أضيف في 12 يونيو 2022 الساعة 13:30


تلميذ شعبة الآداب كيف يكون متميزا؟


ذ. عبد العظيم انفلوس

ذ. عبد العظيم انفلوس

لا شك أن الرغبة في التميز والتفوق سمة لازمة لكل تلميذ وطالب، كيفما كان تخصصه أو شعبته أو مجال دراسته، غير أن تخصيص الحديث عن تلميذ شعبة الآداب والعلوم الإنسانية له أسباب ودوافع يمكن تلخيصها في ما يلي:
ضعف المدارك والقدرات العلمية:
فالملاحظ أن تلاميذ هذه الشعبة يعانون في مجملهم من ضعف علمي، إن على مستوى المعارف والمعلومات التي لديهم، أو على مستوى قدراتهم الكتابية والتعبيرية بأسلوب سليم مفهوم ومقروء، لا أخطاء إملائية أو لغوية فيه ...
نتاج هذا بالأساس راجع إلى تراكمات تعود لسنوات الدراسة الابتدائية والإعدادية، مع ضعف أو انعدام مواكبة أسرهم ومدرسيه، فيصل التلميذ إلى الثانوي التأهيلي، ولا يكاد يستطيع صياغة جملة مفيدة واحدة، أو التحدث بسلاسة لمدة قصيرة بلغة سليمة دون تلعثم أو تعثر.
الآداب شعبة من لا شعبة له:
شاع في أوساط المجتمع فكر نخبوي خطير مؤداه: أن الحاصلين على النقط والمعدلات العالية يلزم توجيههم نحو الشعب العلمية والتقنية، بينما ضعفاء التحصيل والتعلم هم من يوجهون إلى الآداب، ونتيجة لذلك صارت أقسام التخصصات العلمية من الجذع المشترك إلى الثانية بكالوريا نماذج يشاع أنها متميزة وجدية في كل شيء، تحصد النقاط العالية في كل المواد، وما ذلك إلا لأن التلاميذ المجدين أو الحاصلين على نقط جيدة في الإعدادي هم من يلج إليها، ولو كان الأمر عكسيا لكانت شعب الآداب هي النماذج الجيدة والحسنة في الواقع التعليمي.
لقد أفرز لنا هذا الفكر توجها نخبويا يرى بشكل مطلق التلميذ العلمي بأنه الأفضل والأحسن علميا وأخلاقيا وجدية، مع أن الواقع غير هذا في كثير من الأحيان، وبالتالي تم تهميش صورة التلميذ الأدبي باعتباره كسولا ضعيفا ذا أخلاق رديئة مشاغبا سيئا، وهكذا سرت في أذهان الناس وخصوصا في الأوساط الأسرية، حيث يفتخر التلميذ العلمي بشعبته وتوجهه أمام العامة وأمام العائلة، في حين يتحرج التلميذ الأدبي ويستحيي من ذكر تخصصه حتى أمام أصدقائه وأقرانه.
أزمة التوجيه:
إن هذا المنعطف المرضي في التفكير وتصنيف التلاميذ قد أفضى مع تقادم الزمن إلى جعله قاعدة مجتمعية خطيرة، وأسهم في هذا بشكل بالغ مشكل التوجيه والمواكبة الذي تعاني منه المنظومة التعليمية بشكل عام، فغياب المواكبة للمتعلم من أسرته ومن مدرسيه، وكذا عقم نظام التوجيه المدرسي الذي يميز بين تلميذ الآداب والعلوم بناء على النقطة وليس على التوجه والميول، هو ما أفرز لنا بشكل عام ما نراه من تدهور أو ضمور لشعبة الآداب.
إن التوطئة السالفة الذكر، لا يمكن إيجاد حل ناجع وقوي لتجاوزها، إلا بتكاثف كافة المكونات المجتمعية أسرة ومدرسة ... بالإضافة للعامل الأبرز "التلميذ".
وهو المقصود الأول في خطاب هذا المقال، بدءا بوضعه في السياق العام ليفهم الوضع الذي هو فيه ثم توجيهه إلى خطوات عملية لتجاوز الأزمة.
إن معارج التميز والتفوق لدى تلميذ الآداب لتتمثل بالأساس في إعادة النظر في شخصيته كتلميذ، وما يفرضه عليه هذا من واجبات ومتطلبات ينبغي أن تظهر في يومه المدرسي (أخلاقه، لباسه، انضباطه، جديته)، فإذا تكونت هذه الشخصية التلميذية لديه خصوصا، سهل عليه ما سوى ذلك ليتميز في قسمه ودراسته عموما...
فتغيير الصورة النمطية لدى الناس حول تلميذ الآداب يحتاج جهدا جماعيا ينخرط فيه التلاميذ الأدبيون جميعا، كل من موقعه يعمل على تحسين نفسه وتجويد سلوكه وخلقه، والتزام الجدية والانضباط في دراسته.
ثم ليعلم أن الآداب والعلوم الإنسانية تشكل ركيزة معرفية لا يتوازن المجتمع بدونها، فكل مجتمع إلا ومحتاج للأدب بأصنافه (شعرا وقصة ورواية) وبحاجة إلى علم التاريخ لمعرفة ماضيه واستخلاص الدروس والعبر منه، وبحاجة للجغرافيا لتنظيم مجاله الذي يعيش فيه، والاستفادة من خبرات الآخرين، وليس ثمة من مجتمع إلا ويحتاج الفلسفة والعلوم الإنسانية (كعلم النفس وعلم الاجتماع ...) وغيرها، فتطور المجتمع لا يتم فقط بدراسة الرياضيات والفيزياء والطب، بل إن عالم الرياضيات والفيزيائي والطبيب يحتاجون إلى قراءة الأدب والاستفادة من أبحاث علم الاجتماع وعلم النفس أكثر من غيرهم، ولنا نماذج وشواهد في ذلك كثيرة وعديدة...
فإذا تأكد للتلميذ ما سبق، وتحصل لديه الاعتزاز بتخصصه وانتماءه لهذه الشعبة، عمد إلى معالجة تعثراته ومشاكله الدراسية؛ فيعالج ضعف الأسلوب ورداءة التعبير لديه بالقراءة المنهجية لنصوص وكتابات تعزز الحس الأدبي وتحسن الأسلوب والتعبير بشكل كبير، وحسبه في ذلك قراءة أعمال الأديب لطفي المنفلوطي، فالرجل أوتي بيانا وقوة في الكلمة، تجعل القارئ له بتذوق يتأثر به بلا ريب. فإذا قرأ التلميذ للمنفلوطي أو لعلي الطنطاوي أو لنجيب الكيلاني فإنه بلا شك سيصير أسلوبه مختلفا ومغايرا لما كان عليه من قبل.
ولعلاج مشكل الأخطاء الإملائية ينصح التلاميذ بالكتابة فقط، فقط يكتب وليجعل لنفسه دفترا أو كراسة يكتب فيها أي شي، وكلما وقعت عينه على شيء كتبه، أو يتخذ زميلا له يملي عليه نصوصا وفقرات بين الفينة والأخرى، فهذا سيجعله يتجاوز مشكلة الأخطاء الإملائية والكتابية.
وسيسهم كل ما سلف ذكره في جعله ينهل من المواد الأدبية بحب وشغف، وهذا عنصر ركيز في التفوق والتميز، فإذا أحب التلميذ تخصصه أبدع فيه واجتهد وصار جديا، والجدية بلا نقاش هي عنصر النجاح.




أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
الموسم والتقلية..
واولى: الموسم ها هو والتنمية فينا هيا؟
'' ما هي التهديدات السيبرانية التي تهدد كأس العالم لكرة القدم في قطر لعام 2022؟''
أين سأقضي العطلة؟
المفارقة الألمانية: تطور البنية التحية الرقمية وتخلف البنية التحتية العقلية
الصحة الرقمية بالمغرب: بين التطلعات المتنامية والإمكانات المهدورة
مشروع الإصلاح الرقمي للتعليم والانزياح عن المرجعيات الوطنية والتجارب العالمية الفضلى
اليوم العالمي للخدمة العامة: الحكومة خارج التغطية
غشاشون بالوراثة
نيرة أشرف...بأي ذنب قتلت