المسلك سعيد
دفعني لتقديم وجهة النظر هذه ، الكثير من الملاحظات التي استخلصتها من عدة لقاءات للمجتمع المدني الفاعل في المجال الجبلي و الذي يناضل من أجل حث الدولة و الحكومة على تحسين ظروف عيش ساكنة المناطق الجبلية من خلال رؤية جادة وإستراتيجية محكمة للخروج بمجال الجبل من الوضع الذي هو عليه . فسواء تعلق الأمر بالاحتفاء باليوم العالمي للجبل من طرف الهيئات المدنية الفاعلة في هذا الحقل ، أو من خلال الملتقيات التي نظمتها في سياق الدينامية الترافعية الوطنية للائتلاف المدني من أجل الجبل ، و عديد اللقاءات الجهوية و الوطنية الموضوعاتية التي تسعى إلى تفعيل الخطوات التأسيسية على مستوى الأقطاب الجبلية الأربعة الكبرى بالمملكة (لقاءات : أزيلال ، أزرو ، خنيفرة ، الشاون ، تنغير … نموذجا ) ، أو على مستويات أخرى ، يبقى العمل من أجل الجبل و ساكنته بعيدا عن الإقناع رغم الجهود الإيجابية الملموسة للمجتمع المدني في هذا الصدد.
المجتمع المدني في الجبل اليوم،عليه تحمل مسؤوليته الجسيمة في الترافع من اجل تحسين أوضاع عيش ساكنة المناطق الجبلية. الدستور الأخير على علته ، يمكن الجمعيات والمواطنين من عدة آليات ووسائل ، تشكل في حد ذاتها مداخل مهمة من اجل ترافع قوي في العديد من القضايا منها قضية الإدماج الحقيقي للجبل في التنمية . الدستور الأخير– كما يؤكده بعض المهتمين بمجال العلوم السياسية – قطع شوطا آخر بعد أن كان مقتصرا على مجرد ” إعلان الفصول ” ليمر إلى مرحلة “وضع الضمانات” ،و ليصل اليوم إلى مرحلة “التمكين “.( الفصول مثلا : 154،167 ، 169 ، 170… الخ ) و المرتبطة بمختلف قضايا و هموم المجتمع المغربي كوضعية المرأة ، الحكامة الجيدة ، الطفولة وقضايا الشباب …الخ. .كلها مداخل مهمة وجب استثمارها من اجل تحسين جودة الفعل العمومي والمبني على مختلف المقاربات المعروفة . المجتمع المدني اليوم ،لا يمكن أن يلعب فقط دور الاستشارة أو الاقتراح ، بل عليه أن يمر إلى شوط المرافعة و التي بدأ يعي مؤخرا بأهمية التشبت بها لتحقيق الأهداف المتوخاة .
الجبل وقضاياه ، يتطلب الآن وأكثر من أي وقت مضى ، الرفع من ” درجة الانخراط “Taux d’implication ” في الترافع من اجل مستقبل أفضل ،ويتطلب القطع مع “الإكثار” من النقد ومجرد إعطاء المقترحات في ما يشبه ” الآمر السلبي ” الذي تمتلئ من أمثاله الشوارع والمقاهي ، والذي لا يحب الانخراط الفعلي في جوهر القضايا المطروحة ، بقدر ما يستلذ بنقد الفاعلين وانتقاد معطيات الواقع ، ليس إلا.
فالمجتمع المدني اليوم، يواجه عدة مشاكل من أهمها أيضا، إضافة إلى النقطة المشار إليها آنفا، إشكالية ” عدم ملاءمة الوسائل لما تطرحه الفصول الدستورية ، أي أن الإشكال هو غياب التطبيق الفعلي في مقابل ترسانة قانونية هائلة على الصعيد العربي. وهذا يحيلنا إلى ما أورده Paul-PASCON في مسألة الملاءمة في كتبه عن ” جدلية القانون والمجتمع “. لهذا ذكرنا سابقا أن المسؤولية الملقاة على عاتق هذا المجتمع المدني جسيمة للغاية بالنظر للمعيقات التي تعترضه ، الذاتية منها والموضوعية .
بالرجوع إلى الجبل وقضاياه ، نلاحظ أنه يمثل الحلقة الأضعف في سلسلة السياسات العمومية للدولة المغربية ، لذا يبقى الترافع القوي المشجب الحقيقي الذي تعلق عليه أسباب التنمية الحقيقية بهذا المجال الغني والحيوي .
يستحق الجبل أكثر من اهتمام .فساكنته لا تحتاج إلى الإعانات الإحسانية بقدر ما تحتاج إلى تنمية حقيقية في إطار مقاربة براكماتية / نفعية ، ليس فقط من طرف الدولة كمسؤول أول ورئيسي على تنمية جميع مناطق التراب الوطني الذي تسيره وتدبر شؤونه الإدارية والاقتصادية فحسب ، ولكن أيضا من طرف الفاعلين السياسيين بمختلف المجالس المنتخبة ، محليا، جهويا ، ووطنيا . إذ لا يعقل أن يكون الاهتمام بالجبل موسميا ، وأن يرد في أجندة بعض الأحزاب ، كلما اقتربت حمى الانتخابات الجماعية والتشريعية، كما لاحظنا ذلك قبيل الاستحقاقات الأخيرة حيث لا يخلو شعار لافتة أي لقاء أو تجمع إقليمي أو جهوي لجل الأحزاب من ذكر كلمة جبل أو بعض مشتقاتها اللغوية. .
وعلى ذكر الدولة والأحزاب ، فقد تم سن مجموعة من القوانين والمراسيم حول الجبل ،لكنها تبقى مجرد حبر على ورق ولا ترقى إلى مستوى التطلعات : (2009 مقترح قانون لإحداث ” مجلس وطني للمناطق الجبلية ووكالات خاصة بالكتل الجبلية “،والذي جاء نتيجة ما عاشته ساكنة بعض المناطق الجبلية من مآسي شتاء 2008 . ثم مصادقة المجلس الحكومي على مشروع قانون ل”إنشاء اللجنة الوزارية الدائمة للتنمية القروية ومناطق الجبال ” ، وذلك يوم 17 يناير 2013، ثم النقاش الطويل حول إخراج القانون التنظيمي للمناطق الجبلية ، داخل قبة البرلمان 29 يونيو 2014، دون أن ننسى مناقشة قانون تنمية المناطق الجبلية في جلسة 13 ماي 2014 الخاصة بالأسئلة الشفوية ، والذي ربما أفضى إلى تخصيص 2 مليار درهم لصندوق التنمية القروية .
كل هذه الخطوات تبقى غير مقنعة في نظر المجتمع المدني المهتم بالجبل وقضاياه التنموية ، ما لم يسن قانون خاص بالجبل ، والذي دعت إليه الكثير من الجمعيات في توصياتها الختامية إبان مناظرات أو ملتقيات جهوية أو إقليمية . كما أن استلهام تجارب بعض الدول الرائدة في هذا الصدد ، من خلال إدماج الجبل في الدستور ، يبقى أساسيا ( الدستور الاسباني نموذجا.). وفي هذه النقطة الأخيرة ،لابد من الإشارة إلى أن المجتمع المدني، في نظرنا ، قد أخطأ اللحظة التاريخية عندما لم يقم باستغلال واستثمار الحراك الاجتماعي الجماهيري لحركة 20 فبراير المجيدة، من اجل طرح قضايا الجبل كمطلب دستوري قائم بذاته.
المجتمع المدني اليوم أيضا، يجب عليه الانتباه كي لا يلعب دور ” رجل الإطفاء ” الذي يتدخل لإخماد ” نيران فشل الدولة في عملها التنموي الفاتر ببعض مناطق البلاد . الجمعيات تبقى مشاركة ، مقترحة ومترافعة ، ومتتبعة ، ومكرسة أيضا لدور ” الفزاعة ” و ” الراصدة ” لمدى تنفيذ الدولة لالتزاماتها الرسمية بشأن التنمية .الجمعيات اليوم ، يجب أن تسهب في طرح السؤال التحذيري التالي للدولة والحكومة : ” ما تكلفة إهمال الجبل وعدم إدماجه في التنمية ؟” ، ونحن نلاحظ اليوم ما أصبح عليه الجبل عالميا في بعض المناطق من مرتع خصب للعنف ونصب الكمائن وزرع بذور العدوانية، حتى تحول من مجال للتأمل والإبداع والسلم إلى مسرح للفزع والرعب ! للأسف الشديد .
في علاقة بالحكومة الحالية بالمغرب ، يتساءل العديد من الفاعلين الجمعويين عن تخلف التنمية بالمناطق الجبلية رغم آن أغلبية وزرائها منحدرين من البيئة الجبلية وحتى الأمازيغية : ، المرحوم باها ( لاحظ تعثر التنمية بمناطق الأطلس الصغير المحادي لسوس )، الداودي (لاحظ التنمية البطيئة جدا بأزيلال ) ، لعنصر( قم بزيارة لمرموشة و نواحي بولمان النائية لتقف على هول الخصاص التنموي لمنطقة وزير تقلد عدة مناصب سامية منذ الثمانينات !) ، أخنوش ، …..الخ ! . هذا ، دون أن ننسى الوزراء ” الجبليين ” القدامى : بوفتاس ، الدمناتي ، أمسكان و غيرهم كثير.. الإجابات قد تختلف ويبقى أهمها في نظرنا المتواضع ما يلي :
أ) رفض الوعي بالانتماء للجبل حتى من طرف هؤلاء المسؤولين الساميين أنفسهم ، إذ لا يقتصر هذا الرفض على الساكنة العادية ( كما يحدث مثلا في أوساط الطلبة بالجامعات في المدن ، عندما يرفض أحدهم الإفصاح عن مسقط رأسه الحقيقي ويقول للسائل : (أنا من جوايه الحوز ، أو جهة بني ملال الخ ….) ، فقد لحقت هذه العدوى حتى الوزراء أنفسهم : أحمد التوفيق سنة 2002 ، تم تقديمه في النبذ المختصرة المصاحبة للتعريف بالحاملين لمختلف الحقائب الوزارية حينئذ ، على أنه من ” منطقة مريجة ” !!!!؟، لتفادي ذكر مسقط رأسه الجبلي . الوزير الداودي ، كثير الارتباط بذكر بني ملال أكثر من ذكره لمنطقة أزيلال. أحد الحقوقيين البارزين من أبناء المنطقة رفض أكثر من مرة ذكر الانتماء إليها ، بل يفضل ذكر كرسيف التي اشتغل فيها والده عسكريا …الخ . هذه باختصار إشكالية ” عقدة مسقط الرأس” إن صحت تسميتها كذلك . فماذا تنتظر من مسؤول جبلي ، بهذه العقدة وفي هذا الصدد ؟ . وأعتقد في هذا السياق أن وزارة التربية الوطنية ، تتحمل مسؤولية كبيرة في إعداد برامج تربوية تركز فيها على أهمية الهوية الجبلية وأهمية المجال الجبلي ، في عقول الأطفال والناشئة ، كي نزرع فيها الوعي بالأهمية القصوى للجبل والافتخار بالانتماء إليه.
ب) التبعية و انتظار المبادرات الملكية وغياب الإيمان بالمبدأ بشكل مسبق وفطري . معنى هذه الإشكالية ، أن المسؤول أو حتى المناضل أحيانا في المغرب ، لا يبادر بالإفصاح عن استعداده لتحمل مشاق الدفاع عن قضية معينة ، حتى يرى الملك يبادر فيها بقرارات معينة : فقبل خطاب أجدير مثلا ، كان عدد المناضلين الحقيقيين ممن تجرعوا مرارة نضال طويل حول القضية الأمازيغية ، يعد على أطراف الأصابع ، لكن بعد الخطاب الملكي ، طفا على الساحة الوطنية وابل عظيم من ” المناضلين ” والمهتمين فجأة ، لينصبوا أنفسهم مدافعين عن القضية ، وكثر عدد الأشخاص الذين يلفون الكشكول الأمازيغي الثلاثي الألوان حول أعناقهم ….الخ ، وكأن الجميع ينتظر دوما أن يبادر الملك ، ليتدخل وينخرط ويعبر … الخ .
ج ) هناك إشكالية أخرى .وهي قديمة .عبر عنها عبد اللطيف اللعبي في إحدى كتبه ” الاستسلام لأخس تجارة ، تجارة شراء وبيت الصمت ” ، ومعنى ذلك أن المسؤول السامي ، ما أن يصل إلى القمة ، حتى يستسلم في الكثير من الأحيان ، لسلطة الإغراءات والمساومات والتي تدمر مسيرته النضالية تدميرا ، وتحطم إيمانه بالمبادئ التي ظل وفيا لجوهرها لفترة طويلة من الزمن عندما رفض كل موجات التهجين وامتنع عن الانخراط فيها يوما.
د ) هناك أيضا ، إشكالية تبعية الإعلام ، وهذه النقطة لها علاقة بالمشكل (ب). فباستحضار مأساة ” أنفكو”، نعلم جميعا اليوم أن الفضل كل الفضل في إخراج هذه الفضيحة /المأساة إلى الرأي العام يرجع إلى جريدة فرنسية ، ولم يتحرك الإعلام الوطني إلا بعد أن فاحت رائحة هذه القضية التي اضطر معها القصر للتدخل سريعا ، وبعد ذلك طبعا ، غردت المنابر الإعلامية (2M و RTM) تغريدا..
ه ) قوة النظام كجهاز متحكم في كل شيء( إعلام ، مؤسسات مالية واقتصادية داعمة للاقتصاد الوطني …الخ ، ونهج الحكومات المتعاقبة لسياسة ” تقزيم سقف المطالب ” بتواطؤ أحيانا حتى مع بعض الفئات “المناضلة” ، من خلال منح الدولة للجبل امتيازات بسيطة للغاية ، لا تراوح درجة المعيش اليومي البسيط . وهي سياسة ناجحة إلى حد كبير بالنظر لما نشاهده من ارتسامات ايجابية للمواطن المتضرر من قساوة البرد مثلا ، على شاشات التلفاز …
باختصار ، المشاكل كثيرة وعديدة ، ويبقى تفاؤل الإرادة هو السلاح الأكيد لمحاربة تشاؤم العقول ، كما يقول انطونيو كرامشي . كما يبقى على جمعيات المجتمع المدني اليوم القيام بدور جوهري بالغ الأهمية في الجبال ، ألا وهو الدفاع عن الجبل والترافع عن قضاياه العادلة برفع سقف المطالب ، مع ضرورة نشر التوعية و التحسيس بالمشاكل التنموية بالمجال الجبلي في أوساط الساكنة. لأنه كما يقول أحد المفكرين الأجانب :
« La prise de conscience du problème est déjà une étape importante pour essayer de trouver les moyens convenables de le dominer. »
حيا على العمل !.