لقيت المبادرة الأدبية المتميزة في قراءة وتلخيص القصة القصيرة باللغة العربية المنظمة مؤخرا بمؤسسة الرسالة التربوية بسلا، استحسانا كبيرا من لدن آباء وأولياء تلاميذ الصفين الثاني والثالث ابتدائي وهيئة التدريس بالمؤسسة ، وهي التي أشرفت عليها الأستاذة حليمة حافظي بمعية زميلاتها وزملائها من أساتذة المستويين، إذ أن التلاميذ كلفوا بقراءة قصص قصيرة بلغة الضاد ،لغة القرآن ولغة أمتنا العربية التي يسعى البعض جاهدا في أن يحشرها في خانة النسيان ، وهي اللغة التي شهد لها على مدى التاريخ بالسمو و بقوة التوالد والحياة المتجددة ومجاراة تطورات كافة العصور ، ثم يطلب من التلاميذ تلخيص تلك القصص وفق ما تعلموه بالمؤسسة من طرق علمية في فن القراءة القصصية و في فهم وبناء الحكي والسرد وخط ما جادت به أناملهم الصغيرة ومشاعرهم الطفولية البريئة، و هي تبدو لك وأنت تتفحص خطاطاتها ،كأنها ملائكة نزلت إلى الأرض تحكي وتعظ الناس وتذكرهم بما ينبغي فعله وبما لا ينبغي فعله في قالب جميل، مسل وممتع
وفي ذات السياق، يؤكد السيد نبيل بنشارف الحارس العام بالمؤسسة أنه من البديهي أن يحظى أطفالنا في مراحلهم الأولى بمزيد من العناية و الاهتمام ، ليس فقط فيما يتعلق بتثقيفهم و الارتقاء بأدوات التعلم عندهم ، بل في تعليمهم مجموعة من المهارات، و لعل أبرز و أهم هذه الأدوات التي تساعد على ذلك مهارة القراءة ،و لا يخفى على أحد أهمية القراءة في توسيع إدراك الطفل و تنمية شخصيته و فكره ، و هذا ما نطمح إليه من خلال نادي القراءة حتى يتعود التلميذ عليها.

وقد نشرت بعض محاولات تلاميذ المستوى الثالث مرفقة بصورهم وشهاداتهم التقديرية فيما يتعلق بقراءة القصص و إعادة حكيها أو سردها بأساليبهم الخاصة على موقع المؤسسة على الفايسبوك من أجل تشجيعهم على المضي قدما في هذا الطريق المستنير ، وقد سلموا تلكم الشواهد التقديرية عرفانا بالمجهود المبذول من طرفهم وتتويجا لما حققته عناقيد أمل الأمة وشبيبة المستقبل في أفق العمل على خلق جيل قارئ وكاتب ومنتج ، لأن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر كما يقولون ، ونهر المعرفة يبدأ بقطرة ندى ومنذ نعومة الأظافر
أملنا جميعا أن تعم مثل هذه المبادرات الحية الطموحة جميع المؤسسات التعليمية ببلادنا ،خاصة أو عامة لمطاردة شبح يتربص بأبنائنا الصغار وقد يصرفهم أو يلهيهم عن القراءة التأملية للقصص وكتب المعرفة ، وهو العدوى المتفشية للعولمة التكنولوجية في تسويق الوسائط الكرتونية في التسلية والترفيه التي تقف خلفها شركات عملاقة عابرة للقارات تدفع بعضها في اتجاه إبراز جرعات زائدة من العنف والعنف المضاد عبر معارك صورية مصطنعة تبتز مخيال الطفل أو تضعه عند غياب الرقابة الأبوية في حالة من الاستيلاب الفكري أوالعاطفي
فتحية مجددة لطاقم المؤسسة ولصاحبة هذا العمل الفكري الجاد والمسلي في ذات الآن ،الأستاذة حليمة حافظي ، سائلين المولى عزوجل أن يبارك لأبنائنا الصغار في كل خطوة قرائية لقصة قصيرة ترتوي بها ومنها العقول بعد العيون.لغتنا الجميلة في حاجة إلينا اليوم قبل الغد أمام طغيان لغات أجنبية على المشهد العالمي اليوم ،وهي لغات وجب أيضا تعلمها لمواكبة العصر ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت في الحديث الذي رواه الإمام أحمد أن يتعلم اللغة السُّرْيانية، وقد شاعت أيضا مقولة معقولة،لكنها ليست بحديث وارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وهي (من تعلم لغة أمن مكرهم أو أمن شرهم ) .
وفي فضل اللغة العربية التي كانت يوما ما لغة عالمية ولغة للعلم والمعرفة لما كانت جامعة القرويين كأقدم جامعة في العالم آنذاك تعج بالطلبة والعلماء الأجانب يأتون إليها من أنحاء أوروبا ويأخذون “كورسات” في اللغة العربية مثلما هو معمول به اليوم في الجامعات الغربية والشرقية قبل الولوج إلى التخصصات العلمية في الرياضيات والفلك والطب والفيزياء والكيمياء ، إلخ..يقول الفرنسي إرنست رينان: “اللغة العربية بدأت فجأة على غاية من الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشرية, فليس لها طفولة ولا شيخوخة.ويقول الآلماني فرتاغ: ” اللغة العربية أغنى لغات العالم”،ويقول وليم ورك “إن للعربية لينا ومرونة يمكنانها من التكيف وفقا لمقتضيات العصر” ويقول الدكتور طه حسين: ” إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضا “واللغة العربية هي اللغة التي تتفق مع الاعتبارات العقلية والمنطق السليم في التعبير عما يتردد في الذهن من معاني وطريقة النطق فيها تعين على إدراك المعنى.وللكلمة جسم وروح ولها نسب تلتقي مع مثيلاتها في مادتها ومعناها فمثلا : كتب,كاتب ,مكتوب,كتابة وتشترك هذه الكلمات في مقدار من حروفها وجزء من أصواتها وتشترك الألفاظ المنتسبة إلى أصل واحد في قدر من المعنى وهو معنى المادة الأصلية العامة.أما اللغات الأخرى فتغلب عليها الفردية إذا ما قارناها باللغة العربية.ومن مزايا اللغة العربية ،الإعراب الذي هو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ وبه تتميز المعاني، ومن مزاياها أيضا أن أصوات الحروف العربية ينطق بها الآن كما ينطق بها قبل خمسة عشر قرنا، والفضل في ذلك يرجع إلى القرآن الكريم .ومن مزاياها أيضا ثباتها على مر الزمان
فما قاله زهير,وعنترة والحطيئة ينطقه العربي المعاصر اليوم فيفهم معناه
ومن أجمل ماقاله الشافعي الإمام العظيم والفقيه الشاعر عن آداب التعلم
اصبر على مرّ الجفا من معلم فإنّ رسوب العلم في نفراته
ومن لم يذق مرّ التّعلم ساعةً تجرّع ذلّ الجهل طول حياته
ومن فاته التّعليم وقت شبابه فكبر عليه أربعاً لوفاته
وذات الفتى والله بالعلم والتُّقى إذا لم يكونا لا اعتبار لذاته
عبدالفتاح المنطري
كاتب صحافي