جواد التويول
إحساس مثقل بالحزن والألم يراودك كلما ولجت مراكز تصفية الدم، لتكتشف عن كثب معاناة شريحة اجتماعية ومن مختلف الأعمار، فرض عليها القدر أن تكابد أنينها في صمت.
هم مرضى القصور الكلوي تحديدا، رجال ونساء وشيوخ وشباب وحتى أطفال، شاءت الظروف أن يصابوا بهذا المرض، تراهم رابضين على أسرتهم لمتابعة حصص تصفية الدم اليومية التي تستغرق أربع ساعات كاملة. كلما أمعنت النظر فيهم، تحس أنهم يشتكون إليك، ويرغبون في الصدع بآلامهم وأوجاعهم وحتى أحزانهم.
ومما زاد في حدة معاناتهم، تفشي وباء “كورونا” وحرصهم على الالتزام الدقيق بالاحترازات الطبية اللازمة، خصوصا وأن مناعتهم الصحية، بسبب برنامج علاجهم المكثف، ضعيفة ولا يمكنها مقاومة أوبئة خطيرة من قبيل هذه الجائحة.
وبمركز الأمل لتصفية الدم وزرع الكلي بالدار البيضاء، وهو عيادة خاصة من طابقين تستقبل يوميا عشرات المصابين بمرض القصور الكلوي، ممرضات بوزرهن البيضاء يجبن مرافق وممرات المركز في كل لحظة وحين للإشراف على حصص التصفية التي تتطلب متابعة طبية دورية دقيقة.
في قاعة صممت بعناية بالطابق العلوي ومجهزة بمختلف المعدات الطبية، كانت هاجر، ذات العشرين ربيعا، قد استهلت حصتها الدورية من التصفية، بين الفينة والأخرى، تسترق نظرها بإمعان نحو شرفة تطل على خارج المبنى.
بين نظراتها المثقلة بالحزن، تخفي هاجر أنينها الدفين، بعد إصابتها بالمرض قبل عشر سنوات، وهي في ريعان طفولتها التي تاهت بين دروب المعاناة.
وتحكي هاجر التي تتحدر من الحي المحمدي ، في لحظة بوح لوكالة المغرب العربي للأنباء، عن طفولتها وعن شبابها، وعن غصة تنتابها كلما تذكرت رفيقاتها وفصلها الدراسي الذي تخلت عنه مكرهة من أجل متابعة العلاج.
وتضيف “كلما أحسست بالضيق والعزلة، أتسلح بالصبر والثقة لأنهما سبيلي وخياري الأمثل للبقاء على قيد الحياة”.
وتردف قائلة “نحن نعاني وأفراد أسرنا يعانون أكثر، ماديا ونفسيا ومعنويا، لكن ماذا عسانا نفعل هذا مصيرنا المحتوم وعلينا التعايش معه باستمرار والتشبث بالأمل”.
في زاوية أخرى بالقاعة ذاتها، كان إبراهيم الرجل الخميسيني القادم من إحدى قرى تارودانت على وشك الانتهاء من حصة التصفية، بين لحظة وأخرى، لا يتردد في الرد عبر هاتفه على اتصالات أفراد عائلته.
يقول ابراهيم في تصريح مماثل “أصبت بالمرض قبل سنوات، وكان لزاما علي أن أقدم إلى الدار البيضاء، لأن تارودانت لا تتوفر للأسف على مراكز خاصة بتصفية الدم تفي بالغرض “.
ويضيف “في البداية كان الأمر صعبا للغاية، بحكم أني لا أتوفر على سكن خاص هنا بالدار البيضاء، لكن دعم عائلتي، وبالأخص شقيقتي، وتوفري على بطاقة نظام المساعدة الطبية (راميد) خفف عني عبئا كبيرا، سواء تعلق الأمر بالإقامة أو التنقل إلى المركز الطبي وإنجاز التحاليل المرافقة”.
“هي معاناة نتعايش معها كل لحظة وحين”، يقول ابراهيم، “فالمرض أفقدنا كل شيء، وحتم علينا توفير إمكانات مادية باهضة لمسايرة تكاليف العلاج وانجاز التحاليل الطبية”.. كما أن المرض، يردف ابن جماعة تاويالت، “جعلنا في عزلة تامة عن محيطنا العائلي والأسري، إذ لا يمكنني البتة زيارة أهلي في تارودانت بسبب بعد المسافة، لأني إن فكرت في الأمر، سيكون ذلك صعبا علي وعلى صحتي، حيث المواظبة على حصص تصفية الدم مسألة غاية في الأهمية”.
وبجوار ابراهيم، كان هشام ابن حي عين السبع، الشاب ذو الأربعة وعشرين عاما، منهمكا، وهو يتابع حصة التصفية المعتادة، في الاطلاع على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، لمعرفة أخر اخبار اصدقائه ومعارفه.
يقول هشام، “أربع ساعات من التصفية في الحصة الواحدة، بمعدل ثلاث حصص في الأسبوع، تجعلك تحس برتابة قاتلة، اذ يتعين عليك في بعض الأحيان، الاعتماد على وسيلة تؤنسك لكبح جماح الروتين والتعرف على كل المستجدات الطارئة في المغرب والعالم”.
ويضيف هشام، وهو الذي كان يمارس رياضة الفول كونتكات، قبل إصابته بالمرض، “التشبث بالأمل هو سلاحنا ومتنفسنا الوحيد في هذه الدنيا، نحن نلقى عناية طبية ممتازة هنا بالمركز، وتظافر جهود أسرنا ومواكبتها لنا في كل شيء، يخفف عنا دائما ذلك الإحساس بالعزلة”.
وفضلا عن ذلك، تواجه أسر هؤلاء المرضى إكراهات يومية تتعلق بتوفير تكاليف العلاج، خصوصا بالنسبة للأسر التي لا تتوفر على تغطية صحية، وتأمين وسائل النقل، والمرافقة أثناء متابعة الرعاية الطبية.
وإلى جانب ذلك، يزيد تفشي وباء كوفيد 19 الطين بلة، فغالبية المرضى، يعانون الأمرين جراء التقيد بشروط صحية صارمة للوقاية من الجائحة.
تقول البروفيسور أمال بورقية، مديرة المركز ورئيسة الجمعية المغربية لمحاربة أمراض الكلي في تصريح للوكالة، إن مرضى القصور الكلوي هم أكثر فئة عرضة للإصابة بأمراض معدية كالتهاب الكبد والسل الرئوي وفيروسات وبائية من قبيل وباء كوفيد 19.
وأضافت أن الجمعية المغربية لمحاربة أمراض الكلي، كانت سباقة إلى دق ناقوس الخطر والتحسيس بخطورة هذا الوباء، وتوعية نحو 30 ألف مريض يتابع عملية التصفية على الصعيد الوطني بضرورة الالتزام بالاحتياطات الوقائية والاحترازية.
ولحسن الحظ، تؤكد البورفيسور بورقية، جميع المرضى بالقصور الكلوي على المستوى الوطني والذين أصيبوا بفيروس كوفيد 19 في السابق تعافوا تماما، لكن هذا لا يمنع من ضرورة توخي الحيطة والحذر والتقيد بإجراءات السلامة الصحية.
وذكرت بأن مركز الأمل لأمراض الكلي، يعتمد نظاما احترازيا صارما للوقاية من الجائحة، يتمثل في فرض ارتداء الكمامات طيلة عملية التصفية وقياس درجة حرارة المرضى باستمرار وتعقيم قاعات التشخيص والتصفية، وتثبيت مطهرات في كل المرافق فضلا عن الالتزام بالتباعد الجسدي بين المرضى.
هم مرضى يتحدرون من شرائح اجتماعية مختلفة، قاسمهم المشترك مكابدتهم وعائلاتهم لمختلف فصول المعاناة، وحتى وإن توفرت لهم العناية الطبية والمعاملة اللائقة من قبل الأطباء والممرضين، لا يمكنهم البتة الظفر بحياة طبيعية كسائر أقرانهم، لأنهم مجبرون على تتبع نظام غذائي صارم، ومواكبة طبية دقيقة ومتابعة حصص التصفية، بشكل دوري. ومع
afterheader desktop
afterheader desktop
after Header Mobile
after Header Mobile
تعليقات الزوار