزج جوهرها بالتضحية في سبيل الوطن والغيرة الجامحة عليه، وفاءا وإخلاصا لروح وطنه وراعيه.

 

فلا كلمات تكفي ولا جمل تعبر عن خسارة الدولة المغربية لأحد قاداتها الوطنيين، عبد الرحمان اليوسفي، القائد المخضرم، صاحب تجربة التناوب التوافقي، رئيس الوزراء المغربي السابق، الذي أبصر النور في مدينة طنجة يوم 8مارس 1924،صاحب الحس السياسي الذي ظهر في توجهاته الدراسية، فبعد حصوله على الإجازة في القانون استمر سعيه في التحصيل لنيل دبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية ودبلوم المعهد الدولي لحقوق الإنسان.

هذه السنوات التي قضاها في التحصيل الدراسي لم تحل دون تفعيل أفكاره وانخراطه في الخلايا النضالية وعمره لا يتجاوز 19ربيعا، بانضمامه  لحزب الإستقلال.

 

 عمل سرا في صفوف المقاومة وتنظيم الطبقة  العمالية ،بعد أن طاردته سلطات الإستعمار وبقي  فارا من الإعتقال بين مدينتي آسفي ومراكش إلى أن استقر في الدار البيضاء.

ومع نفي الملك الراحل محمد الخامس في عام 1953،اهتم بتنظيم المقاومة وجيش التحرير إلى  حين الإستقلال سنة 1956.

 

السياسي المحنك، القيادي في الحزب الإتحادي، الإشتراكي والديموقراطي الوطني ،الذي سعى منذ نعومة أظافره إلى خدمة وطنه.

بمثل هذه الأوصاف نعى اللسان المغربي عبد الرحمان اليوسفي، ذاك الذي سلك أدراج التجربة والخبرة والكفاءة المهنية، وبدأ حياته بمهمة الدفاع والمحاماة، التي أبانت حنكته وخولته منصب نقيب المحامين في طنجة 1959، ومهام الكاتب العام والمساعد لإتحاد المحاميين العرب مابين 1969 إلى 1990.

 

وكيف لشخص مثله ألا يظهر صيته في مجال الصحافة والتعبير وإبداء الآراء تنويرا للرأي العام، حيث تحمل مسؤولية رئاسة تحرير جريدة "التحرير"، الصادرة عن حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية.

 

كلها مناصب ومراتب شغلها، لكن لم تمنع نشاطه السياسي وروحه النضالية في إيصال أفكاره وتفعيل مجهوداته على أرض الواقع، من خلال بروز نجمه كمعارض رفقة كل من المهدي بن بركة ومحمد البصري ومحجوب بن الصديق وعبد الرحيم بوعبيد، وعبد الله إبراهيم وغيرهم، بتأسيس الإتحاد الوطني للقوات الشعبية المنشق عن حزب الإستقلال 1959، وبات عضوا في الأمانة العامة للحزب الجديد من عام 1959 إلى 1967.

 

وماكان لإنخراط "رفيق الأعلام" في العمل الحزبي،إلا أن يكون سببا في إظهار تفانيه وصمود روحه النضالية التي عرضته مرات عديدة لسلسلة  اعتقالات ومحاكمات بتهمة التآمر ،وقد تم اعتقاله في يوليوز 1963  مع جميع أعضاء اللجنة الإدارية للإتحاد الوطني للقوات الشعبية وصدر عليه الحكم بالسجن سنتين مع وقف التنفيذ وعفي عنه عام 1965.

 بل وقد سجل تاريخ محاكماته، مطالبة المدعي العام (1969. 1975) في جلسات غيابية بمحاكم مراكش، بإصدار حكم عليه بالإعدام، في الوقت الذي كان فيه اليوسفي في منفى اختياري بفرنسا لمدة 15 سنة ،وقد صدر حكم العفو عنه في 20 غشت 1980.

ليعود لمنصب مندوب دائم لحزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي تحول إلى الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، وينتخب  كاتبا عاما  للحزب بعد وفاة عبد الرحيم بوعبيد  في 8 يناير 1992.

 

ولعل أبرز المحطات المميزة لمسار عبد الرحمن اليوسفي، لم تكن لتسجل لولا رغبة المغفور له ذالحسن الثاني في إشراك المعارضة في الحكومة، وظهور اليوسفي على رأس حكومة التناوب في مارس 1998.

 

استقبلني المرحوم الحسن الثاني، في القصر الملكي بالرباط يوم الأربعاء 4فبراير 1998،ليعينني وزيرا أول. وأكد لي قائلا "إنني أقدر فيك كفاءتك وإخلاصك، واعرف جيدا منذ الإستقلال انك لا تركض وراء المناصب بل تنفر منها باستمرار."

ورئاسة اليوسفي لحكومة التناوب جنبت المغرب في تسعينيات القرن الماضي "السكتة القلبية" كما عبر عنها الراحل الحسن الثاني.

 

ظهرت أولى علامات التدهور الصحي لعبد الرحمان اليوسفي في الخمسينيات، وكان قد استئصل رئته، وعانى من إصابته بالسرطان كما أصيب بجلطة دماغية خلال فترة حكومة التناوب، وقد شملته الرعاية والإهتمام الملكي إلى آخر نفس له في أحد المستشفيات بالدار البيضاء عن عمر يناهز 96 سنة.

 

لم يتنازل عن مبادئه ولم ينزل تحتها بل انتصر لنفسه ورسخ لمفاهيم عبرت عن مسعاه، ولعل مفهوم الإعتزال عن العمل السياسي أبرزها،سنة 2002.

اعتذر لطلبات وطنية ودولية كثيرة لتكريمه والإحتفاء به بقوله "ما قمنا به واجب وطني ونضالي وفعل الواجب يسقط التكريم".

 

وقد نال عبد الرحمان اليوسفي جائزة شمال جنوب عام 1999،كما حظي بتكريم العاهل المغربي سنة 2016 بتدشين احد شوارع مدينة طنجة باسم عبد الرحمن اليوسفي.

له كتاب "أحاديث في ما جرى" فكيف لأحاديثك في ما جرى أن تنسى ذكرك وذكر مسارك الذي جرى وسيبقى خالدا في تاريخ رجالات الدولة الأكفاء.





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
عشر نصائح ذهبية للمقبلين على الباك
الشطار ؛ الجزء الثاني من حياة شكري ، لم يتلقفها القراء مثل الخبز الحافي .
مركزية المقهى في وجدان الإنسان خلال فترة الحجر الصحي .
العنف بين المجتمعي والرياضي
اغتصاب الأطفال.. الألم الذي لن يمحوه الزمن والضحكة التي لن يرسمها العقاب
جائحة كورونا: تواصل اجتماعي جديد و فيروس مستجد
تصوير حياة الشارع بين فن إبداعي ومعيقات قانونية ومجتمعية.
تطور مدرسة الحوليات..
المحامي جهاد أكرام يوجه رسالة مفتوحة لرئيس الحكومة في شأن تمديد حالة الحجر ....
آثار وباء كورونا على العالم