أضيف في 6 يناير 2020 الساعة 11:18


النموذج النضالي النقابي الحالي وتطاول الحكومة على جيوب الشغيلة التعليمية


المسلك سعيد



المسلك سعيد

 

منذ تولي حزب المصباح مسؤولية التسيير الحكومي بالمغرب برئاسة بنكيران، عرفت الساحة الوطنية على عدة أصعدة ،تراجع العديد من المكتسبات. فقد ارتكست المكاسب الاجتماعية على الأعقاب ، و ازدادت البطالة و كثر الضغط على المرفق العمومي ،  وتراجعت الخدمات الاجتماعية في مقابل تصاعد رهيب لأسعار المواد الأساسية مع إيقاف دعمها من طرف الدولة بشكل نهائي .( لاحظ مثلا استقرار أسعار البنزين في 9.97 دراهم رغم عدم تجاوز سعر البرميل العالمي ل 70 دولار في مقابل 147 دولار سنة 2008 ! ) .

وقد لاحظ الجميع رفض الحكومة ،خلال هاتين الولايتين ، للتفاوض الجدي حول الزيادة في الأجور. ففي مقابل الزيادات الصاروخية المذكورة ، هشت الحكومة على الجيوب المتهالكة ببعض "الزيادات" الهزيلة و هي التي عمدت إلى اقتطاعات متتالية للشغيلة بالوظيفة العمومية على مدى خمس سنوات كاملة، مباشرة بعد تمرير مشروع "إصلاح" أنظمة التقاعد السيء الذكر بتواطؤات مكشوفة...

و قد لوحظ اتساع دائرة الفقر و الهشاشة الاجتماعية رغم مزاعم الحكومة المبنية  على التبجح ب'إنجازات هامة' على مستوى دعم الطبقات الهشة . و بالتالي ارتفعت درجة الامتعاض من هذه الحكومة و من استبدادها بالطبقات الشعبية المتأزمة  مع ترشح الوضع لمزيد من التدهور و التقهقر في المستقبل.

يتأزم الوضع تدريجيا و بشكل مقلق، خصوصا مع تملص هذه الحكومة من  الانكباب على معالجة مشاكل المجتمع بالاتجاه نحو مصادرها الحقيقية  المتمثلة في تكديس الثروات بطرق غير شرعية ، الفساد الإداري ، تهريب الأموال ، ارتفاع الأجور العليا ، الرشوة و غيرها من الآفات الاقتصادية      و السياسية التي سبق لبنكيران و من معه أن وعد المغاربة بمواجهتها و القضاء عليها ، لكن وعود عرقوب ما فتئت تتبخر بعد تسلم السلطة ، بل إن الحكومة الحالية أصبحت لديها الجرأة غير المسبوقة في رفض الحوار الاجتماعي مع النقابات –كما حصل مؤخرا –  حيث لم تعد النقابات قادرة حتى على ممارسة حقها الدستوري القاضي بالقيام بمهامها كمؤسسة دستورية تدافع عن حقوق المأجورين بجميع القطاعات لتضمن لهم مقومات العيش الكريم .

 سنتذكر باستمرار و مرارة  ، تماطل الحكومة السابقة و اللاحقة (أي الحالية) في إصلاح و دمقرطة النظام التعاضدي و الحد من الفساد المستشري داخل التعاضدية من تبذير لأموال المنخرطين بالفنادق الفاخرة ، و بالجموعات العامة الفاقدة للشرعية . زد على ذلك فرض هذه الحكومة و من جانب واحد ، لزيادات على المحروقات باعتماد نظام المقايسة ، ترتبت عنها زيادة ملتهبة في أسعار النقل و المواد الأساسية ، أثرت و تؤثر على قدرة المواطن الشرائية .

حدث هذا كله ويحدث أمام نقابات حائرة من أمرها في ظل الغطرسة الجنونية لحكومة تريد أن تأتي على الأخضر و اليابس من مكتسبات الشغيلة التي سقتها بدماء شهداء أحرار ظلوا أوفياء للنضال حتى الموت .

اليوم تتكرر الاقتطاعات غير المفهومة من أجور الشغيلة التعليمية ، اقتطاعات غير مبررة بشكل واضح تجاوزت حدود المعقول لشهرين متتابعين ، في مقابل نداءات خجولة تذكرنا بردود أفعال الأمس القريب عندما أبدت الحكومة المتغطرسة وقاحة كبرى  بدأتها بتكريس مبدأ التحلل من المرفق العمومي   وأنهتها بتحميل الأجير مسؤولية صندوق نهبه غيره ، مرورا بتسليع الخدمة العمومية و ضرب القدرة الشرائية ..

إن النقابة ، التي لعبت دوما دورا رياديا في تحصين مكاسب الشغيلة على جميع الأصعدة ، لا يجب أن تقف اليوم عند حد الاستنكار و إصدار بيانات تنديدية قزمية لا تغدو أن تكون مجرد صراخ في المرآة ، و هذا لسبب بسيط : لقد بلغ السيل الزبى مع من وصفوا المواطنين ب "المداويخ" ، و لا مناص من أن تلعب النقابة دورها التاريخي كما في السابق ، بأن تكون فعلا معولا للاحتجاج القوي ضد هذا التطاول الخطير الذي بات يزعجنا بشكل كبير .

اليوم ، أمام هذا الشطط  الحكومي الذي تعددت خراطيمه كأخطبوط مرعب : اقتطاعات مبالغ فيها      و غير مبررة ، فرض مكوس مجحفة على المواطن البسيط لإنقاذ قناة فاشلة من إفلاس سببه  غياب الحكامة و تسيب في إنفاق المال العام و تعاملات مشكوكة في مقابل غياب تحرك المجلس الأعلى للتدقيق في هفوات التدبير المالي لقناة كانت برامجها في الماضي حكرا على الطبقة الميسورة في ما كان المرموز نصيب الفقراء من دافعي الضرائب ، و لا زال نصيبهم منها إلى اليوم ، برامج رديئة  و مبتذلة تضحك بها على الذقون ، ثم الشتم  و القدح و حتى التهديد في حق المواطنين ... أمام هذا كله ، أضحى المواطن المغربي البسيط  كاليتيم في مأدبة اللئيم ، يكتنفه الشعور بالإذلال والإحباط  من كل جانب ، فاقدا لبوصلة الاطمئنان في بلد تتشدق فيه حكومته بمنجزات لا توجد إلا في مخيلتها ، حتى صار هذا الوطن كلوحة Van Gogh التي عنونها ب"ليلة النجوم" حيث تبدو مشبعة بالكآبة والحزن في الوقت الذي يفضل فيه آخرون وصفها بلوحة مليئة بالحيوية والأمل ، فصار المغرب في ظل هذه الحكومة العجيبة مليئا بتناقضات الكذب و النفاق السياسي  لمن يسيرون شؤونه السياسية ، تختلط بفيض من حيوية  حلم المواطن البسيط  بغد جميل ، و ليثه يصبح كذلك.

و بالرجوع إلى الموضوع الرئيس لهذا المقال ، نرى شخصيا أن التمادي في الاستهتار بكرامة الشغيلة التعليمية ، و هي التي لا زالت تؤدي رسالتها النبيلة في التربية و التكوين رغم كل محاولات النيل منها بتبخيس كل ما من شأنه أن يرفع  من قيمة و خصوصية  من قال فيه الشاعر :

 يا شمعة في زوايا "الصف" تأتلق  ◊◊◊◊◊◊  تنير درب المعالي وهي تحترق,

أقول ، إن التمادي في التطاول على جيوب الشغيلة بهذا الشكل الذي تجعل فيه من المدرس حائطها القصير لشرعنة السرقة الموصوفة من جيبه المتهالك في هذه الفترات بالضبط ، بالتعويضات الهزيلة أو المنعدمة ، والأسعار الملتهبة و حاجيات و متطلبات فصل البرودة ... يستلزم حزما و صرامة من رجال التعليم و نسائه بالتصدي لشطط  هذه الحكومة الفاشلة . وأقصد أن قزمية ردود الأفعال النقابية في مقابل هذا السلوك الخطير للحكومة ، مرفوضة بشكل مطلق و يعافها كل طبع سليم ، إذ لا يعقل أن يتم اقتطاع مبالغ كبيرة من أجور متهالكة أصلا ، وتقف المركزيات النقابية  موقفا سلبيا لا يبارح حدود التنديد و الاستنكار، و إلا ، فهذا التعارض الصارخ  بين اختيارات النقابة وانتظارات الأجراء الذي أصبحنا نلاحظه في السنوات الأخيرة ، سيلحق الأذى ، حتما ، بقواعد تدبير العلاقة بين النقابة  والشغيلة ، والتي هي في الأصل علاقة قارة و متوافق عليها لأنها بكل بساطة ، من صميم الدفاع عن الكرامة والعدالة . باختصار شديد ، أقول للمركزيات اليوم، إما أن تموت واقفة بالتصدي لغطرسة الاستهتار الحكومي أو تعيش ساجدة للاستغلال و الاستبداد المتوحش ، وهذا ما سيدفع بالآلاف منا إلى البحث عن "نموذج حيوي جديد للنضال " وهذا ما بدأ فعلا منذ فترة ( انظر عدد التنسيقيات الوطنية المستحدثة ) ، لأن النموذج القائم ، لم أر فيه شخصيا منذ مسرحية "توحيد جبهة النضال النقابية" لمناهضة مشروع إصلاح نظام التقاعد ، سوى استسلاما ( حتى لا أقول تواطؤا ) لرغبات حكومة فاشلة ، بارعة في امتصاص الدماء ، ماهرة في استغلال المصائب و الكوارث .

 





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا
وجهة نظر في صندوق المقاصة
إنها جنازة عالم جليل ..
تنمية الإنسان قبل الحجر
من أجل ماذا سالت الدماء في ميادين التحرير ؟
وجهة نظر في الساعة الإضافية
Lamsallak Said explique son point de vue sur le Nouveau Modèle de Développement en tant qu’ acteur associatif
ضيف يعود إلى واويزغت بعد 10 سنوات : ’مَقدرتو تحَيْدو حْتى البْرارْك’
وجهة نظر في الحكامة الجيدة
وجهة نظر في الجهوية المتقدمة
أنقذوا تاكلفت...