أضيف في 9 فبراير 2021 الساعة 10:52


سلطة الكتابة ودينامية التأثير والتغيير..


زهور السايح

  يموت الكاتب ويبقى المكتوب شامخا يقارع انطفاء السنوات وانصرامها، يحنط وقع زمن الكتابة ويديم لذاتها ويظل منكشفا في قوته وضعفه لقرائه ونقاده ودارسيه المحتملين.

بهذا المعنى، تكون الكتابة، التي هي في الأساس سلطة قول بامتياز واشتغال باللغة ومن خلالها، قوة بالفعل تحتكم إلى مجمل مكونات سلطة القول الأزلية.

ولعل أقربها قد رتها الحاسمة على قهر التخطي والتجاوز الزمني، ومواصلتها، عبر امتداد الزمن، في نقل المعارف والحقائق والتجارب ولواعج وسواكن وخيالات الذات للقراء المحتملين، وأقصاها ما قد تحدثه من تغييرات أو انزياحات عن مألوف وقواعد النوع الذي تمثله صياغة وشكلا، وما قد تحمله أيضا من رسائل ومضامين نوعية.

ولا تحتكم الكتابة الى سلطة واحدة بل الى عدة سلط ومن زوايا تأثير مختلفة، فما هي هذه السلط؟ ومن أين تستمدها؟ والى أي حد يصل تأثيرها في واقع الفكر والأدب ومختلف تجليات المعيش اليومي؟




+ حدائق الكتابة وسلطها +

لا يختلف عاشق لفن القول وسحر الكلمة في أن حدائق الكتابة غناء مثمرة، مثيرة بتنوعها، تتيح مجانيها وظلالها لكل راغب مشتاق يمتلك ذائقة الإحساس والاستمتاع بجمال النصوص والتجوال بين أفيائها، منقطعا لها غير منقطع عنها. مسالكها متشعبة مبهرة ووجهاتها متعددة، لكنها ما تفتأ تقود القارئ صوب مفاتنها في أجناس الأدب المتنوعة من شعر ورواية وقصة ومسرح وخاطرة وما قد يتسع ليشمل كتابات أخرى أو يضيق عنها، بحسب المنظرين، حتى تنتقل به الى ضفاف أخرى من كتابات نقدية وتاريخية وعلمية وغيرها كثير، قبل أن تعيده تارة الى واجهة وزخم اللحظة وتراسليتها بوضعه رأسا في شطآن الإعلام المكتوب بمساحة سيطرته المتنامية.

بعيدا عن دائرة المقدس المؤكدة سلطة استهدافه وتأثيره النوعي البليغ، فإن المقصود بالكتابة هنا هو ذلك الفعل الإرادي الذي يستهدف الكاتب عبره، وكحد أدنى، التواصل مع ذاته وقارئه المحتمل؛ بغرض التعبير عن مواقف معينة أو حالات شعورية فنية وجمالية، وكحد أقصى بلوغ مرتبة التأثير بقوة وحسم عبر المساهمة الفعالة في إحداث خلخلة أو تغييرات، قد تطال القواعد والقوالب التي يفرضها نوع أو جنس هذه الكتابة نفسها، وقد تمتد الى واقع التفكير والأعراف والممارسات الثقافية ومعيش الوسط المستهدف.

يتوقف الروائي البولندي جوزيف كونراد (1857 - 1924)، الذي أثر بكتاباته في العديد من كتاب القرن العشرين، في أشهر رواياته (اللورد جيم) عند القشرة الأولى من سلطة الكتابة، وأكثرها حسما لمصير المكتوب في علاقته بالقارئ المحتمل، حين يقول إن المهمة التي "أحاول إنجازها هي أن أجعلك، من خلال سلطة الكلمة المكتوبة، تسمع وتشعر، وقبل هذا وذاك، أن أجعلك ترى".

وما يحدد ما يراه المتلقي أو يسمعه ويشعر وينفعل به، هي سلطة الكتابة، التي لا بد أن تكون "قهرية"، غير أنها ما تفتأ، بقصدية وذكاء وكثير من الرقة، تمارس سطوتها بقفازات حريرية، لا يستشعر القارئ إلا نعومتها وهي توجه تفكيره وشعوره ومرئياته الى حيث يريد الكاتب، ومن الزاوية التي يختارها، وبقدر ما يوظفه ويرتضيه من محفزات للإقناع والتأثير.

هذا التجلي لسلطة القول عبر سلطة الكتابة لا يغيب عنه، سواء بدا الأمر بمقصدية بينة أو بعفوية ساذجة، حضور تلك العلاقة الملتبسة في ترددها، والحاسمة في وضوحها، وهي تتقاطع أو تقارع بشكل علني أو خفي سلطا أخرى من خارجها، لا تقل عنها صرامة، وربما تفوقها لدرجة قد تنسحق تحت وطأتها.

+ الكتابة الإعلامية كنموذج لتعدد السلط +

 

ما من شك أن الكتابة الإعلامية تمثل بامتياز معتركا للالتقاء وتضارب السلط؛ أولها سلطة الحدث بكل عناصره، وسلطة التدافع الزمني واللحظة الحاسمة لنشر الخبر في حينه ليكون مواكبا للحدث ومحققا للسبق، وسلطة الوسيلة الإعلامية الناشرة، وفقا لموقعها من سياق الفاعلين المرتبطين بالحدث. وخلف كل هذا البناء سلطة أخلاقيات المهنة، وسلطة محددات ومعايير الجنس الصحافي المعتمد، وسلطة الخط التحريري للجهة الناشرة، وسلطة اللغة وقوانينها والتقنيات والآليات الموظفة في الخطاب للتأثير والإقناع، وسلطة الرقابة الذاتية لمنجز التقرير الخبري، وسلطة الرقابة للجهات المسؤولة عن المشهد الإعلامي.

شبكة من السلط تتفاعل في ما بينها لينتج عنها التقرير المكتوب السارد لما جرى وملابساته وسياقاته، ولتفرج عن كتابة تتولى بدورها فرض سلطتها الناعمة على المتلقين باختلاف اهتماماتهم ومستوياتهم المعرفية وانتماءاتهم وقناعاتهم ولتخلق في النهاية توجها في الفهم والرأي العام.

غير أن الكتابة الناجمة عن كيمياء تفاعل هذه السلط، لن تجد ساحة القول مفروشة بالأزاهير، إذ سيكون عليها، في زمن سطوة وسائل التواصل الاجتماعي وهيمنتها على المشهد، أن تمر عبر العين الناقدة لسلطة كتابات مفتوحة، يقف خلفها ويحركها المتلقي، الذي بات تفاعله بالمكتوب يتجاوز بكثير حدود التعبير عن الدعم أو المعارضة الى جمع المؤيدين لبناء موقف جماعي في هذا الاتجاه أو ذاك. قد يصل في حدوده القصوى الى الرغبة في نسف المكتوب وإهدار دمه وتبديد سلطته في صراع حول أحقية القول وسلطته.

ويرى البعض أن رغبة الإطاحة بالنص وسلطته وتمزيق قدسيته الأدبية والمعنوية حالة صحية تشي بنوع من دمقرطة القول وتقاسم السلط وانفلاتا من سطوة الإذعان والاستجابة السلبية البلهاء، فيما ينظر اليه آخرون على أنه تمجيد للفوضى وتبديد لنقط الارتكاز واستسهال للنباح والهدم المجاني المتبادل.






+ الكتابة سلطة تغيير قد تطال جسدها نفسه +

 

ربما يكون التناص هو المدخل الى حدس، ليس فقط البعد المتجذر المتوارث لجنس أو نوع في الكتابة، وهو يمارس سلطة حفاظه على صوته الخاص، وإنما السبيل أيضا لرصد التغييرات المحتملة، وفهم الكيفية التي ينحني فيها نص لآخر (أي كتابة لأخرى) تحت وقع من تأثير وهيمنة سابق على آخر لاحق به زمنيا، بمقصدية قد تكون أحيانا واعية (يغلب عليها سبق الإصرار والترصد) ولاشعورية في كثير من الأحيان.

ويبدو التناص بهذا المعنى العتبة التي تكون فيها الكتابة تواصلا وامتدادا لذاتها كشكل وصيغة أو جنس فني او ادبي أو غيرها من الألوان، قبل أن تسلك طريقها نحو التغيير في مسار يكون مآل نضجه انعطاف باتجاه نوع من القطيعة، تليها تطورات تسلمها الى ميلاد لون او توجه لكتابة قد يسمها النقاد والباحثون ب"الجديدة".

كتابة تكون في النهاية استمدت بناء سلطتها المستجدة عبر مخاض الانتقال من الوصل الى القطيعة، والتي غالبا ما تكون جزئية في البداية، لكن دينامية التطور الحتمية تمدها بكل التغييرات المفضية الى ميلاد جديد. والجدة هنا مرحلة في التطور لا تعني بالضرورة تقييما نوعيا.

ويمكن التدليل على هذه الحالة من خلال استحضار ما لا حصر له من النماذج، أقربها مثالا في المشهد الشعري العربي المعاصر التحول الذي عرفه هذا الشعر انتقالا من قيد القصيدة العمودية الى شعر التفعيلة أو الشعر الحر الذي قادت خطواته الجنينية إبداعا وتنظيرا الشاعرة العراقية نازك الملائكة (1923-2007).

وهو تطور في الكتابة الشعرية انتهى الى إعلان العصيان على النمط المتوارث في النظم، وخلق لنفسه قالبا فنيا مغايرا، إلا انه في حدود إرهاصاته الأولى لم يكن من الممكن، بحسب بعض الباحثين، أن ينظر الى قصيدة نازك الملائكة على أنها مثلت بالفعل "نموذجا لشعر التفعيلة"، الذي تطور لاحقا على ايدي شعراء أكملوا بعدها بقوة مشروع التغيير، إذ أنه بالرغم مما غزا قصائدها من تحول موسيقي وشكلي، بقيت قصيدتها أقرب إلى جيل مدرسة أبولو، ولم يحصل التطور الحقيقي لهذه الرؤية، كما لم تكتسب الكتابة الشعرية سلطة تجاوزها لذاتها، إلا مع مواطنيها بدر شاكر السياب ( 1926 1964) وعبد الوهاب البياتي (1926-1999) وبلند الحيدري (1926-1996) والمصري صلاح عبد الصبور (-1931 1981) ومن أكملوا الدرب بعدهم بدرجات متفاوتة.

+ الكتابة سلطة قد تحفر مجرى جديدا في المشهد العام +

 

لعل أقصى ما يطمح اليه أي كاتب أن تتمكن كتاباته من الإسهام ولو بقسط ضئيل في خلخلة بعض الأفكار أو المعتقدات والممارسات الثقافية التي ينظر إليها على أنها متجاوزة، والدفع باتجاه خلق متغيرات، ولو بدا وقعها في البدء طفيفا أو ظرفيا عابرا، فإنها متى ما نجحت في استقطاب التراكم اللازم، انتقلت الى مستوى أن يكون تأثيرها "بالغا". وكلما صنف النقاد كاتبا أو كتابا في دائرة مؤثرين من هذا الحجم والوقع، تكون كتاباتهم قد استوفت كامل عناصر قوتها كسلطة نوعية.

وفي هذا الصدد، يمكن استحضار ما لا حصر له من الكتابات التي استطاعت ان تقتنص لها موقعا ضمن دائرة الأكثر تأثيرا ومرجعية في مجالها. وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ يعتبر، براي كثير من الباحثين، كتاب "الأمير" لمكيافيلي، بحكم مساهمته النوعية في مجال اختصاصه "مرجعا سياسيا للكثير من قادة العالم بعد الثورة الصناعية"، وواحدا من الكتب التي ينظر إليها على أنها "غيرت مجرى التاريخ".

ونفس الثقل المرجعي معرفيا حظيت به مقدمة عبد الرحمان بن خلدون لمؤل فه الموسوعي "كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" (سنة 1377)، بالنظر لما حققته من سبق في التأسيس الفعلي لعلم الاجتماع، حتى انها استحقت، بنظر الباحثين، أن تدرج باعتبارها مصنفا مستقلا.

وفي سياق الخط التثويري لمجال البحث العلمي، اعتبر كتاب "المبادئ" للعالم اسحاق نيوتن (1642 - 1727) "النواة الاولى للطفرة العلمية الفيزيائية والرياضية"، حيث تضمن، الى جانب قوانين الحركة التي شكلت الأساس للميكانيكا الكلاسيكية، قوانين الجذب العام واشتقاق قوانين كبلر لحركة الكواكب.

وجاء كتاب "الربيع الصامت"، لمؤلفته عالمة الأحياء البحرية العالمة الأمريكية راشيل كارسون (1907-1964)، صيحة مبكرة لشد الانتباه الى أضرار المبيدات على البيئة وصحة الإنسان، وكان تأثيره قويا في الدفع باتجاه ميلاد الحركة البيئية الأمريكية المعاصرة، وما جرى من تغييرات ثورية في القوانين المؤثرة على البيئة.

وفي مجال التغيير الاجتماعي على المستوى العربي لا مناص من استحضار كتابات قاسم أمين (1863-1908) عن تحرير المرأة، والترافع المبكر من أجل حصولها على حقوق متساوية في العمل والأجر والضمان الاجتماعي والصحي.

وتطول قائمة الكتابات التي كانت لها سلطة فاعلة، ليس فقط في تغيير قوالبها الفنية واستحداثها لصيغ تعبيرية، وإنما في تأثيرها البالغ على الذهنيات والسلوكيات وفي رفد حركة البحث في مجالاتها المختلفة بما يديم محفزات استشرافها للمستقبل بعيون يقظة واثقة ودائمة الحماس. و م ع





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
أنا الضحية...
موقع فرنسي: ألمانيا تحتضن الإرهابي حاجب وتعتبر تصريحاته المتطرفة ’حرية تعبير”
الجزائر والعداء التاريخي للمغرب
من قتل هؤلاء ؟؟؟
رد على رئيس جماعة تيموليلت : ’ليتكم سكتتم’ !!!
تداعيات تدبير الماء الشروب بتيموليلت يعود إلى الواجهة ومطالب بتدخل عامل الإقليم
المقهى في المخيال الشعبي.. فسحة للهروب من رتابة الحياة أم فضاء للتواصل الاجتماعي
بني حسان قريتي كيمي.. بين الغنى الطبيعي والضعف التنموي..
صمت النهار
نبذة تاريخية عن قبيلة أيت بوكماز..