أضيف في 2 يونيو 2020 الساعة 21:18


الفترة الراهنة، وسؤال التباعد الاجتماعي؟





 

أطلس سكوب - عبد الرحيم طاهري

 

أضحى وباء كورونا المستجد حديث الساعة، بين مختلف فئات المجتمع. ذلك أن انتشاره خلّف خسائر كبيرة؛ بشرية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية وثقافية... هذا الوباء الخطير خلق حالات من الهلع والخوف بين بني البشر، ما جعلهم يضعون مسافات الأمان بينهم، خوفا من الآخر الذي قد يكون حاملا للفيروس، إذ أصبح من الصعب على إنسان أن يصافح إنسانا، أو أن يتعامل معه بشكل مباشر. وبالتالي ظهر ما يسمى بالتباعد الاجتماعي، أو التنائي الاجتماعي، فماذا يعني هذا المصطلح؟ وما هي النتائج المترتبة عنه؟.

 

إن التباعد الاجتماعي كما يعرّفه المتخصصون، هو: "اتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير غير الطبية، لإيقاف انتشار المرض المعدي، أو على الأقل إبطاء وتيرة انتشاره. وهو مجموعة من التغييرات التي تشمل الحد من التواصل الاجتماعي المباشر، لخفض احتمال الاتصال بين المصابين بالعدوى، وغير المصابين. وتفرض هذه الإجراءات كمثال: العمل من المنازل، والدراسة عن بعد للطلاب والتلاميذ في مختلف المستويات، بالإضافة إلى إجراءات الأخرى".

 

وعموما فقد دفع الوباء جل دول العالم إلى فرض الحجر الصحي، وتبني إجراءات التباعد الاجتماعي بغية الحد من انتشار العدوى بين الناس، وقد ترتب عن هذا التباعد أمور إيجابية، وأخرى سلبية.. وسنحاول، في هذا المقام، وضع الأصبع على بعضها.

 

✓الوجه السلبي للتباعد الاجتماعي؟.

 

ليس ثمة شك في أن للتباعد الاجتماعي عدة سلبيات، نذكر منها: ما يخص العلاقة بين "الأنا" و"الغير"، حيث صار "الغير" يهدد وجود واستقرار "الأنا" ذلك "الغير" الذي قد يكون حاملا للوباء المعدي، ومن ثم فإن مقولة: "إن الإنسان يحيا من أجل الغير"، قد سقطت وحلّت محلها مقولة: "إن التباعد الاجتماعي خاصية مميزة للوجود مع الغير"، بالتالي فإن التباعد، ولئن كان قاسيا ومريرا، إلا أنه حل لا محيد عنه لاستمرار هذه العلاقة فيما بعد.

 

 ومن سلبيات المرحلة أيضا، إغلاق المساجد في جل الدول الإسلامية، مخافة انتقال العدوى بين المصلين، وفي مقابل هذا، قررت بعض الدول فتح المساجد لكن هذا الفتح محكوم بشروط منها: ضرورة التباعد بين المصلين بمسافة لا تقل عن متر واحد، بالإضافة إلى شروط احترازية أخرى، وهكذا فإن الشهر الكريم مر بدون صلاة التراويح في جل الدول الإسلامية، إذ أعرب العديد من المسلمين عن أسفهم الشديد بهذا المستجد، الذي لم تشهده عينهم قط، وتحت تأثير هذه الظروف رحل الضيف الكريم، شهر العبادة، وشهر المغفرة، تاركا حزنا شديدا في نفس الذين لا تلهيهم تجارة عن ذكر الله.

 

 وبعد رمضان الكريم قدم عيد الفطر، في الظروف نفسها، ولسان حال المرء يقول: "فبأي حالٍ عدت يا عيد"، عيد لم تصل فيه الأرحام، ولم تتبادل فيه التحايا الحارة والابتسامات الصادقة، اللهم إلا بعض العبارات الجافة التي تناقلها الناس في مواقع التواصل الاجتماعي، الخالية من كل مشاعر إنسانية، ومن كل نبر: "عيد مبارك سعيد.." "عواشركم مبروكة..."  "أجمل المتمنيات بمناسبة حلول عيد الفطر..." وغيرها من العبارات التي صارت مألوفة عند الصغير قبل الكبير، والتي لا تسمن ولا تغني من جوع مع الأسف.

 

✓الوجه الإيجابي للتباعد الاجتماعي؟.

 

خلق التباعد الاجتماعي صراعا بين الأفراد، إذ صارت العلاقة بين "الأنا" و" الغير" مبنية على صراع، وكل واحد منهما يهدد وجود الآخ، ولكن في مقابل ذلك، انبثقت عن هذا التباعد ألفة أسرية، حيث وطدت العلاقة داخل دائرة الأسرة الواحدة، وأصبح الاهتمام كبيرا بين الأبويين والأبناء بفضل الحجر الصحي، بعد أن كانت العديد من الأسر المغربية تعاني من شرخ كبير، بسبب عدم الاهتمام سواء من طرف الأبوين، أو الابناء سيان.

 

 وإلى جانب هذا، فقد وجد الإنسان وبسبب مكوثه في المنزل أغلب الأوقات، خلوة مع نفسه ليراجع ذاته وأهدافه، لأنه بقدر الابتعاد عن الضوضاء والضجيج، يقترب الإنسان من ذاته أكثر لإصلاح ما يمكن إصلاحه، وترقيع بعض الفراغات الداخلية التي تخلّفها صرف الدهر عند أي إنسان، وهل هناك إنسان، على هذه الأرض، لايعاني من فراغات داخلية؟؟ ونحن نعلم تماما أن الكمال لله تعالى.

 

 ومن الإيجابيات التي نسجل أيضا، أن التباعد بين الأفراد، في هذه الظروف، ساهم بشكل كبير في إبطاء عملية تفشي وباء كورونا وهذا أمر مهم، إذ بفضله لم يصب عدد كبير من الناس عبر العالم بالوباء، ولا ضير في أن نتباعد اليوم لكي نقترب غذا.

 

ومهما يكن من أمر، فإن فيروس كورونا المستجد، والظروف المحيطة به التي عاشها العالم اليوم، تعد فرصة سانحة، مناسبة عظيمة، لاستخلاص العبر، ومن العبر المهمة ههنا: أن قطاعي التعليم والصحة هما سببا تطور أي أمة، وها نحن اليوم، في زمن كورونا، أشذ فاقة لمختبراتنا، ولأساتذتنا... والعاقبة للمجتهدين !





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
عشر نصائح ذهبية للمقبلين على الباك
الشطار ؛ الجزء الثاني من حياة شكري ، لم يتلقفها القراء مثل الخبز الحافي .
مركزية المقهى في وجدان الإنسان خلال فترة الحجر الصحي .
العنف بين المجتمعي والرياضي
اغتصاب الأطفال.. الألم الذي لن يمحوه الزمن والضحكة التي لن يرسمها العقاب
جائحة كورونا: تواصل اجتماعي جديد و فيروس مستجد
تصوير حياة الشارع بين فن إبداعي ومعيقات قانونية ومجتمعية.
تطور مدرسة الحوليات..
المحامي جهاد أكرام يوجه رسالة مفتوحة لرئيس الحكومة في شأن تمديد حالة الحجر ....
آثار وباء كورونا على العالم