محمد كسوة
في إطار برنامج الأنشطة الهادف إلى تفعيل أدوار الحياة المدرسية، وتربية و توعية التلاميذ والتلميذات بأهمية السلامة الطرقية و احترام قانون السير، نظمت لجنة الأنشطة التربوية والثقافية والفنية لمدرسة الشيخ سيدي إبراهيم البصير الخاصة للتعليم العتيق ببني عياط إقليم أزيلال، عددا من الأنشطة التربوية التوعوية والعلمية والفنية بمناسبة اليوم الوطني للسلامة الطرقية وذلك صباح يوم الأحد 23 فبراير 2025، تضمنت ورشات للرسم و التلوين في موضوع السلامة الطرقية، عروض حول السلامة الطرقية، مسابقة ثقافية، إعداد مجلة حائطية حول السلامة الطرقية، إلى جانب تنظيم صبيحة توعوية حول قانون السير والسلامة الطرقية تخللتها عروض نظرية وتداريب تطبيقية، من تأطير رجال الدرك الملكي بسرية بني عياط، وسيارة التعليم أطلس بني عياط وسفيان أطو لتعليم السياقة و قانون السير.
واستهلت هذه الأنشطة المتنوعة بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، وترديد النشيد الوطني المغربي، ليعقب ذلك تقديم مجموعة من العروض الفنية التي عالجت موضوع احترام قوانين السير و أهمية الوعي المروري في الحد من حوادث السير ببلادنا.
وفي ذات السياق نظمت مدرسة الشيخ سيدي إبراهيم البصير ندوة تحسيسية حول السلامة الطرقية ونظرة الإسلام إليها، تطرق فيها المؤطرون إلى مفهوم السلامة الطرقية؛ المتمثل في مجموعة من الإجراءات التي تستهدف تنفيذ خطط وبرامج طرقية، إضافةً إلى الإجراءات الوقائية، بهدف الحد من وقوع الحوادث على الطرق، ويتعلق الأمر بالحفاظ على سلامة حياة المواطنين وحماية ممتلكاتهم، فضلاً عن المحافظة على المقومات البشرية والاقتصادية للمجتمع.
واستعرض المؤطرون أسباب حوادث المرور منها: السرعة الزائدة، تجاوز إشارات المرور، البنية التحتية، عدم إجراء الصيانة العامة للسيارة، وبخاصة المكابح، عدم احترام الأولويات المرورية، تناول السائق المشروبات الكحولية والمخدرات، السهر الطويل والتعب الشديد…
ولتجتب حدوث حوادث السير وتحقيق السلامة الطرقية أكد المتدخلون على ضرورة اتباع مجموعة من الأمور منها: زيادة التوعية من خلال وسائل الإعلام السمعية والبصرية أو الصحف، بهدف تعزيز حملات الوقاية، تطوير برامج تعليمية منذ الصغر في المناهج الدراسية، بهدف توجيه الأطفال لتكوين وعي حول سلامة الطريق وتعزيز تأقلمهم مع بيئة الطريق، تنظيم دورات توعية لمستخدمي الطريق بشكل عام، وخاصة السائقين الشبان، بهدف تعزيز التفهم الصحيح لقوانين وأخلاقيات السير، تعزيز الإهتمام بمدارس السياقة لضمان أن يحصل السائقون على التدريب اللازم والمهني للتعامل مع الطريق بشكل آمن، إجراء دراسات عميقة لتحليل الأسباب الجذرية لحوادث المرور واستخدام نتائجها لتطوير برامج فعالة للوقاية والحد من تكرار هذه الحوادث.
وأشار المتدخلون إلى أهم القواعد اللازم اتباعها للحد من حوادث السير أو التخفيف منها: الامتثال للسرعة المحددة والإشارات المرورية، توخي الحذر والانتباه أثناء المشي والتجول في المناطق المخصصة للمشاة، ارتداء الخوذة لراكبي الدراجات وربط حزام السلامة لسائقي السيارات..
ومن المحاور المهمة التي تناولتها هذه الندوة نظرة الإسلام للسلامة الطرقية، حيث أكد المتدخلون أن الإسلام ينظرُ إلى الطرقات على أنَّها ملكٌ عام للجميع، يشترك فيها الكبير والصغير، والماشي والراكب، في حدود النظام وعدم التعدِّي، لقوله تعالى: “وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون” (الأنبياء:31)، والسبل هي الطرُّق جعلها الخالق سبحانه في الأرض، وأظهرها لأجل أن نهتدي بها في أسفارنا وإلى مقاصدنا، والفجاج جمع فج وهو السبيل والطريق الواسع بين جبلين، وهو ما يُوافق الطريق الواسع الآن أو ما يسمى بـ”الطريق المزدوج”.
وإذا كان الطريق في نظر الإسلام مِلكاً عامًّا تحتم أن يلتزم المشتركون بالسير فيه بآداب سماها بآداب الطريق جاءت في قوالب تشريعية في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة، كقوله تعالى في وصف عباد الرحمن: “وعبادُ الرحمن الذين يمشون على الأرضِ هوناً وإذا خاطبَهمُ الجاهلونَ قالوا سلاما” (الفرقان:63)، وقوله سبحانه: “ولا تمشِ في الأرض مرحاً إنكَ لن تَخرُقَ الأرضَ ولن تَبلُغَ الجبالَ طولا كلُّ ذلكَ كان سيئَهُ عندَ رَبِّك مكروها” (الإسراء:37)، وقولهُ صلى الله عليهِ وسلَّم: “أعطوا الطريقَ حقَّهُ”، قالوا: وما حقه يا رسول الله؟ قال: “غَضَّ البصَر، وكَف الأذى، ورَدُّ السلام، والأمرُ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكر”.
وفي الآية الأولى يبيِّن فيها الحقّ جَلّ وعلا صِفةً من صفات المؤمنين وهي صفةُ المشي في الأرض هونا، أي يمشون مِشيةً لا تصنُّع فيها ولا تكلُّف، مِشيَةَ السكينة والوقار، وهذا هو معنى الهون في الآية الكريمة، هذه المِشية تُعبِّرُ عن شخصيةٍ متزنة مطمئنة تُظهر الوقار والسكينة والجد والقوة، مشية غير متهورة ولا متسرعة، سواء كان ماشياً برجله أو هو يقود سيارته، وإذا ضايقه أحد في الطريق قال سلاماً، ولا يُبادل السيئة بالسيئة والتهوُّر بمثلهِ.
أمَّا الآيةُ الثانية، فهي تَنهى المؤمن عن مشيةِ المرح والتيه وكأنه يريد أن يخرق الأرض بخيلائه وكبريائه، ويبين الحق سبحانه بأنك أيها الإنسان ضعيف وضئيل أمام ملكوت الله تعالى، فلن تثقب الأرض بمشيك فيها مرحاً وتيهاً ولن تبلغ مبلغ الجبال في طولها وقوتها وضخامتها.
ونأخذ من الحديث النبوي قوله صلى الله عليه وسلم: “وكفُّ الأذى….”؛ إذ يُعتبر كفُّ الأذى من أبرز حقوق الطريق، والأذى كلمة جامعة تشمل كل ما يؤذي الناس من قول وعمل وهم يستخدمون الطرق مشياً أو ركوباً، فالتوسيع في الطريق للمضطرين للتقدم كسيارات الإسعاف والمضطرّين من الناس حق من الحقوق وكف للأذى، والتقيُّد بأنظمة المرور المحددة كف للأذى، والتزام السرعة التي حددتها أنظمة المرور داخل المدن والطرقات كف للأذى، وتفادي ما يطرأ في الطرق والانتباه المستمر كف للأذى، وتفقد السيارة قبل ركوبها وفحصها كالفرامل والإطارات يحفظ السلامة ويعين على كف للأذى، واحترام إشارات وعلامات المرور كف للأذى.
وضمن الإسلام للمارة إصلاح الطرق وصيانتها وحثَّ على رفع الأذى عنها؛ فهذا عمر بن الخطاب يقول: “لو عَثَرت بغلةٌ في العراق لخشيت أن أسأل عنها يوم القيامة، لِمَ لَمْ تُصلح لها الطريق يا عُمر”، وهذا الشعور يعتبر منتهى الإحساس بمدى المسؤولية الملقاة على المسؤول ، في تحسين الطرق وإزالة الأذى عنها، ولذلك جعل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إزالة الأذى من الطريق من خصال الإيمان فقال: “إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان”، وجعله في موضع آخر من الصدقات فقال: “وإماطتك الأذى عن الطريق صدقة”، ويجعله أيضاً من الحسنات فيقول: “من أخرج من طريق المسلمين شيئا يؤذيهم، كتب الله له به حسنة”. وبهذا، فإنَّ المرور في الطريق العام سواء كان مشيا أو سيرا بالسيارة مُباح لكنه مُقيّد بشرط سلامة العاقبة؛ وذلك من حق المارة والمستعملين الآخرين للطرق العامة.
واختتم هذا النشاط التحسيسي المتميز بعروض نظرية وتطبيقية قدمها رجال الدرك الملكي بسرية بني عياط بشراكة مع سيارة التعليم بساحة المؤسسة، حيث تناولت العروض قواعد السير الآمن ،متناولين أهم المخاطر التي قد تواجه مستعملي الطريق، موضحين سبل تفاديها من خلال الالتزام بالإشارات المرورية واحترام القوانين الجاري بها العمل.
وحظى هذا اليوم التحسيسي بتفاعل كبير من قبل طلبة مدرسة الشيخ سيدي إبراهيم البصير الخاصة للتعليم العتيق ببني عياط، حيث شكل فرصة لتعزيز ثقافة السلامة الطرقية و ترسيخ السلوكيات الايجابية في التعامل مع الطريق .
واختتمت هذه الأنشطة التربوية المتنوعة بتوجيه القائمين على مدرسة الشيخ سيدي إبراهيم البصير للتعليم العتيق، شكرهم العميق وامتنانهم الكبير إلى جميع المساهمين في إنجاح هذا النشاط التحسيسي المتميز شكلا ومضمونا، من أطر إدارية وتربوية، وعناصر الدرك الملكي وسيارة التعليم أطلس بني عياط وسفيان أطو لتعليم السياقة و قانون السير.
