أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

السلامة الطرقية بين صرامة القانون ورهان الوعي: قراءة تحليلية في مخرجات يوم دراسي بالمحكمة الابتدائية بأزيلال(ربورتاج)

أطلس سكوب ـ أزيلال

لم يعد ملف السلامة الطرقية شأناً تقنياً أو أمنياً محضاً، بل أضحى قضية مجتمعية مركبة تمسّ جوهر الحق في الحياة، وتختبر قدرة الدولة والمجتمع معاً على إنتاج سلوك جماعي مسؤول. وفي هذا السياق، احتضنت القاعة رقم 1 بـ المحكمة الابتدائية بأزيلال، بعد زوال يوم الأربعاء 18 فبراير، يوماً دراسياً تخليداً لليوم الوطني للسلامة الطرقية، تحت شعار: «السلامة الطرقية مسؤولية الجميع».

اللقاء، الذي حضره السيد وكيل الملك، ورئيس المحكمة، وقضاة الرئاسة والنيابة العامة، وموظفو الجهاز القضائي، إلى جانب تلاميذ وفعاليات حقوقية وجمعوية، لم يكن مجرد محطة احتفالية، بل فضاءً للنقاش والتفكير الجماعي في سبل الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الحادث إلى منطق الوقاية الاستباقية. وقد أدارت فقراته بكفاءة الأستاذة شيماء أقصبي نائبة وكيل الملك.

العقوبات الإضافية: حين يصبح القضاء خط الدفاع الأخير عن الحق في الحياة

تناولت مداخلة الأستاذ محسن سلطان موضوع العقوبات الإضافية في مدونة السير كآلية لتحقيق السلامة الطرقية، مبرزاً أن حوادث السير تشكل حرباً صامتة ذات كلفة بشرية واجتماعية واقتصادية جسيمة، تستدعي انخراطاً جدياً من المؤسسة القضائية في مواجهتها. وأكد أن المشرع المغربي، إلى جانب العقوبات الأصلية، اعتمد عقوبات إضافية فعالة، وعلى رأسها سحب وتوقيف وإلغاء رخصة السياقة، باعتبارها وسيلة زجرية ووقائية تحقق الردع وتحمي مستعملي الطريق. وأوضح المتدخل الإطار القانوني المنظم لهذه العقوبات، والحالات التي تطبق فيها، مبرزاً الفرق بين التوقيف والإلغاء والسحب، ودور القضاء في تفعيلها دون توسع أو تهاون. كما توقف عند إسهام اجتهاد محكمة النقض في توحيد العمل القضائي، خاصة فيما يتعلق بعدم جواز تمتيع العقوبات الإضافية بظروف التخفيف، وطبيعة القرارات المرتبطة بالإرجاع المؤقت للرخصة. وختمت المداخلة بالتأكيد على أن تحقيق السلامة الطرقية مسؤولية جماعية، وأن العقوبات الإضافية تظل رافعة أساسية لترسيخ السلوك الطرقي المسؤول وحماية الحق في الحياة.

من العقوبة إلى صيانة الحق في الحياة: القضاء في قلب المعادلة

تناولت مداخلة الأستاذ يونس تمغارت موضوع دور النيابة العامة في تحقيق السلامة الطرقية، مبرزاً خطورة حوادث السير باعتبارها آفة مجتمعية ذات انعكاسات إنسانية واقتصادية جسيمة، سواء على الأفراد أو على الدولة. وأكد أن العامل البشري يظل السبب الرئيسي في أغلب الحوادث، رغم تعدد العوامل المرتبطة بالطريق أو المركبة. وأوضح المتدخل أن النيابة العامة تضطلع بدور محوري في الوقاية من حوادث السير، من خلال السهر على التطبيق الصارم لمقتضيات مدونة السير، خاصة ما يتعلق برخصة السياقة، والسياقة تحت تأثير الكحول أو المخدرات، واحترام قواعد التشوير والسرعة. كما أبرز أهمية العقوبات الإضافية، وعلى رأسها توقيف أو إلغاء رخصة السياقة، في تحقيق الردع العام والخاص. وتطرق العرض إلى تدخل النيابة العامة قبل وأثناء وبعد وقوع الحوادث، عبر توجيه الشرطة القضائية، وتتبع المخالفين، وضمان تنفيذ الأحكام القضائية، مما يساهم في الحد من الحوادث وتعزيز السلامة الطرقية. وختم المتدخل بالتأكيد على أن تحقيق السلامة الطرقية مسؤولية جماعية، وأن السلوك الواعي والمسؤول يظل حجر الزاوية في حماية الأرواح.

من الزجر إلى الوقاية: مقاربة تشاركية لحماية الحق في الحياة سنة 2025

قدّم السيد جواد بن دحمان، نائب رئيس الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، مداخلة حول التدابير الوطنية والمحلية المتخذة لتحسين مؤشرات السلامة الطرقية برسم سنة 2025، وذلك في إطار تخليد اليوم الوطني للسلامة الطرقية. وأكد أن شعار هذه السنة، المرتبط بارتفاع ضحايا الدراجات النارية، يعكس وضعاً مقلقاً يستوجب الصرامة القانونية والتوعية والوقاية. وعلى المستوى الوطني، استعرض تقييم المرحلة الأولى من الاستراتيجية الوطنية 2017–2026، التي أفرزت سبعة تحديات كبرى، أبرزها ضعف الحكامة، محدودية المراقبة، ونقص الرقمنة، ما استدعى إعداد مخطط 2026–2030 الهادف إلى خفض الوفيات بنسبة 50% واعتماد مؤشرات أداء أممية، مع التركيز على السرعة، مستعملي الطريق عديمي الحماية، والنقط السوداء. أما محلياً بإقليم أزيلال، فقد تم تنزيل برامج عملية شملت توزيع الخوذات، تأمين محيط المدارس، حملات تحسيسية، تكوين السائقين المهنيين، ودعم الجماعات الترابية. وختم المتدخل بالتأكيد أن السلامة الطرقية مسؤولية جماعية، وأن احترام قانون السير هو احترام للحياة.

الأمن وتحدي تغيير السلوك

قدّم السيد حميد الشهادي، رئيس الدائرة الأولى للأمن بأزيلال، مداخلة وازنة حول دور مصالح المديرية العامة للأمن الوطني في تحقيق السلامة الطرقية، مبرزاً أن حوادث السير لم تعد مجرد وقائع عرضية، بل إشكالاً مجتمعياً مركباً يعكس اختلالات سلوكية ومؤسساتية، في ظل أرقام مقلقة تجاوزت 4250 قتيلاً خلال سنة واحدة. واعتبر المتدخل أن العامل البشري يظل السبب الرئيسي في أكثر من 80% من الحوادث، بسبب السرعة المفرطة، عدم احترام قانون السير، السياقة تحت التعب أو تأثير الكحول، واستعمال الهاتف، إضافة إلى ضعف ثقافة الالتزام الطوعي بإجراءات السلامة. وفي هذا الإطار، استعرض الأدوار المحورية لمصالح الأمن، خاصة فرق المرور ومصالح حوادث السير، من خلال المراقبة الطرقية، المشاركة في لجان السلامة، تأمين محيط المؤسسات التعليمية، والانخراط في برامج التربية الطرقية بشراكة مع وزارة التربية الوطنية والمجتمع المدني. وفي محور الاقتراحات، دعا إلى الانتقال من الزجر وحده إلى مقاربة وقائية مستدامة، ترتكز على تحسيس دائم عبر الوسائط الرقمية، إدماج التربية الطرقية كمادة أساسية، تقنين صارم للدراجات النارية والتروتينات، تنظيم كراء السيارات، والتشديد على ظاهرة السياقة الاستعراضية. وخلص إلى أن السلامة الطرقية ليست كثرة المخالفات، بل سلوك حضاري يبدأ من البيت ويتعزز بالمدرسة ويُصان بالقانون.

الدرك الملكي بأزيلال في مواجهة نزيف الطرقات

قدّم السيد سعيد زهوان، قائد كوكبة الدراجات النارية بأزيلال، مداخلة أبرز فيها الدور المحوري الذي يضطلع به الدرك الملكي في ترسيخ السلامة الطرقية وتكريس ثقافة احترام قانون السير، وذلك في سياق تخليد اليوم الوطني للسلامة الطرقية. وأوضح المتدخل أن سرية الدرك الملكي بأزيلال، وبتنفيذ لتوجيهات القيادة العامة، اعتمدت استراتيجية ميدانية دقيقة ترتكز على تأهيل العنصر البشري، وتحليل المعطيات الواقعية لحوادث السير، مع تحديد “النقط السوداء” التي تعرف ارتفاعاً في الحوادث، وتكثيف الدوريات الثابتة والمتنقلة، خاصة عبر كوكبة الدراجات النارية التي تشتغل ليلاً ونهاراً. وأشار إلى أن هذه الجهود أثمرت نتائج ملموسة، حيث تم تسجيل انخفاض في عدد حوادث السير من 791 حادثة سنة 2024 إلى 640 حادثة سنة 2025، أي بتراجع يناهز 23%. ورغم الإكراهات المرتبطة باتساع الإقليم وصعوبة تضاريسه، أكد أن الالتزام الصارم بالقانون، وتحديث الوسائل اللوجستية، والتنسيق مع النيابة العامة، يظل السبيل الأمثل لحماية الأرواح والحد من السلوكيات المتهورة على الطريق.

واختُتم اليوم الدراسي بنقاش مفتوح، عكس انشغالات المجتمع، خاصة ما يتعلق بالسياقة الاستعراضية، والضجيج الليلي للدراجات النارية، وأهمية التوازن بين التحسيس والزجر.
وقد خلصت أشغال هذا اللقاء إلى قناعة جامعة مفادها أن السلامة الطرقية ليست نتاج قانون صارم فقط، ولا حملات تحسيسية معزولة، بل ثمرة تكامل بين القضاء، والأمن، والمؤسسات التربوية، والمجتمع المدني، في أفق جعل الطريق فضاءً للحياة لا مسرحاً للفقدان.


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد