أطلس سكوب
من الطبيعي أن تتنافس الأحزاب في تقديم حصيلتها والدفاع عن اختياراتها وبرامجها، لأن هذه هي طبيعة الاستحقاقات الانتخابية. لكن قراءة المشهد السياسي لا تكتمل إلا باستحضار مسار من القرارات والإصلاحات التي طبعت السنوات الماضية، وخاصة الفترة ما بعد دستور 2011، والتي كان لها أثر مباشر على الموظفين والأجراء والشباب والطبقة المتوسطة والأسر المغربية عموما.
البداية الأبرز في نظري تعود إلى حكومة عبد الإله بنكيران، التي قادها حزب العدالة والتنمية، حين دخلت الدولة في ورش إصلاح صندوق المقاصة، وانتهت إلى رفع الدعم عن المحروقات وتحرير أسعارها. وكان محمد بوسعيد، وزير الاقتصاد والمالية آنذاك والمنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، من أبرز المدافعين عن الاختيارات المالية والاقتصادية للحكومة. وقد شكل تحرير المحروقات تحولا كبيرا في علاقة المواطن بالسوق، إذ أصبحت الأسعار أكثر ارتباطا بتقلبات السوق الدولية، وانتقلت انعكاسات ارتفاع كلفة الطاقة إلى النقل والإنتاج وتوزيع السلع والخدمات.
وفي المرحلة نفسها، أقدمت حكومة بنكيران على إصلاح نظام التقاعد، وهو الإصلاح الذي شكل أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى الموظفين. فقد تم رفع سن التقاعد تدريجيا إلى 63 سنة، ورفع نسبة المساهمات، إلى جانب تغيير قواعد احتساب المعاش. وكانت الحكومة تعتبر هذه الإجراءات ضرورية لإنقاذ نظام يواجه اختلالات مالية متزايدة، بينما رأت النقابات والموظفون فيها تحميلا لفئة الأجراء والموظفين جزءا كبيرا من كلفة اختلالات لم تكن من صنعهم.
ولم يتوقف أثر هذا الإصلاح عند حكومة بنكيران، إذ واصلت حكومة سعد الدين العثماني، التي قادها حزب العدالة والتنمية أيضا، تنزيل مقتضياته. وخلال ولايتها ارتفعت مساهمة الموظفين تدريجيا إلى أن بلغت 14 في المائة سنة 2019. وبذلك امتد الإصلاح من ولاية إلى أخرى، وأصبح الموظف أمام سنوات إضافية من العمل ومساهمات أكبر في نظام التقاعد، في مقابل تغيير طريقة احتساب معاشه.
وفي علاقة الحكومة بالعمل النقابي، شكل الاقتطاع من أجور المضربين محطة أخرى في تجربة العدالة والتنمية. فحكومة بنكيران جعلت منذ سنة 2012 الاقتطاع من أجور المضربين سياسة حكومية واضحة وواسعة التطبيق، ودافعت عنه باعتباره ترجمة لمبدأ الأجرة مقابل العمل. ورغم أن الأساس القانوني للاقتطاع كان سابقا على حكومة بنكيران، فإن هذه الحكومة هي التي جعلت تطبيقه عنوانا بارزا في علاقتها بالنقابات. ولم تعرف حكومة العثماني قطيعة مع هذا التوجه، واستمر الجدل حول الإضراب والاقتطاعات والعلاقة بين الحكومة والحركة النقابية خلال ولايتها.
ومع وصول حكومة عزيز أخنوش إلى السلطة، انتقل مركز الجدل إلى ملفات أخرى، كان بعضها مرتبطا بالشباب والوظيفة العمومية. ففي قطاع التعليم، كان شكيب بنموسى، وزير التربية الوطنية المنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، في واجهة قرار تسقيف سن الولوج إلى مباريات التعليم في 30 سنة. وقد أثار القرار احتجاجات قوية، خصوصا في صفوف حاملي الشهادات الذين وجد عدد منهم أنفسهم خارج مباريات التوظيف بسبب تجاوز هذا السن، قبل أن ترفعه الحكومة إلى 35 سنة عقب احتجاجات جيل z.
وفي السياق نفسه، جاءت إجراءات أخرى تمس القدرة الشرائية بشكل مباشر، من بينها تقليص الدعم الموجه إلى غاز البوتان ضمن إعادة هيكلة منظومة الدعم، حيث ارتفع سعر قنينة الغاز من فئة 12 كيلوغراما بعشرة دراهم في المرحلة الأولى. ومرة أخرى قدمت الحكومة الخطوة باعتبارها جزءا من إصلاح منظومة الدعم وتوجيهه نحو الأسر، بينما تلقاها المواطن باعتبارها زيادة جديدة في كلفة الحياة اليومية.
وفي الحكومة نفسها، برز حزب الأصالة والمعاصرة في عدد من الملفات التي تحولت إلى عناوين لنقاشات اجتماعية ومهنية واسعة. فقد كان يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات والقيادي في الحزب، في واجهة القانون التنظيمي للإضراب. وقدمت الحكومة القانون باعتباره تأطيرا لحق دستوري وتنظيما لممارسة الإضراب، في حين اعتبرت النقابات أن عددا من مقتضياته يفرض قيودا وشروطا جديدة على ممارسة هذا الحق.
وفي قطاع العدل، كان عبد اللطيف وهبي، وزير العدل والأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، في قلب ورش إعادة تنظيم مهنة المحاماة. وقد عرف هذا الملف ولا يزال توترا واضحا بين الوزارة والهيئات المهنية، وتحول إلى واحدة من أبرز المواجهات المهنية خلال الولاية الحكومية الحالية. وبصرف النظر عن المواقف المتباينة من مضامين القانون، فإن طريقة تدبير الملف جعلته جزءا من النقاش الأوسع حول علاقة الحكومة بالهيئات المهنية.
أما في التعليم العالي، فقد دخل عز الدين ميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، في جدل الرسوم المرتبطة ببعض مسالك التكوين بالتوقيت الميسر، حيث أثارت المبالغ المحددة جدلا واسعا حول حدود مجانية التعليم العالي وكلفة التكوين المستمر بالنسبة إلى الموظفين والأجراء. وقد قدمت الوزارة هذه الرسوم في إطار خاص بفئات معينة، وليس باعتبارها رسوما عامة على عموم الطلبة، غير أن النقاش كشف مرة أخرى عن حساسية الانتقال من التعليم المجاني إلى صيغ يكون فيها الأداء جزءا من الولوج إلى بعض أنواع التكوين الجامعي.
وبذلك أصبح الأصالة والمعاصرة حاضرا، من خلال وزرائه، في ثلاثة ملفات شديدة الحساسية: الإضراب مع يونس السكوري، والمحاماة مع عبد اللطيف وهبي، والتعليم العالي مع عز الدين ميداوي. وهي ملفات تختلف في طبيعتها، لكنها تلتقي في كونها مست جوانب مرتبطة بالحقوق المهنية والاجتماعية أو بكلفة الولوج إلى بعض الخدمات العمومية.
أما ملف دعم استيراد المواشي، أو ما عرف شعبيا بملف “الفراقشية”، فقد أضاف بعدا آخر إلى النقاش حول مسؤولية الأغلبية في مراقبة المال العام. ومن المهم هنا التمييز بين الوقائع الموثقة والروايات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. فلم يحدث، وفق المعطيات المتاحة، تصويت في مجلس المستشارين بالشكل الذي روجت له بعض المنشورات حول رفض لجنة لتقصي الحقائق. لكن في مجلس النواب، كانت هناك مبادرة للمعارضة من أجل تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول الدعم الموجه لاستيراد المواشي، في حين أعلن فريق التجمع الوطني للأحرار عدم انخراطه في المبادرة.
وعند وضع هذه المحطات في سياقها الزمني، تظهر أمامنا صورة أكثر وضوحا. حزب العدالة والتنمية قاد حكومتي بنكيران والعثماني، وخلالهما تم تحرير المحروقات وإصلاح المقاصة والتقاعد، كما تحول الاقتطاع من أجور المضربين إلى سياسة حكومية معلنة. ثم جاءت حكومة أخنوش، التي يقودها التجمع الوطني للأحرار وتشارك فيها أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال، لتفتح ملفات أخرى، من تسقيف سن التوظيف في التعليم إلى قانون الإضراب وإصلاح مهنة المحاماة والرسوم المرتبطة بمتابعة الدراسة الجامعية، إلى جانب تدبير ملفات الدعم التي أثارت نقاشا واسعا حول الشفافية والمساءلة.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه القرارات كانت بلا مبررات اقتصادية أو مؤسساتية. فإصلاح التقاعد كان مرتبطا باختلالات مالية حقيقية، وإصلاح المقاصة استهدف تخفيف العبء عن الميزانية، وتنظيم الإضراب ظل مطلبا دستوريا مؤجلا، كما أن تنظيم مهنة المحاماة وإعادة هيكلة بعض أنماط التكوين الجامعي يمكن أن تكون لها دوافع مهنية وأكاديمية. غير أن وجود مبررات للإصلاح لا يلغي ضرورة تقييم كلفته الاجتماعية ولا يعفي الأحزاب من تحمل مسؤوليتها السياسية عن اختياراتها.
المشكلة التي تستحق النقاش هي أن المواطن المغربي ظل في عدد من هذه المحطات هو الطرف الذي يتحمل جزءا واضحا من كلفة الإصلاح: الموظف اقتطع من أجره وامتد سن عمله، والأسرة واجهت ارتفاع كلفة الطاقة، والشاب اصطدم في مرحلة من المراحل بحاجز الثلاثين سنة في التوظيف، والأجير والنقابي دخلا في نقاش متواصل حول حدود ممارسة الإضراب، والمهنيون وجدوا أنفسهم أمام قوانين جديدة، والطالب الموظف أمام كلفة إضافية في بعض مسالك التكوين.
هذه هي الذاكرة التي ينبغي أن تكون حاضرة في الاستحقاقات الانتخابية. ليست ذاكرة للانتقام السياسي، وإنما ذاكرة للمساءلة. فالأحزاب التي شاركت في الحكم مطالبة بأن تقدم حصيلتها كاملة، بما لها وما عليها، وأن تشرح للمواطن دوافع القرارات التي اتخذتها، كما أن الناخب من حقه أن يميز بين من تحمل المسؤولية ومن عارض ومن دعم ومن تحفظ.
عبدالمالك اهلال