خالد فاتيحي
تعد فكرة تأسيس لجنة لجمع تراث الراحل، (الشفوي والكتابي) عبد الله بها-التي صدرت بقرار من المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح بتاريخ 13 دجنبر 2014- والذي وافته المنية مساء يوم الأحد 7 دجنبر 2014، بعد أن دهسه قطار بالقرب من مدينة بوزنيقة، محاولة لرصد مختلفات محطات حياته رحمه الله والوقوف على اهم المنعطفات التاريخية الاي ساهم فيها وبصمها بنفاذ فكره، ورجاحة بصيرته وحضور شخصيته المتميزة بالفرادة ولين الجانب .
واستند عمل اللجنة، التي يرأسها محمد يتيم النائب البرلماني، عن حزب العدالة و التنمية، وأحد أكثر القيادات التي عاشرت المرحوم، وفق ما أورده موقع البيجيدي، على ما تناولته الصحافة الوطنية، وما تم توثيقه في الوسائط السمعية و البصرية، و مما خطته أنامل رفاق دربه ومحبوه، انطلاقا من مهد ولادته بمنطقة جماعة إفران الأطلس الصغير بإقليم كلميم، والتي بدأ دراسته الابتدائية بها، مرورا بانتقاله إلى مدينة أكادير لمتابعة دارسته الثانوية بثانوية يوسف بن تاشفين، رفقة عدد من رفاق دراسته في مقدمتهم سعد الدين العثماني رئيس المجلس الوطني الحالي لحزب “المصباح”.
واستمر رصد سيرة الراحل، لما صاحب ذلك من أحداث وقائع وسمت تاريخه الطلابي، بعد التحاقه بمعهد الحسن الثاني للزراعة و البيطرة بالرباط، وصولا إلى انخراطه في العمل الإسلامي الدعوي، من خلال جماعة الدعوة و التبليغ سنة1975، قبل أن ينتقل إلى الشبيبة الإسلامية سنة 1978، في سبعينيات القرن الماضي، ثم جمعية الجماعة الإسلامية فيما بعد، إلى أن استقر به الحال في حركة التوحيد والإصلاح 1994، بعد الاندماج الذي حصل بين رابطة المستقبل الإسلامي، وحركة الإصلاح و التجديد، التي كان بها أحد قياديها البارزين، وأحد الذين ساهموا في هذا التحول المفصلي، الجديد الذي كان له ما بعده.
هذه الأحداث، وغيرها لعب المرحوم بها دورا محوريا في صياغة جملة من معالمها، حيث إنه في كل محطات هذا المسار نجد للراحل بصمات ولمسات، ومواقف وفق ما يذكره كتاب ” سيرة و مسار”، وطبعا كان هذا التاريخ الحافل بالدروس والعبر يمكن أن يطاله النسيان، و لم يكن أحد ليطلع عليه، من غير الذين عايشوا الراحل وساهموا إلى جانبه في صناعته، حيث صار (التاريخ) شاهدا على عظم تلك المجهودات، التي قطفت ثمارها فيما عبد، وبعد وفاته.
لجنة جمع تراث عبد الله قالت في تقديمها لكتاب ” سيرة ومسار” الذي يوثق لسيرة الراحل، وآُثاره إنها انتدبت نفسها لجمع كلما كتب عن بها خلال الأيام التي تلت وفاته رحمة الله عليه، مشيرة إلى أنه من باب الوفاء للراحل بها، الذي كان شاهدا في صمته و تأمله، فإنها جعلت باكورة عملها جمع كافة الشهادات التي ذكرت في حقه، وتصنيفها و تحليلها بطريقة منهجية.
محمد يتيم منسق اللجنة، قال إن الأستاذ بها هو اليوم أكثر حضورا بين أظهرنا أكثر من أي وقت مضى، لأنه بغيابه أدركنا حجم الموقع الذي كان يشغله سواء في صمته، وكلامه أو في نطقه، وتأكيده رحمة الله أن الإصلاح هو حال قبل أن يكون مقالا، مضيفا أنه (بها) أصبح أكثر شهادة على جيله و أقرانه في غيابه.
بحسب الشهادات التي جمعها كتاب ” سيرة ومسار” فإن الكل سواء تعلق الأمر بأعضاء حزب العدالة و التنمية، وحركة التوحيد والإصلاح، اللذين كان المرحوم من مؤسسيهما و قيادييهما، أومختلف الشركاء والفرقاء في المشهد الوطني المغربي، يجمع على أن الراحل بها كان مدرسة فريدة تمشي على رجلين، و أنه رجل دولة بكل المقاييس، أوتي الحكمة والقدرة على استخلاص الحلول لأعقد المشكلات.
ويذكر أغلب الفاعلين، والشخصيات السياسية والمدنية، التي تحدثت عن مسار الراحل بها، ممن عاصروه، أو اشتغلوا إلى جانبه، أن المرحوم كان سياسيا محنكا، فلم يكن الراحل، بحسبهم مجرد مهندس تطبيقي في التكنولوجيا التطبيقية، وهو الدبلوم الذي حصل عليه من معهد الحسن الثاني للزراعة و البيطرة بالرباط سنة 1979، بل كان أيضا بحسب نفس المصادر، “مهندس مسيرة الحركة الإسلامية في المغرب، ومهندسا للتحول الكبير الذي طرأ على آليات إنتاج السلوك الحركي، لدى أبناء الصحوة الإسلامية، خاصة تيارها، الذي كان يؤمن بالعمل السياسي والإصلاحي، من داخل المؤسسات الرسمية”.
ويسرد الكتاب، قصة عبد الله بها ذلك الرجل الذي قدم إلى عاصمة المملكة، من قبيلة “إيد شاعود” جنوب المغرب، ليجد نفسه منخرطا في معترك السياسية، إلى جانب العناصر الجديدة القادمة من التيار الإسلامي، والتي التحقت حينها بالحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية.
ويتوقف الكتاب مطولا عند إسهامات الراحل، وعدد من المناصب التي تقلدها، و التي ترك المرحوم آثاره البارزة فيها، مستحضرا إسهامه الكبير، في التأصيل للرؤية السياسية لحركة التوحيد والإصلاح، فتدرج “الحكيم” في مسؤوليات عدة بالحركة والحزب، كانت في أغلبها قريبة من الرئاسة حتى أنه وصف “بالنائب الدائم”، بدء من 1986 بعد أن انتخب نائبا لبنكيران عندما كان رئيسا لجمعية الجماعة الاسلامية، مرورا بـ 1996 التي تولى فيها منصب النائب لأحمد الريسوني، ونائبا فيما بعد لسعد الدين العثماني الذي انتخب سنة 2004 أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية، وصولا إلى تقلده لمنصب وزير الدولة في حكومة ابن كيران سنة 2012 في مقام نائب رئيس الحكومة.
و سلط الكتاب الضوء، على محطات مختلفة من تاريخ الحزب والحركة، والتي كان للفقيد دور حاسم في تدبير عدد من القضايا و الملفات الشائكة والمحن، التي واجهتهما، مشيرا إلى أن إسهام بها مكن من تجاوز هذه الأزمات، حيث شهد له الجميع بالحنكة والذكاء و الفطنة، والقدرة على التركيب والتحليل واستخلاص الدروس والعبر، بالاعتماد على منطق التجاوز والابتعاد عن نفسية الصراع والتنازع و المناكفة.
عمل لجنة جمع تراث الراحل عبد بها، لم يقتصر فقط على إيراد عدد من الشهادات، في حق المرحوم، وسرد مساره النضالي والسياسي، بل تضمن كذلك مقالات رأي تناولت في مجملها، الحديث عن مميزات الفقيد، ومناقبه، و إسهاماته في حقول مدنية وسياسية مختلفة، وتطرق أغلبها إلى خصال بها التي جعلت منه شخصية وطنية استثنائية بكل المقاييس، وفقدانه خسارة كبيرة واستثنائية على حد تعبير محمد يتيم، واعتبرته شخصية مجمعة وتوافقية، لا يختلف حولها أحد بقدر ما يختلفون عندها وفق توفيق بوعشرين مدير نشر يومية “أخبار اليوم”، وهو الأمر الذي جعل من بها شخصية اجتمع فيها ما تفرق في غيرها.