أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

اليوم العالمي للفلسفة بطعم التسامح

محمد الغرباوي *

         بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة الذي يصادف اليوم الخميس 17 من نونبر 2016، والذي اختارت له منظمة اليونسكو موضوع التسامح كشعار لهذه السنة، أحببت أن أشارك القراء الأفاضل هذه المناسبة الفكرية الفلسفية بورقة حول موضوعة التسامح. 

        إن تقدم البشرية وازدهارها رهين بإقرار مجتمع حداثي قائم على السلم والتعايش والتسامح، وحامل لقيم العقلانية والحرية والديمقراطية وحقوق الانسان. لقد كانت هذه هي الأسس التي اعتمد عليها التحديث الغربي منذ تقريبا فترة الأنوار وكان التفكير الفلسفي حامل لوائها.

        نحن نعلم أن الوجود الانساني يقوم بصفة عامة على التناقضات المتلازمة فيه، فلولا المرض لما عرفنا معنى الصحة، ولولا الحرب لما عرفنا قيمة السلام، ولولا الكراهية لما عرفنا معنى الحب، ولو لم يكن هناك تعصب وتطرف لما عرفنا معنى التسامح.

        لذلك سنبدأ أولا بالحديث عن نقيض التسامح الذي هو التعصب والتطرف. الكل سيتفق على أن التعصب ظاهرة اجتماعية ليست وليدة اليوم، بل ظاهرة قديمة في التاريخ، تزداد خطورتها عندما تتخذ أشكالا عدوانية، فهي منتشرة في مناطق مختلفة من العالم، في ثنايا العلاقات بين الأمم، بين الأديان وبين التنظيمات السياسية.

       التعصب عند أهل الحكمة يقصد به غلو المرء في اعتقاد الصحة بما يراه، حتى يحمله هذا الغلو الى اقتياد الناس لرأيه بالقوة ومنعهم من إظهار ما يعتقدون. ويمكن فهمه كمغالاة في الانتماء الى جماعة معينة، وتحويل هذا الانتماء الى استعلاء مصحوب برفض الآخر المخالف لنا.

        إن القيم الأخلاقية السامية تقتضي منا التجرد والابتعاد عن كل أشكال التعصب والتطرف والسماح بالمقابل للآخر المخالف بالتعبير عن رأيه والدفاع عنه حسب ما تقتضيه الموضوعية والديمقراطية مع القبول المسبق بالاختلاف.

        قبول الحوار في حد ذاته اعتراف بالغير وبحقه في الدفاع عن آراءه بكل حرية. كما قال ” فولتير ” :” قد أختلف معك في الرأي ولكني مستعد أن أدفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير عن رأيك “.  فقبول الحوار لا يؤدي بالضرورة الى تغيير الرأي أو التخلي عنه، وفي هذا إقرار باختلاف الأذواق والمواهب والقدرات. وبهذا يكون للتسامح دور كبير في تجاوز الصعوبات والخلافات.

         لقد ساهم مجموعة من الفلاسفة والمفكرين في ترسيخ مبادئ التسامح والتواصل والاختلاف، وذلك بنشر الفكر العقلاني الفلسفي. فلا يوجد علاج لهذا الداء المعدي ( التعصب ) إلا الروح الفلسفية التي بانتشارها شيئا فشيئا تتهذب أخلاق البشر كما يقول ” فولتير “.

         إن مهام فلسفات الاختلاف والفلسفة بصفة عامة أن توجه الانسان الى كيفية تعامله مع الآراء والاعتقادات، إنها تجعله يدرك أنه ليس هناك رأي واحد وأحادي، بل هناك آراء متعددة ومختلفة تسعى الى إثبات ذاتها ببراهين وحجج معقولة. كما أن الوعي بالتعددية والاختلاف يجعل الفكر الانساني منفتح على عالم أوسع عوض التعصب والانغلاق. فالذين لا يؤمنون بالاختلاف حسب ” دريدا ” همهم الوحيد هو ممارسة الرقابة الذهنية على الآخرين.

      فالزهرة عندما تتفتح تفوح رائحتها لتغزو كل الاتجاهات وكل الاركان، فكل شيء متوقف على تفتح الزهرة. كذلك الانسان فمن غير الممكن أن يفوح عطره وهو منغلق على ذاته، إذا لم تزهر ذات الانسان فلن ينتشر عطر التسامح. فطالما تزهر فهذا يعني أنك أشبه بالبرعم، ما إن تتفتح حتى يفوح عطرك وتنتشي بالرقص على أنغام الحياة.

   أكيد أن الأطروحات التي يتم الترويج لها من قبيل صراع الحضارات والثقافات والأديان من شأنها أن تسقطنا في مزالق التعصب والتطرف، والسبيل الوحيد للوقوف ضد هذه الأطروحات التشاؤمية هو تعزيز قيم التسامح.

   نحن نعلم أن التفكير الفلسفي ليست له مردودية على المستوى المادي، بل له مردودية  على مستوى تكوين الانسان، تكوين المواطن المتوازن القادر على التكيف، يعلمنا كيف نتساءل،  كيف نقبل الاختلاف… فالتشبع بالروح الفلسفية يكسبنا مناعة ضد داء التعصب والتطرف.

* أستاذ مادة الفلسفة بالمديرية الاقليمية لتاوريرت- المغرب

مراجع :

   – أضواء على التعصب، مجموعة مؤلفين، دار أمواج للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1993.

  – رسالة في التسامح، جون لوك، ترجمة منى أبو سنه، المجلس الاعلى للثقافة، مصر، 1998.

  – مقاربات في الحوار والمواطنة ومجتمع المعرفة، محمد مصطفى القباج، منشورات دار ما بعد الحداثة، الطبعة الأولى 2006 .

  – الفلسفة والمدينة، وقائع يوم دراسي، مجموعة من الأكاديميين، المدرسة العليا للأساتذة مكناس، الطبعة الأولى 2003.


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد