مع مأساة المهاجرين الفلسطينيين الغرقى في عرض المتوسط هربا من جحيم غزة المنكوبة دمارا و حصارا ..
حضرتني رواية الشهيد غسان كنفاني ” رجال في الشمس” ..
درسناها في الباكلوريا بداية التسعينات ..
أتذكر جيدا صوت و ملامح أستاذي بالعربية ذي التوجه اليساري الجذري في مدينتي الرشيدية.. الذي استغرب كيف لي و أنا التلميذ ذي الميول اﻹسلامية أن أقوم بدراسة تحليلية لسؤال كاتب الرواية الذي ختم به روايته الرائعة .. السؤال الذي ظل يتردد في أذني و أذن كل من قرأ الرواية و عانى كما استمتع بفصولها …
” لماذ لم يطرقوا جدران الخزان” …؟؟؟!!!!!!!!!
لماذا ختم غسان كنفاني روايته بمشهد درامي قاتم جدا بأن حكم على المهاجرين الفلسطينيين الثلاثة بالهلاك اختناقا داخل شاحنة الخزان على حدود الكويت .. و ألقى بهم سائق الشاحنة قبل أن يكمل طريقه نحو مدينة الكويت ..
السائق الذي طرح السؤال.. هو أبو الخيزران.. الفاقد لرجولته عندما كان جنديا بالجيش البريطاني و أصيب بجراح كانت سبب ذلك…!!!
كأن رواية الكنفاني تعود من جديد اليوم.. و لكن ليس في صحراء الكويت تحت شمسها الحارقة و داخل خزان الشاحنة الخانق.. بل تحت شمس البحر المتوسط..
بين رمال الصحراء .. و أمواج البحر .. يبدو أن إرادة الكنفاني الروائية هي رفض هجرة الوطن من أجل تحقيق الخلاص الفردي في معيشة مرضية هانئة بعيدا عن شمس الوطن..
غسان كنفاني اختار أن ” يقتل” أبطال روايته اختناقا داخل الخزان.. بل إنه منعهم من ان يتخذوا قرار طرق جدران الخزان و هم على معبر الجمارك في حدود الكويت لينقذوا أنفسهم من موت محقق على اﻷقل و إن فشلت رحلتهم تلك…!!!
كما أن غسان كنفاني اختار قائد الرحلة ابا الخيزران الفاقد للرجولة حتى يعطي رمزية لقيادة الهجرة خارج الوطن بكونها فاقدة الشموخ و الاباء و الانتماء .. تماما مثل هؤلاء المجرمين الذين أغرقوا سفينة المهاجرين الشهداء في عرض البحر اليوم…!!!
غسان كنفاني حكم على أبطال روايته المهاجرين الثلاثة بالموت رفضا منه لخيار الخلاص الفردي.. و لتأكيد أن الخلاص يجب أن يكون خلاصا جماعيا داخل الوطن و تحت شمسه من خلال مقاومة المحتل المستوطن و طرده خارجه بكل مسؤولية ..
طبعا أتذكر رواية كنفاني و كلي مرارة و شجن حول معاناة أهلي في فلسطين و غزة المحاصرة من كيد القريب الشقيق قبل العدو البعيد..
فاللهم ارحم شهداء البحر.. و شهداء البر ..
شهداء اﻷرض تحت نار العدو..
و شهداء الماء تحت أمواج البحر و قد أغرقهم عدو آخر هم تجار البشر المهربون الارهابيون مصاصو دماء الإنسانية..
و طبعا عربان الصهاينة لهم في كل هذه المأساة النصيب اﻷكبر في الجريمة.
اللهم انتقم.