أطلس سكوب
غصت شوارع درب عمر بمدينة الدار البيضاء، اليوم الأحد 28 يونيو 2026، بآلاف المحتجين الذين استجابوا لدعوة الفدرالية الديمقراطية للشغل للمشاركة في “مسيرة الغضب”، في مشهد أعاد بقوة الملف الاجتماعي إلى واجهة النقاش العمومي، وسط شعارات طالبت بوقف موجة الغلاء، وحماية القدرة الشرائية، والزيادة في الأجور والمعاشات، وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
ولم تكن هذه المسيرة مجرد محطة احتجاجية معزولة، بل تأتي في سياق اجتماعي وسياسي يتسم بتنامي الاحتقان نتيجة استمرار ارتفاع الأسعار، واتساع دائرة الهشاشة، وتزايد الشعور بعدم استفادة فئات واسعة من ثمار النمو الاقتصادي والمشاريع الكبرى التي يشهدها المغرب.
ويذهب عدد من الفاعلين النقابيين إلى أن الاحتجاج يعكس أيضاً رفضاً لما يعتبرونه اختلالاً في توزيع الثروة، واستمرار هيمنة شبكات الاحتكار والمضاربة على عدد من القطاعات الحيوية، بما يجعل كلفة الأزمات تتحملها الفئات المتوسطة والفقيرة، بينما تستفيد منها أقلية من الفاعلين الاقتصاديين. وفي هذا السياق، برز مجدداً في الخطاب الشعبي توصيف “تجار الأزمات” و”الفراقشية” للتعبير عن المستفيدين من موجات الغلاء.
وتعيد هذه التطورات طرح سؤال الدولة الاجتماعية، ليس باعتباره شعاراً سياسياً، وإنما باعتباره امتحاناً عملياً لمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان تكافؤ الفرص، وحماية القدرة الشرائية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وتأتي هذه التعبئة النقابية أيضاً بعد تعثر جولات الحوار الاجتماعي، حيث تعتبر المركزيات النقابية أن مطالبها المتعلقة بالزيادة العامة في الأجور والمعاشات، والوفاء بالالتزامات السابقة، لم تجد التجاوب المطلوب. وفي المقابل، تؤكد الحكومة في مناسبات مختلفة أنها تعمل على التوفيق بين المطالب الاجتماعية والإكراهات المالية والاقتصادية.
وفي قراءة للمشهد، تبدو مسيرة الدار البيضاء أكثر من مجرد احتجاج على الغلاء؛ فهي تمثل مؤشراً على عودة الفعل النقابي إلى قلب النقاش العمومي، ورسالة سياسية واجتماعية مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، مفادها أن الملفات الاجتماعية ستظل حاضرة بقوة في تقييم السياسات العمومية، وأن الاستقرار الاجتماعي يظل رهيناً بإيجاد حلول عملية لقضايا الأجور، والتشغيل، والأسعار، والحماية الاجتماعية.
كما استحضرت المسيرة، في بعدها الرمزي، الذاكرة النضالية للحركة العمالية المغربية، واستعادت محطات تاريخية شكلت منعطفات في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في تأكيد على أن المطالب الاجتماعية تظل جزءاً من مسار طويل للحركة النقابية المغربية.
إن مشهد الآلاف الذين ملؤوا شوارع درب عمر يعكس أن الملف الاجتماعي ما يزال يحتل صدارة أولويات المواطنين. وبينما ترى النقابات أن الاحتجاج وسيلة للضغط من أجل تغيير السياسات الاجتماعية والاقتصادية، يبقى الرهان المطروح أمام مختلف الفاعلين هو إعادة بناء الثقة عبر حوار اجتماعي منتج، قادر على تحويل المطالب إلى إصلاحات ملموسة تحقق التوازن بين متطلبات الاقتصاد وانتظارات المجتمع