أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

إما أن تفشل معنا أو تُحارَب وحدك

يونس البصري

لم يكن الهجوم الذي تعرض له المغرب عقب تنظيمه لكأس الأمم الإفريقية حدثا عابرا ولا انفعالا جماهيريا بريئا، بل كان في جوهره تعبيرا صارخا عن أزمة عميقة في الوعي السياسي والثقافي العربي والإفريقي تجاه منطق النجاح. لقد تشكل خطاب عدائي منسق، عابر للحدود والهويات، يوحده شيء واحد: الكراهية الرمزية لدولة تجرأت على أن تنجح خارج منطق الفشل الجماعي.
ما حدث لم يكن انتقادا رياضيا، ولا خلافا تنظيميا مشروعا، بل كان محاكمة أخلاقية وسياسية للمغرب لأنه تفوق. وهذا أخطر أشكال العداء، لأن التفوق حين يدان تصبح الرداءة معيارا، ويحول النجاح إلى تهديد وجودي للآخرين.
فلنطرح الأسئلة ببرودة الباحث لا بانفعال المواطن:
هل ارتكب المغرب عدوانا على سيادة دولة ما؟ لا.
هل تبنى خطابا تقسيميا ضد دولة عربية أو إفريقية؟ لا.
هل مارس سياسات إقصائية أو عنصرية تجاه شعوب القارة؟ بالعكس، الأرقام والوقائع تشهد بعكس ذلك.
إذن، عن أي ذنب نتحدث؟
الذنب الوحيد هو أن المغرب كسر القاعدة غير المعلنة: قاعدة أن تبقى دول الجنوب متعثرة، غير قادرة، محتاجة دائما لشهادة حسن سلوك من الخارج.
لقد تحولت بطولة رياضية إلى مرآة عاكسة لبؤس نفسي جماعي، رأينا احتفالات هستيرية بإخفاق متخيل، شماتة أقرب إلى الطقوس البدائية، وكأن فشل المغرب لو حدث كان سيعيد التوازن لدى من لا يحتمل رؤية نموذج ناجح في محيطه الجغرافي والثقافي. هذه ليست فرحة رياضية، بل تنفيس مرضي عن شعور دفين بالنقص التاريخي.
إن أخطر ما كشفته هذه اللحظة ليس الحقد فقط، بل التحالف غير المعلن بين الفشل والحسد، تحالف يرى في أي تجربة ناجحة تهديدا لبنية ذهنية قائمة على تبرير العجز، وتقديس الرداءة، وشيطنة كل من يخرج عن الصف. وكأن الرسالة واضحة:
“إما أن تفشل معنا، أو ستحارب وحدك”.
والمفارقة أن المغرب، رغم كل اختلافاتنا الداخلية ونقاشاتنا المشروعة حول السياسات العمومية، قدم نموذجا للدولة القادرة: تخطيط، بنية تحتية، تنظيم، أمن، صورة دولية مميزة، وهذه عناصر لا تغتفر في بيئة تعيش على استهلاك الأعذار لا صناعة الحلول.
وفي علم الاجتماع السياسي يسمى هذا السلوك عداء النجاح (Hostility to Success)، حيث لا يكره الفاعل لأنه ظالم، بل لأنه ناجح. وهنا يصبح الحقد خطابا، والغيرة موقفا سياسيا، والشماتة أيديولوجيا شعبية.
وكما يقول المثل الشعبي: “المزلوط كيبغيك ديما تبقا مزلوط بحالو”…
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه، إن اخترتم البقاء في دائرة العجز، فما ذنب من قرر أن يخرج منها؟
الرسالة التي يجب أن تفهم بوضوح، لا بعاطفة بل بمنطق التاريخ، المغرب لا يطلب تصفيقا، ولا ينتظر اعترافا ممن يزعجهم نجاحه، لكنه أيضا لن يعتذر عن تفوقه، ولن يخفض سقف طموحه حتى لا يجرح مشاعر من اختاروا القاع.
وإذا كان تنظيم الكان قد فضح هذا الكم من الحقد، فإن مونديال 2030 لن يكون مجرد تظاهرة رياضية، بل امتحانا وجوديا لمن يكرهون رؤية المغرب في موقع الند لا التابع.
لقد انتهى زمن الأقنعة، ومن لم يحتمل نجاح المغرب اليوم، لن يحتمل مكانته غدا.


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد