م أوحمي:
هم كثيرون يستيقظون باكرا أو لا ينامون حتى العودة من العمل إذ يحملون معهم أدوات العمل الفلاحية يركبون سيارات بيك آب أو دراجات هوائية و يتجهون نحو الضيعات الفلاحية قبيل آذان الفجر وهم صائمون لا تقهرهم حرارة الشمس وهم يقتلعون الشمندر السكري من الأرض أو يسقون الأراضي و ماشابه ذلك منهن نسوة يعول عليهن في مصاريف البيت و غير بعيد منهم يوجد عما آخرون بالمعامل الصناعية من كوزيمار و غيره منهم الشبان ذو مستويات دراسية عالية و مع ذلك يفضلون العمل إلى جانب زملائهم ممن ألفوا ذلك في ما نسمي بالأعمال الشاقة .
يقول أحمد وهو رجل في عقده الرابع يعمل بضيعة فلاحية أب لأربعة أبناء يغادر مسكنه بحي تكانت بأفورار مباشرة بعد التصحر يحمل معه قارورة ماء باردة للشرب قبل الآذان ينتظر سيارة بيك آب بالقرب من الجماعة القروية هناك يجد زملاءه من مختلف الدواوير ممن انهكهم الزمن من أجل لقمة عيش و مع ذلك يتحدثون و يشتغلون في صمت بإحدى الضيعات يجنون البصل و يعودون بعد صلاة الظهر بأجر يومي لا يتعدى 70 درهم في اليوم الواحد أما علي فقد صادفناه بأزيلال يستغل مع أحد المقاولين لتهييء أزقة البلدية فقال لنا أنه بفضل العمل مباشرة بعد صلاة التراويح و يغادرها مع اقتراب الفجر لأن العمل برمضان الكريم وارتفاع درجة الحرارة يكون صعبا و لا يمكن الاستمرار في ذلك فقد تصاب بمرض .
عائشة سيدة من دوار ثلات بأفورار حيث تقطن العديد من العاملات في الحقول تحكي بمرارة سنوات قضتها بالضيعات تفوق 20 سنة و مع ذلك ما زالت تكافح لتعيل أسرتها وزوجها الذي يعمل هو أيضا عملا موسميا و عن حديثنا عن مائدة رمضان ابتسمت و قالت أنها لا يمكن الإفراط فيها فرغم التعب تحاول عائشة بعد العودة الاستحمام سريعا و الدخول إلى المطبخ من أجل إعداد “الحريرة الحمراء ” فأبناؤها لا يمكنهم الاستغناء عليها و تعد “البغرير “أو “المسمن ” من جزء من العجين المخصص للخبز في فران ” إينور” وبقية المواد خاضع للمد و الجزر في مصاريف البيت و يتعلق الأمر بالتمور و الشباكية و العصائر .

إنه حال العديد من الأسر الفقيرة المغربية التي تبتسم للقليل و لا تظهر شقاها إلا في العزاء لقدر الله و في الجانب الآخر هناك أشخاص ميسورون ينامون اليوم كله و في المساء يجدون مائدة الإفطار مهيأة بأحسن المأكولات تصرف أغلبيتها إلى القمامات فالشهية تنسد مع الأكل .
بالخارج كما هو بالداخل يقول محمد الإدريسي من ميلانو أنه أثارت بعض الأوساط القطاعية والنقابية الإيطالية، مع بداية شهر رمضان الحالي، مسألة صوم العمال المسلمين الذين يشتغلون بالحقول الزراعية ومدى إمكانية إفطارهم للخطورة المحدقة بطبيعة العمل مستدلين في ذلك بـ”رأي” أحد الفاعلين الجمعويين المسلمين الذي أجاز لهؤلاء العمال المزارعين الإفطار أثناء عملهم.
وحسب رئيس “إتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا” وإمام مدينة “فلورانسا” الفلسطيني “عزالدين الزير” فإن “المسلمين الذين يشتغلون في مجال الزراعة وفي ظروف طبيعية قاسية تحت أشعة شمس حارقة ودرجة حرارة جد مرتفعة بإمكانهم أن يفطروا وان يصوموا في أيام أخر” لأنه لا يمكن أن يتم تعريض الحياة البشرية للخطر بأي وجه كان –يضيف الزير.
وفيما تلقت الاوساط المهنية الممثلة للمزارعين الإيطاليين وكذا النقابية بكثير من الإرتياح لإجازة الإفطار خلال شهر رمضان للعمال الزراعيين المسلمين الذين يشكلون 10 % من مجموع العمال، فإن بعض الأوساط الإسلامية الأخرى أعلنت معارضتها وانتقادها لموقف إمام “فلورانسا” مشددة على أن مسألة الإفطار بالنسبة للصائم ليست بالسهولة المتصورة وإلا فكيف سيتم تفسير صيام الدول الإسلامية في الفترة الحالية التي تقارب فيها درجة الحرارة الخمسين درجة في العديد من مناطقها يتساءل “عبد الحميد الشاعري” مدير المعهد الثقافي بميلانو.
ومنذ تزامن فترة الصيام مع فصل الصيف خلال السنوات الأخيرة بدأت مسألة صوم العمال المزارعين تثير العديد من الجدال خاصة مسألة شرب الماء أثناء مزاولة العمل الذي يعد إجباريا حسب قوانين السلامة المهنية المحلية ، لذا فإن العديد من المزارعين الإيطاليين لإخلاء سبيل مسؤوليتهم يطالبون العمال الذين يرغبون في الصيام على توقيع التزامات بمسؤوليتهم في حالة حدوث مضاعفات جانبية كما حدث منذ سنتين مع عامل بنغالي الذي لقي حتفه إلا ان القضاء حمل المسؤولية لمشغله لأنه هو المسؤول على احترام معايير السلامة المهنية.
وأمام الإشكالية الفقهية والقانونية المطروحة وأمام غياب أية جهة دينية رسمية إيطالية فإن العديد من الفعاليات الجمعوية والنقابية المغربية تطالب بتدخل الهيئات الرسمية الدينية بالمغرب للتدخل على الأقل بخصوص العمال المزارعين المغاربة الذين يشكل هذا العمل مصدر رزقهم الوحيد خصوصا وان الآلاف منهم عمال موسميون رفضهم لهذا العمل يعني حرمانهم من الرجوع في الموسم القادم، وأن هذا النقاش سيستمر على الأقل طيلة السنوات الخمس القادمة التي سيتزامن فيها شهر رمضان مع ذروة فترة جني وقطف المنتوجات الفلاحية .

و يين العلماء حكم أصحاب الأعمال الشاقة وأن الأصل هو وجوب الصوم عليهم، فإن استطاعوا أن يجعلوا عملهم بالليل فعلوا وإلا فليبحثوا عن عمل لا يشق عليهم الصوم معه، فإن لم يكن لهم بد من هذا العمل فالواجب عليهم أن يبيتوا نية الصوم فلا يفطروا فإن تضرروا بالصوم فلهم أن يفطروا بقدر ما يدفعون به الضرر عن أنفسهم، ثم عليهم قضاء ما يفطرونه من الأيام عند قدرتهم على ذلك.
فعلى كل مكلف أن يحرص على صيامه تحقيقا لما فرض الله عليه ، رجاء ثوابه وخوفا من عقابه دون أن ينسى نصيبه من الدنيا ، ودون أن يؤثر دنياه على أخراه ، وإذا تعارض أداء ما فرضه الله عليه من العبادات مع عمله لدنياه وجب عليه أن ينسق بينهما حتى يتمكن من القيام بهما جميعا ، ففي المثال المذكور في السؤال يجعل الليل وقت عمله لدنياه، فإن لم يتيسر ذلك أخذ إجازة من عمله شهر رمضان ولو بدون مرتب ، فإن لم يتيسر ذلك بحث عن عمل آخر يمكنه فيه الجمع بين أداء الواجبين ولا يؤثر جانب دنياه على جانب آخرته ، فالعمل كثير ، وطرق كسب المال ليست قاصرة على مثل ذلك النوع من الأعمال الشاقة ، ولن يعدم المسلم وجها من وجوه الكسب المباح الذي يمكنه معه القيام بما فرضه الله عليه من العبادة بإذن الله، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا . {الطلاق:2، 3}.
.