أطلس سكوب
يتابع المركز المغربي لحقوق الإنسان، ببالغ الحزن والأسى وبغضب واستنكار شديدين، الفاجعة الإنسانية المؤلمة التي هزت منجم “إغرم أوسار” (البئر الجديد) التابع لمناجم “جبل عوام” بمركز مريرت (إقليم خنيفرة)، التابع لشركة تويسيت (CMT)، إثر حادث مميت في باطن الأرض أودى بحياة ثلاثة عمال منجميين في مقتبل العمر (عاملان توفيا على الفور في قعر المنجم، بينما لفظ الثالث أنفاسه أثناء نقله للمستشفى).
إن هذه الفاجعة لا يمكن قراءتها كـ حادث معزول، بل هي حلقة مأساوية جديدة تنضاف إلى سجل دامٍ من حوادث الشغل القاتلة في مناجم المنطقة؛ نتيجة طبيعية للتغاضي الممنهج عن شروط السلامة والوقاية وتغليب منطق الربح المادي واستنزاف الثروات على حساب حرمة وقدسية الحق في الحياة وظروف عمل تراعي الكرامة الإنسانية.
وتفيد المعطيات المتواترة من عين المكان والتقارير الميدانية المتطابقة أن الحادث وقع داخل نفق بعمق يتراوح بين 500 و600 متر تحت الأرض، أثناء قيام العمال بأشغال الحفر وتثقيب الصخور بواسطة آلة الحفر (“المارطو”)، حيث احتكت الآلة بلغم قديم غير متفجر ومتروك دون تمشيط أمني أو احترام لبروتوكولات مسح مخلفات التفجير، مما أحدث انفجارا مباغتا ومدمرا.
وفي ظل غياب التجهيزات الاستعجالية والطبية القارة الكافية في قعر المنجم، واهتراء مسالك الإغاثة ووسائل الاتصال الداخلي، فقد تسبب الحادث في استنزاف وقت حاسم لإنقاذ حياة الضحية الثالث الذي فارق الحياة أثناء مسافة الإخلاء.
وينبغي الإشارة إلى أن العمال داخل هذه الآبار يعانون من ضعف حاد في شبكات التهوية، وتدفقات المياه المسببة لانهيارات الأتربة، واهتراء المصاعد والنقص الفادح في قطع الغيار، مع العشوائية في تداول واستعمال المواد المتفجرة دون فرض أحزمة الأمان والإخلاء الصارم.
كما يسجل المركز المغربي لحقوق الإنسان بأسف شديد أن هذه الكارثة جاءت بعد مسار طويل من النضالات والاحتجاجات المشروعة التي خاضها عمال مناجم جبل عوام عبر اعتصامات تاريخية مفتوحة في باطن الأرض (على عمق مئات الأمتار تحت الأرض)، كما نظموا مسيرات ووقفات احتجاجية متكررة للمطالبة بتأمين ظروف العمل، وتوفير طبيب قار بالمنجم، واحترام دفاتر التحملات، وضمان التغطية الصحية والتأمين عن حوادث الشغل. فضلا عن تنبيه هيئات نقابية وحقوقية المستمر من خطورة تجميد أو تغييب لجان الصحة والسلامة المهنية بالمنجم هناك.
حيث قوبلت هذه المطالب والتنبيهات بتعنت الإدارة ونهج سياسة الآذان الصماء، وخرق محاضر الاتفاقات السابقة، والتنصل من الالتزامات الاجتماعية والقانونية، وصولا إلى تنظيم العمال لمسيرات على الأقدام صوب العمالة وإدارة الشركة إثر وقوع الحادث للتنديد بالإهمال الجسيم.
إن المركز المغربي لحقوق الإنسان يعتبر ما جرى انتهاكا صارخا للحق في الحياة والسلامة البدنية، المكفول بموجب الفصل 20 و21 و31 من الدستور المغربي، والمواثيق الدولية وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 7)، واتفاقيات منظمة العمل الدولية المعنية بالسلامة والصحة في المناجم :
حيث تتحمل الشركة المستغلة المسؤولية المدنية والجنائية المباشرة عن الإهمال والتقصير والخطأ الجسيم، لعدم توفير بيئة عمل آمنة، وعدم مسح وتأمين مناطق الحفر من المتفجرات غير المنفجرة، وغياب شروط الوقاية الفردية والجماعية.
كما تتحمل وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة (قطاع المعادن) مسؤولية التقصير في الإشراف الفني والرقابي الصارم على المنشآت المنجمية للتأكد من مطابقتها للمعايير المحددة في النظام الأساسي لمستخدمي المقاولات المنجمية.
وتتجلى مسؤولية وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات في الغياب المزمن لجهاز تفتيش الشغل المختص في المناجم، وضعف المراقبة الدورية لمدى احترام المشغّل لمقتضيات مدونة الشغل في شقها المتعلق بالصحة والسلامة المهنية وتفعيل لجان السلامة وحفظ الصحة داخل المقاولة.
وإذ يؤكد المركز أن المسؤولية القانونية عن المأساة لا ينبغي أن تقتصر على تسوية حادث شغل تعويضي بسيط، بل يلزم فتح بحث قضائي لتحديد جرائم القتل الخطأ الناتج عن الإهمال وعدم مراعاة النظم والقوانين الجاري بها العمل، فإنه يسجل بكل أسف استمرار عدم مصادقة المغرب على اتفاقية رقم 176 المتعلقة بالسلامة والصحة في المناجم (المعتمدة من طرف منظمة العمل الدولية سنة 1995)، والتي تنص على مقتضيات متقدمة تلزم المشغلين بالتخطيط الدقيق للوقاية، وحق العامل في الانسحاب فوراً من موقع العمل إذا استشعر خطراً داهماً على حياته دون تعرضه لأي عقاب، وإشراك لجان السلامة بشكل حاسم.
وفي ظل هذا الفراغ، يستند قطاع المعادن في المغرب إلى قوانين وطنية يعتبرها الخبراء متقادمة وغير كافية، أهمها:
• ظهير 24 دجنبر 1960 بمثابة النظام الأساسي لمستخدمي المقاولات المنجمية (رغم بعض التعديلات).
• المقتضيات العامة للصحة والسلامة الواردة في مدونة الشغل (القانون رقم 65.99).
• نصوص تقنية متفرقة لشرطة المناجم وتدبير المتفجرات.
وعليه، يعلن المركز المغربي لحقوق الإنسان ما يلي:
• يقدم أحر التعازي والمواساة لعائلات الشهداء الثلاثة ولعموم الطبقة العاملة المنجمية بمريرت، معلنا تضامنه المطلق معهم في هذه المحنة الأليمة.
• يطالب بفتح تحقيق قضائي نزيه وشامل ومستقل تشرف عليه النيابة العامة المختصة، لكشف أسباب الانفجار وملابسات الإهمال، ومتابعة كل من ثبت تورطه أو تقصيره وترتيب الجزاءات القانونية اللازمة دون إفلات من العقاب.
• يدعو إلى تعويض فوري وعادل وشامل لعائلات الضحايا وذوي حقوقهم، وجبر ضررهم المادي والمعنوي والاجتماعي.
• يطالب بإيفاد لجنة تقنية ورقابية وزارية محايدة ومستعجلة لمعاينة كافة أوراش وبؤر الاستغلال بمنجم جبل عوام، ووقف العمل في المقاطع والآبار التي لا تحترم الشروط الدنيا للتهوية والسلامة والإنقاذ.
• يشدد على تفعيل دور مفتشية الشغل ومصالح المعادن عبر زيارات تفتيش ميدانية دورية ومباغتة للمناجم، وإلزام الشركات ببروتوكولات السلامة الصارمة، وفرض الرقابة على تداول المواد المتفجرة.
• يدعو الشركة المشغلة إلى فتح حوار اجتماعي جدي ومسؤول مع ممثلي العمال والنقابات، والاستجابة الفورية لملفهم المطلبي، ووضع حد للعمل بالوساطة والهشاشة التشغيلية، والاعتراف بتضحيات عمال المناجم كصناع للتنمية الاقتصادية وليس كوقود للأرباح.
• يدعو الدولة المغربية إلى الإسراع بالمصادقة على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 176، المتعلقة بالسلامة والصحة في المناجم. وإعادة النظر في الترسانة القانونية الخاصة بتدبير قطاع المعادن.

