المسلك سعيد
-1 حول التسريب و تأخر تسليم بيانات النقط للتلاميذ و الاسر
يثير تأخر توزيع نتائج الدورة الأولى بمدارس الريادة إلى غاية مارس 2026 نقطة جدل واسعة، حيث اعتبرها العديد من المتتبعين للشأن التربوي والتعليمي والآباء مؤشراً على وجود اختلالات تدبيرية كبيرة.
فتسريب الامتحانات قبل شهرين من الآن، كان من أهم أسباب هذا التأخر المقلق والذي كانت قد أعلنت عنه وزارة التربية الوطنية في يناير 2026 استتبعته بقرار إعادة إجراء الامتحان الموحد المحلي وفروض المراقبة المستمرة للمرحلة في مؤسسات الريادة حصراً. قرار نتجت عنه موجة من الاستياء العميق لدى أولياء الأمور والتلاميذ والمدرسين وكل الفاعلين من مكونات المجتمع المدرسي بكل مؤسسات المملكة.
لا ننسى في هذا الصدد أن المسؤولية كلها ملقاة على عاتق الوزارة الوصية التي لم تستمع إلى مقترحات الفاعلين التربويين وقتئذ، والمشتغلين بالميدان وخصوصا المدرسين، والذين كانوا قد اقترحوا أن تتكلف كل جهة بصياغة امتحاناتها الجهوية اعتبارا لخصوصياتها المحلية خصوصا مع موجة البرد القارس والتقلبات الجوية التي عرفها شهر يناير المنصرم بكل بقاع المغرب وخاصة المناطق الجبلية منها والنائية. وهي مسؤولية ثابتة يؤكدها منطق الاستفراد بالقرار في زمن الدعوة للجهوية المتقدمة ومنطق “اسكتوا، نحن من يعرف ماذا نفعل”. ورغم أن الوزارة على لسان وزيرها في بيان رسمي كانت قد أرادت أن تلعب دور الحكم والجلاد في نفس الوقت في هذه الفضيحة، إلا أن الشمس كما يقال لا يمكن حجبها بالغربال والتمويه المفضوح.
لقد أدى ذلك التسريب –الذي كان من الممكن جدا تجنبه- وما تبعه من قرارات، إلى تأجيل الاختبارات وتغيير الجدول الزمني للتصحيح ومسك النقط، مما تسبب في فجوة زمنية كبيرة مقارنة بالمدارس العادية التي وزعت نتائجها ابتداء من 24 يناير 2026.
ورغم أن هذا الارتباك غير المقبول كان قد جر وزير التربية الوطنية للمساءلة البرلمانية لمناقشة “الاختلالات” التي مست مصداقية امتحانات هذا المشروع، إلا أنها ظلت في نظرنا غير مجدية وضعيفة التأثير من حيث إقرار المبدأ الحقيقي للمحاسبة والمعاقبة. وهذا مؤشر آخر على فشل الولاية الحكومية الحالية في تدبير الشأن التعليمي من حيث اختيار القيمين عليه كقطاع حيوي بالبلاد، وعلى فشل المشروع التربوي في نسخته الريادية بإضافة هذا التأخر والارتباك المشار إليه أعلاه، إلى وابل من التعثرات التدبيرية والتواصلية واللوجستية الأخرى التي شهدها تنزيل المشروع منذ بداية الموسم الدراسي بالإعداديات على وجه الخصوص. وهذا كله يعكس ضعفاً في التأمين اللوجستي والرقمي للاختبارات، يضرب مبدأ تكافؤ الفرص من جهة، كما يؤكد أن المشروع يعاني من ثغرات بنيوية في التدبير والتواصل وحتى الديداكتيك سبق وأن أشرنا إليها في تقرير مفصل من 40 صفحة تم إرسالها إلى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (الهيئة الوطنية للتقييم) مطلع الشهر الجاري. والحقيقة أن هناك تباينا صارخا في تنزيل المشروع: فبينما تفتخر الوزارة بأرقام التحسن في مستوى التلاميذ، يظل التأخر الإداري والتقني في إصدار النتائج إلى حدود كتابة هذه السطور في منتصف شهر مارس، عبئاً يثير قلق الأسر حول جدية المسار التعليمي لأبنائهم.
2 – مشاكل تتفاقم مع بداية الأسدوس الثاني: معضلة مسك الكفايات من جديد
اقترحت الوزارة بعد رفض الاساتذة مسك الكفايات التي تصل إلى 4600 كفاية بمادة الفرنسية مثلا، تقليصها الر خمس كفايات مع اقتراح ملئ المدرس لأوراق تضم عملية مسح ال QR و استعمال عملية السكانير لكل ورقة خاصة بكل تلميذ على حدة ! مع العلم أن عدد التلاميذ لكل مدرس قد يبلغ 200 تلميذ تقريبا.
في نظرنا المتواضع ومن الناحية التقنية، يظهر هذا المقترح كأنه “هروب إلى الأمام” لحل أزمة النتائج العالقة، لكنه يطرح إشكالات واقعية تجعل وصفه بالمعقولية أمراً مشكوكاً فيه لدى الفاعل التربوي المشتغل بالميدان. فالعملية المطلوبة تعد برمتها ثقلا لوجستيكيا جديدا. فبدلا من “النقرات” على منظومة مسار، سيصبح الأستاذ مطالباً بـ “المسح الضوئي” (Scanner) لعشرات الأوراق لكل قسم. إذا علمنا أن القسم الواحد يضم حوالي 40 تلميذاً، فنحن نتحدث عن مئات العمليات اليدوية التي تستهلك وقتاً يفترض أن يخصص للتحضير التربوي والسبورة. هذا بالإضافة إلى أن الاعتماد على QR وعملية الـ Scan يتطلب جودة عالية في الطباعة وإضاءة معينة وتطبيقات دقيقة، وأي خطأ في القراءة الرقمية قد يؤدي إلى خلط نتائج التلاميذ، مما يعمق أزمة “المصداقية” التي تسببت في تأخير النتائج أصلا والذي تحدثنا عنه سالفا.
ولا يفوتني هنا أن أؤكد أن مقترح تقليص الكفايات، يبقى حلا ترقيعيا لأن حصر التقويم في خمس كفايات فقط قد يسهل عملية المسك إدارياً، ولكنه يضعف “الدقة التربوية” التي بُني عليها مشروع الريادة (TARL)، حيث كان الهدف هو التقييم الدقيق لكل ثغرة لدى التلميذ، وهذا تناقض صارخ. أما التناقض الضمني الآخر فيبقى هو أن هذا التقليص المبالغ فيه ( من 23 إلى 5 كفايات)، يوحي ضمنيًا بأنها ليست بتلك الأهمية التي تم الترويج لها. فالكفاية التي تُختزل بسهولة إلى هذا الحد تطرح سؤالًا جوهريًا: هل كانت فعلًا ضرورة بيداغوجية، أم مجرد تصور نظري لم يصمد أمام واقع الممارسة؟؟؟
فتقليص عدد الكفايات فجائيا بهذا الشكل، لا يدل على تبسيط فقط، بل قد يُفهم منه أن تلك الكفايات لم تكن ذات أهمية حقيقية، وإلا لما كان من السهل الاستغناء عن أغلبها. وهذا يطرح تساؤلًا واضحًا حول جدوى الإكثار منها في البداية، أليس كذلك؟. إن المدرسين على الصعيد الوطني، من خلال بيانات منشورة، يعتزمون رفض هذه الصيغة الجديدة الغير منطقية تماما.

مقترح المسح الضوئي و QR
ويطرح في هذا الصدد سؤال مشروع آخر يتعلق بالإمكانيات اللوجستيكية والمكتبية للإدارات بالمؤسسات التعليمية المنخرطة. فهل تتوفر جميع مدارس الريادة على “ماسحات ضوئية (Scanners) حديثة، وربط عالي الصبيب بالإنترنت للقيام بهذه العملية لآلاف التلاميذ في وقت وجيز؟ وهنا يصطدم الواقع الميداني بضعف الوسائل للأسف الشديد.
نؤكد في الأخير أن عملية المسك الجديدة التي فطنت إليها عبقرية الرياديين بالمركز، غير منطقية لأنها بكل بساطة تعتمد مسطرة مزدوجة لتعبئة شبكات الكفايات. فهناك المسك اليدوي ثم المسح الضوئي وإعادة معالجتها داخل التطبيق، وهذا يمثل هدراً غير مبرر للزمن المهني، الذي ينبغي أن يُخصص أساساً –كما أسلفنا- للتحضير التربوي، وبناء الأنشطة التعليمية، ومواكبة تعلمات المتعلمين.
3- فروض واختبارات المرحلة الثالثة في الأسدوس الحالي: اشمئزاز بعض المواد…
عبر أساتذة الفيزياء باللإعدادي عن استياء عميق من طريقة صياغة اختبار المادة المرسل إليهم قصد التمرير من المركز الوطني للامتحانات. فقد لاحظوا تطابقا تاما بين الصيغ الثلاث المبعوثة، ناهيك عن تضمين الاختبار تمرينا مطابقا بنسبة 99بالمائة للتمرين الموجود بالصفحة 84 من الكراسة. يقول أحد أساتذة الفيزياء (س/ ه): “لقد اعتبرونا سذجا إلى درجة قصوى”. إن هذا الأمر يطرح تساؤلات عدة من بينها:
لماذا تراخى المركز في صياغة اختبار جديد بمقاييس ديداكتيكية مضبوطة تجعله يخالف ما تتضمنه صفحة الكراسة وتجعل المقترحات الثلاث مختلفة هي أيضا عن بعضها البعض؟ لماذا لم يبذل أي مجهود في صياغة امتحان المرحلة المرتبطة بالدورة الثانية؟ لماذا هذا “العكز” من المركز تجاه تقويم مرحلي هام؟
إن تكرار تمرين من الكتاب المدرسي بنسبة تطابق تصل إلى 99% في امتحان رسمي صادر عن المركز الوطني للامتحانات ليس مجرد صدفة، بل هو مؤشر قوي على وجود خلل عميق في منظومة “الريادة” في نسختها الحالية. فوظيفة الامتحان هي قياس مدى استيعاب التلميذ عبر وضعيات اختبارية “جديدة” تقيس الكفايات، وليس اختبار قدرته على “تذكر” حل تمرين سبق وأن أنجزه في القسم. هذا يضرب مبدأ تكافؤ الفرص، لأن التلميذ الذي حفظ التمرين مسبقاً سيتفوق على التلميذ الذي يحاول التفكير والتحليل.
وهنا يبدو أن المركز الوطني ربما و الله أعلم، وتحت ضغط تأخر النتائج (الذي ناقشناه سابقاً) والرغبة في تدارك الزمن المدرسي بعد أزمة التسريبات، لجأ إلى “الاستنساخ” السريع لسد الفراغ. هذا “العكز” يعكس ارتباكاً في الإدارة المركزية للمشروع. ففي الوقت الذي يسوق للمشروع عبر وسائل الإعلام على أنه طفرة نوعية تعتمد على “الدقة” و”العلمية”، تعطي عملية نسخ نفس التمرين هذه، انطباعاً بأن “الغلاف” جديد بينما “المحتوى” يفتقر للإبداع والجدية المطلوبة، ما يجعلنا نقول بأن الامتحان قد تحول فعلا إلى مجرد عملية روتينية لملء الخانات واستخراج النتائج بأي ثمن، بدلاً من أن يكون أداة حقيقية لقياس جودة التعلمات، في زمن الريادة التي أصبحت مهووسة بالكم عوض الكيف، وهذه الفلسفة لها ضريبتها: التسرع والسرعة والهرولة تحت ضغط أجندة زمنية مرهقة. أعتقد أن المركز الوطني للتقويم قد أصيب فعلا بالإرهاق. هذا التعب المؤسساتي جعل المجهود يُبذل في “إطفاء الحرائق” التنظيمية بدلاً من صياغة وضعيات اختبارية ذكية ومبتكرة للأسف الشديد.
تلخيصا لهذا الإشكال المطروح، فإن الاستعجال بهذا الشكل في كل شيء مرتبط بالريادة، هو دليل على أن المشروع بدأ يفقد روحه الإصلاحية ويتحول إلى عمل روتيني جاف، حيث المهم هو “تعبئة الخانات” والنفخ في النقط وليس تقويم التعلمات بالشكل الأمثل كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك في تقرير مفصل من 20 صفحة قبل أربعة أشهر من الآن.
4 – كلمة أخيرة عن تعميم تجربة الريادة
يعتقد أصحاب القرار المركزي بأن تعميم تجربة مؤسسات الريادة سيساهم في حل أزمات الريادة المتواصلة. ونحن نعتقد أنه لن يعمل سوى على تفاقمها اعتبارا للنواقص الكثيرة و الأعطاب المتعددة التي عشناها جميعا كمدرسين في الجوانب التدبيرية، التواصلية، اللوجستيكية والحكماتية نالت من عزائم الجميع في الكثير من اللحظات الحرجة وخصوصا في المرحلة التقويمية والديداكتيكية داخل الفصل مع عجز الوزارة عن توفير كراسات كافية لجميع المتمدرسين الرياديين، فما بالك بأشياء أخرى ليس من أقلها أهمية: العجز عن تدبير نتائج الدورة الأولى لعام 2026 بالسلك الابتدائي مع انهيار المصداقية بتأخر النتائج في لحظات ارتباك إداري خطير، ما قد ينقل هذه العدوى لمساحات أوسع. ناهيك أيضا عن عدم تحديث البنية التحتية والمنظومة المعلوماتية لمسار وغيره من منظومات التدبير الرقمي واللوجستيكي لتفادي الهفوات المعلنة في التجربة المتعثرة.