محمد كسوة
بمناسبة الذكرى الخامسة والخمسين لانتفاضة سيدي محمد بصير التاريخية بالعيون، نظمت مؤسسة محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام ندوة علمية دولية حول موضوع: “عناية أهل التصوف بالعلوم الشرعية والإنسانية”، بتنسيق مع شعبة الدراسات الإسلامية والمختبرات والماسترات التابعة لها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال، وذلك أيام 17 و18 و19 يونيو 2025 بمقر الزاوية البصيرية ببني عياط وبعمالتي أزيلال والفقيه بن صالح، حضرها كل من والي جهة بني ملال خنيفرة السيد محمد بنرباك، وعامل إقليم أزيلال السيد حسن بنخيي ورئيس الجهة السيد عادل بركات، ومجموعة من المنتخبين ورؤساء المصالح الخارجية والعسكرية وأطر مدرسة الشيخ سيدي إبراهيم البصير وعدد من مريدي الزاوية البصيرية ومقدَّميها وعموم المواطنين.

وقد شهدت هذه الندوة العلمية الدولية التي تنظم تحت الرعاية السامية لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، مشاركة متميزة بوفد عن الأقاليم الجنوبية للمملكة، يمثلون شيوخ وأعيان القبائل الصحراوية وثلة من الباحثين وممثلي المجتمع المدني، إلى جانب علماء وباحثين من داخل الوطن وخارجه، حجوا من كل حدب وصوب للمشاركة في إحياء ذكرى الاختفاء القسري للمناضل سيدي محمد بصير، وهي مناسبة لصله الرحم والتواصل والتأكيد على التشبت بالوحدة الروحية والوطنية والترابية من شمال المملكة إلى جنوبها، والتعبئة المتواصلة والدعوة المتجددة للسلطات الإسبانية للكشف عن مصير زعيم انتفاضة الصحراء المغربية المجاهد سيدي محمد بصير.

وبهذه المناسبة، أبرز شيخ الطريقة البصيرية ورئيس مؤسسة محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام الشيخ مولاي إسماعيل بصير، اهتمام أهل التصوف بالعلوم الشرعية، وأن الكثير منهم علماء راسخين في القرآن الكريم وعلومه، والحديث الشريف وعلومه، والفقه وأصوله وعلم الكلام، واللغة العربية وعلومها، وغيرها من العلوم الإسلامية الأساسية، لافتا إلى سطوع نجم أهل التصوف في العلوم الإنسانية، التي تُعنى بالإنسان وعلاقاته، وسلوكه، ومجتمعه، وثقافته، وهي في جوهرها علوم ترتبط بالتزكية، والوعي، والإصلاح، وقدم نماذج في هذا الاطار .

وأكد الشيخ مولاي إسماعيل بصير، في الجلسة الافتتاحية للندوة العلمية الدولية التي انطلقت يوم الثلاثاء 17 يونيو الجاري بمقر الزاوية البصيرية ببني عياط، أن هذه التظاهرة العلمية تروم إنصاف أهل التصوف، وإظهار تفوقهم ومشاركتهم في سائر العلوم الشرعية والإنسانية، وإلى رد الدعوات المغرضة التي تتهم أهل التصوف بالجهل وتعاطي البدعة والضلالة والدجل، ولا تفرق بين أهل الصدق وأهل الباطل منهم، مذكرا باعتبار التصوف ثابتا من ثوابت الأمة المغربية الرصينة.

وقال مولاي إسماعيل إن موضوع:”عناية أهل التصوف بالعلوم الشرعية والإنسانية”، ليس مجرد حديث عن فرعٍ من فروع المعرفة فحسب، بل هو تناول لتيار أصيل داخل الحضارة الإسلامية، جمع بين التزكية الروحية والتحصيل العلمي، وبين الخشوع في المحراب والدرس في حلقات العلم، وبين الورع في السلوك والاجتهاد في فهم النصوص.
وشدد على أن السادة الصوفية لم يكن علمهم مجرد تنظير، بل اقترن دائمًا بـالعمل والسلوك والتزكية، وكانوا يرون العلم بلا عمل وبَالاً على صاحبه، والعمل بلا علم ضلال، وقد جرى على ألسنة كثير منهم قولهم المأثور في ذلك: “كلُّ علم لا يُورِّث الخشية فليس بعلم”، مشيرا الى تركيزهم على تربية طلابهم على أن يتعلموا ليعملوا، ويزكوا أنفسهم، ويخدموا الناس، ويجمعوا بين الشريعة والحقيقة، والظاهر والباطن، والعقل والقلب.

وسلط شيخ الطريقة البصيرية الضوء على الأدوار التي قامت بها الزاوية البصيرية في تعليم ونشر العلم، مشيرا إلى شهادة العلامة المختار السوسي عندما زارها في ثلاثينيات هذا القرن، حيث قال إنه وجد مائة من الطلاب يدرسون في رحاب الزاوية، مضيفا أنه “منذ تأسيسها سنة 1912م وهي تدرس وتخرج إلى يومنا هذا، وهذا الفقيد محمد بصير الذي نجتمع بمناسبة ذكراه، كان من أوائل أبناء الزاوية الذين حصلوا العلم في رحابها وفي رحاب جامعة ابن يوسف بمراكش ورحل إلى الأزهر بمصر في ستينيات القرن الماضي لطلب العلم، وكان جامعا بين العلوم الشرعية والإنسانية والتصوف، وهذه مدرسة زاوية الشيخ سيدي إبراهيم البصير الخاصة للتعليم العتيق جعلت شعارها الذي ترفعه بشكل دائم:( علم وسلوك)”.

وفي السياق ذاته دعا مولاي إسماعيل بصير في كلمته إسبانيا الى الكشف عن مصير المجاهد محمد بصير، معبرا عن أسفه لكونها لم تعترف لحد الساعة بمسؤوليتها عن الاختفاء القسري الذي طال هذا المقاوم المغربي الوحدوي، رغم أن العائلة البصيرية تلتزم بالحل الودي دون تبِعات أخرى، خاصة بعد اعتراف إسبانيا بالحكم الذاتي حلاًّ ناجعاً للنزاع المفتعل حول مغربية الصحراء ، معبرا عن امله في أن يُدفنَ المقاوم محمد بصير بجِوار والديه وإخوته في مقبرة الزاوية البصيرية ببني عياط بإقليم أزيلال، ويكرم تكريم المقاومين المغاربة.
وخلال الجلسات العلمية التي امتدت مدة ثلاثة أيام، قارب المشاركون في فعاليات هذه الندوة موضوع “عناية أهل التصوف بالعلوم الشرعية والإنسانية” من مختلف الجوانب، وذلك باعتبار التصوف ثابتا من ثوابت الأمة المغربية الرصينة أولا، وثانيا بغاية إنصاف أهله وإظهار تبرزهم ومشاركتهم في سائر العلوم الشرعية والإنسانية، وإلى رد الدعوات المغرضة لأصحاب التيارات الدخيلة، والذين يسمون أهل التصوف بالجهل وتعاطي البدعة والدجل، ولا يفرقون في ذلك بين أهل الصدق وأهل الباطل منهم.

وإلى جانب هذه التيمة المحورية، تم إلقاء عروض ومواضيع أخرى تطرقت إلى إبراز عناية أهل التصوف بالعلوم الشرعية والإنسانية من خلال رصد إسهاماتهم المعتبرة في هذا الباب، وبسط القول حول هذا الموضوع الراهني الذي يهم الفرد والمجتمع والوطن والإنسانية جمعاء، حيث خلص المشاركون إلى أن اهتمام أهل التصوف لم يتوقف عند العلوم الشرعية، بل امتد إلى العلوم الإنسانية، التي تُعنى بالإنسان وعلاقاته، وسلوكه، ومجتمعه، وثقافته، وهي في جوهرها علوم ترتبط بالتزكية، والوعي، والإصلاح. وأن موضوع: “عناية أهل التصوف بالعلوم الشرعية والإنسانية”، ليس مجرد حديث عن فرعٍ من فروع المعرفة فحسب، بل هو تناول لتيار أصيل داخل الحضارة الإسلامية، جمع بين التزكية الروحية والتحصيل العلمي، وبين الخشوع في المحراب والدرس في حلقات العلم، وبين الورع في السلوك والاجتهاد في فهم النصوص. علاوة على التنبيه على أمر مهم للغاية، غفل عنه كثير من الناس اليوم، وهو الاهتمام بالعلم في حد ذاته واعتباره هو الغاية، والعناية بما يوصل إليه من شهادات ووظائف ودرجات عليا ومحصلات مادية فقط، في حين طلب العلم يعتبر وسيلة فقط للوصول إلى غاية الغايات وهي معرفة الله تعالى وخشيته تعالى.

وأكد المشاركون والمشاركات في هذه الندوة العلمية الدولية المباركة أن عناية أهل التصوف بالعلوم الشرعية والإنسانية ليست نافلةً أو تجزيةَ فراغ، بل هي أصلُ مشروعهم الإصلاحي والتربوي، الذي ينطلق من فهمٍ عميقٍ للدين، ويتجاوز القشور إلى الجوهر، ويعيد للعلم نوره، وللعبادة روحها، وللإنسان كرامته، وهذا ما وعاه أهل التصوف الأُوَّلِ، ومن جاء بعدهم، حيث أدركوا أن السير إلى الله تعالى لا يتحقق بالذوق والمجاهدات فحسب، بل لا بد له من نور الشريعة، ومتابعة النص، والانضباط بالأصول، ولذلك كان كثير منهم علماء راسخين في العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية أيضا.
وعبر المشاركون عن تضامنهم مع الوحدة الترابية للمملكة المغربية تضامنا مطلقا، وثمنوا الدينامية المتسارعة التي عرفها هذا الملف في اتجاه مبادرة الحكم الذاتي التي طرحتها المملكة المغربية الشريفة من خلال الاعترافات المتوالية من لدن دول العالم بأسره بمغربية الصحراء، مثمنين ومنوهين بالحكمة والتبصر التي يقود بها جلالة الملك الديبلوماسية المغربية، والتي أدت إلى تحقيق هذه النتائج المبهرة في قضيتنا الوطنية الأولى.

وشهدت فقرات هذه الندوة تكريم طلبة مدرسة الشيخ سيدي إبراهيم البصير الخاصة للتعليم العتيق المتفوقين في امتحانات البكالوريا، تشجيعا لهم على التفوق والتميز في ما تبقى من مسارهم الدراسي، كما تم تكريم عدد من المحسنين أصحاب الأيادي البيضاء على طلبة مدرسة الشيخ سيدي إبراهيم البصير للتعليم العتيق والداعمين الرسميين لطلبة العلم بالزاوية البصيرية.
وقامت مؤسسة محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام بتوقيع مجموعة من اتفاقيات الشراكة والتعاون مع مؤسسات أكاديميةومدنية، في مقدمتها اتفاقية الشراكة مع جمعية المركز الثقافي الكنتي بالعيون، وجمعية الزاوية الدرقاوي الفاضلية للفكر والعلوم بالعيون، وجمعية كشافة المغرب فرع الساقية الحمراء بالعيون، ومؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم بالعيون، وكذا اتفاقية الشراكة مع مؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط
وتهدف هذه الاتفاقيات حسب تصريح الدكتور مولاي عبد المغيث بصير، عضو المجلس الأكاديمي لمؤسسة محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام، إلى التعاون على تأطير المجتمع بالعيون، بالإضافة إلى تأهيل طلبة مدرسة الشيخ سيدي إبراهيم البصير الخاصة للتعليم العتيق الحاصلين على شهادة البكالوريا خاصة لمن له رغبة في متابعة دراسته الجامعية في علم الحديث.

وفي ذات السياق أكد عبداتي لعريش من أعيان وشيوخ القبائل الصحراوية أن حضور وفد عن القبائل الصحراوية لهذه الندوة العلمية الدولية كل سنةوهي مناسبة من أجل جمع الشمل وتوحيد الكلمه وإظهار أن أبناء الجنوب والشمال كالجسد الواحد، ومن أجل التوضيح للعالم أن الصحراء كانت مغربية وستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وأشار لعريش إلى أن قضية الصحراء المفتعلة هي الآن في نهايتها بفضل حمكة وتبصر جلاله الملك محمد السادس نصره الله، مؤكدا أن المجاهد محمد بصير هو أحد أبناء هذه الزاوية المباركة البررة، حيث ولد بها وترعرع وانطلق مساره الدراسي وتشبع بالقيم الوطنية والثوابت الدينية للأمة في مختلف العلوم الشرعية.