أضيف في 27 يوليوز 2022 الساعة 20:02


الصحة الرقمية بالمغرب: بين التطلعات المتنامية والإمكانات المهدورة


سليمان العمراني

الحلقة الثانية: الإطار المؤسساتي والمجتمعي:
يعتبر الإطار المؤسساتي شرطا لازما لنهضة أي ورش أو تفعيل أي سياسة، فهو الذي يقود التغيير المنشود، باستدعاء الأدوات الإجرائية، وفي قلب هذا الشرط يتموقع الإمكان البشري المعهود له تنفيذ الاختيارات المحددة، وكل ذلك لا قيام له إلا بوجود الحاضنة المجتمعية لتلك الاختيارات التي هي الهدف في النهاية.
1) الإطار المؤسساتي:
في حالة ورش الصحة الرقمية في بلادنا، فإن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية هي التي تشرف على كل السياسات ذات الصلة، تسندها في ذلك أجهزة ومؤسسات مختلفة إلى جانب المؤسسات الصحية.
لكن هل أمكن للترسانة المؤسساتية الصحية في بلادنا أن تؤهلها لكسب تحدي نجاعة العرض الصحي الوطني والعرض الصحي الرقمي بشكل خاص؟
فبصرف النظر عن الاختيارات المؤسساتية في العديد من التجارب العالمية، فإنه لا يبدو ملائما التفكير في إحداث مؤسسة وطنية بديلة تعلو على الوزارة الوصية، لأن هذه الأخيرة هي التي يتعين أن تتحمل المسؤولية الدستورية والسياسية عن تفعيل التوجيهات الملكية والبرامج الحكومية، ولا يتعارض ذلك مع مطلب تقوية الإطار المؤسساتي الصحي الوطني.
ووفق هذا التصور، يمكن فهم مقترح واضعي الكتاب الأبيض بإحداث وكالة وطنية خاصة بالصحة الرقمية، تتمتع بالاختصاصات والوسائل الضرورية للقيام بوظائفها على أحسن وجه.
وهو المقترح الذي يتناغم مع توصية المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الواردة في تقريره عن "الانعكاسات الصحية والاقتصادية والاجتماعية لفيروس ورونا'' كوفيد -19'' والسبل الممكنة لتجاوزها"، الداعية إلى " تفويض الإشراف على مشروع المنصة الرقمية(التي أوصت أيضا بإحداثها) إلى هيئة عليا، تتمتع بصلاحيات واسعة، وتعبئة جميع الفاعلين في القطاع الصحي حول هذا المشروع" .
من جهة أخرى، أكد الكتاب الأبيض حول الصحة الرقمية بالمغرب أن'' النجاح في ورش الصحة الرقمية يتأسس على مقاربة تشاركية متمركزة حول المريض، معَبِّئَة لمجموع فاعلي المنظومة المؤسساتية الصحية الرقمية المعنيين حول الفاعل المركزي الذي هو وزارة الصحة" .
ولدعم هذا التوجه، ولإغناء الإطار المؤسساتي الرقمي الصحي الوطني، يتعين كما قال بذلك الكتاب الأبيض، تحريك المقاولات الناشئة المغربية العاملة في مجال الصحة الرقمية، وتحفيز الاستثمار الوطني والأجنبي في قطاع التكنولوجيات الجديدة.

2) الإمكان البشري:
تعتبر الموارد البشرية العاملة في المؤسسات الصحية الرقمية، رافعات أساسية لورش الصحة الرقمية، لذلك لا يتصور النجاح في هذا الورش بدون تأهل وتأهيل وانخراط تلك الموارد.
والدارس لمختلف سياسات تدبير الموارد البشرية في الإدارة العمومية المغربية، يلحظ عطبا فظيعا يتعلق بتصور مكانة الموظفين العموميين في أوراش الإصلاح لدى المدبرين، فبدل أن يكونوا شركاء، يُتعامل معهم كمأمورين منفذين، لذلك والحالة هذه لا ينتظر منهم المأمول من الأداء المسكون بالتحفز والتعبئة والانخراط والإبداع والتفاني.
وفيما يتعلق برهان النهوض الرقمي بالقطاع العام، وضمنه القطاع الصحي، لم نلحظ بعدُ انزياحا بما يكفي عن المنطق السابق في التعامل مع الموظفين من منطلق المأمورين التابعين، لذلك من الطبيعي أن تصطدم المبادرات العمومية للتحول الرقمي بممانعة ثقافية ونفسية من قبل المعهود إليهم إنفاذ السياسات والبرامج، وما يتم اليوم من إجراءات لإصلاح هذا العطب يبقى محتشما ومتواضعا.
لذلك نبهت العديد من تقارير المؤسسات الوطنية والأجنبية إلى ذلك، وأكدت بصفة خاصة على إشكال عطب الثقافة الرقمية عند عموم الموارد البشرية، ومن ذلك ما أشار إليه الكتاب الأبيض أن "الممارسين بسبب تخلف الثقافة الرقمية لديهم يفضلون دائما الاشتغال على الحامل الورقي عند تجميع ومعالجة معطيات المرضى" .
إن الحديث عن غياب الثقافة الرقمية عند عموم الموارد البشرية العمومية، لا يصطدم مع القول إن إدارتنا العمومية غنية بخبرات وكفاءات رقمية تعتبر أعمدة وركائز لا مندوحة عنها، وبوسعها أن تبدع في البحث الرقمي وفي الإنتاج الرقمي وفي التدبير الرقمي وتفيد الإدارة المغربية دون حاجة إلى استدعاء الخبرة الأجنبية المكلفة، وطالما لجأت بعض القطاعات والمؤسسات، للأسف، إلى المناولة الأجنبية لإنجاز البحوث والدراسات وفي الإمكان البشري الوطني ما يفيد ويغني ويشرِّف.
وفي هذا الإطار يوصي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقريره عن "الانعكاسات الصحية والاقتصادية والاجتماعية لفيروس ورونا'' كوفيد -19'' والسبل الممكنة لتجاوزها"، ب''الحرص على إسناد إنشاء المنصة الرقمية(التي دعا لإحداثها) للخبرات الوطنية من أجل المساهمة في تعزيز السيادة الرقمية للبلاد'' . ولنفس الغاية يوصي الكتاب الأبيض بتهيئة الموارد البشرية لورش الصحة الرقمية عبر التحسيس والتكوين.
3) موقع المجتمع من ورش الصحة الرقمية:
إذا كان يراد من ورش رقمنة الصحة، تسهيل الحياة على المرضى وعلى ذويهم ورفع نجاعة التطبيب وتخفيض التكلفة وغيرها، فإن عدم وعي المواطنين بأهمية وملحاحية الصحة الرقمية بل وحتميتها، وعدم انخراطهم العملي في آلياتها، سيديم أعطاب المنظومة الصحية الوطنية ويهدد الجهود العمومية بآفة الهدر.
ومن هنا يبدو مصيريا إنجاح "رقمنة المجتمع" ليكون رديفا لنجاح التدبير الرقمي للسياسات العمومية. لذلك ما فتئت عدة مؤسسات وطنية ودولية تنبه لهذا المحذور، ومن ذلك ما أشار إليه الكتاب الأبيض من أن نسبة الأمية المرتفعة خصوصا وسط الساكنة القروية ووسط النساء تشكل كابحا من كوابح رقمنة الصحة .
وفي نفس الاتجاه أكد الكتاب الأبيض على رهان" النضج المجتمعي والثقافي، الذي سيتأتى من جهة، بمصاحبة التغيير الثقافي لدى المواطنين، غير المتعودين على التكنولوجيات الجديدة، ومن جهة أخرى، لدى الممارسين الذين يُنْزِلُون الأنظمة المعلوماتية منزلة الأعمال المتسخة، والسبب في ذلك راجع لغياب التحفيزات'' .
كما دعا ذات التقرير إلى تحسيس الجمهور بفوائد ورهانات الصحة الرقمية وتحفيزه لتملكها وتأسيس ثقافة الرقمنة في البلد.
بقلم سليمان العمراني




أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
التصنيف الإلكتروني العالمي للمغرب سنة 2022: تقدم بطيئ في مؤشر الحكومة الإلكترونية وتقهقر في مؤشر المشاركة الإلكترونية
آي أفاق لنظام الاشتغال عن بعد بالمغرب وفرنسا؟
أين أذنك يا جحا؟ كلية آداب عين الشق تجيب بمثل جواب جحا..
استحالة المرور الرقمي إلى العصر الذهبي.... إذا واصلت ''مزُّور'' التواصل بالحديث الخشبي
اعتراف....
استراتيجية التحول الرقمي في أفق 2030- هكذا يجب أن تورد الإبل!
المفهوم الجديد للسلطة بين الأزمة الذاتية و الموضوعية
أيت تمازيرت وسؤال: أين الثروة؟
حذائي الذهبي....
الموسم والتقلية..