الطبيب والكاتب عمر اعباس يوقع “العتبات الطبيعية للسعادة”.. رحلة فكرية في معنى الإنسان بين العلم والأدب
أطلس سكوب ـ أزيلال
في تجربة فكرية وأدبية متميزة، أصدر الدكتور عمر اعباس، ابن إقليم أزيلال، مؤلفه الجديد الموسوم بـ LES SEUILS NATURELS DU BONHEUR “العتبات الطبيعية للسعادة”، وهو عمل فكري يحاول من خلاله مقاربة سؤال الإنسان والسعادة والوجود من زوايا متعددة تجمع بين البيولوجيا والفلسفة والأدب والعلوم الإنسانية.
ويأتي هذا الإصدار كرحلة تأملية عميقة في تعقيدات الكائن البشري الحديث، الذي يراه المؤلف كائناً يعيش حالة من التوتر الدائم بين حاجاته البيولوجية الأساسية وتطلعاته النفسية والروحية والرمزية، في عالم متسارع فقد فيه الإنسان جزءاً كبيراً من صلته بطبيعته الأولى وبجوهر وجوده.
ويقدم الدكتور عمر اعباس في كتابه تصوراً فكرياً يتجاوز الطرح العلمي الصرف، حيث يحاول بناء جسر بين المعرفة العلمية الدقيقة واللغة الأدبية التأملية، من خلال نصوص تتقاطع فيها البيولوجيا مع الفلسفة، والطب مع الشعر، والعلم مع سؤال المعنى.
ويؤكد الكاتب، في مقدمة عمله، أن الإنسان المعاصر بات يعيش حالة اغتراب متزايدة عن ذاته وعن العالم من حوله، بفعل هيمنة الإيقاع المادي والاستهلاك والتفكك الداخلي، مشدداً على أن السعادة الحقيقية لا تكمن في التراكم المادي أو النجاح الوظيفي فقط، بل في استعادة “العتبات الطبيعية” للحياة؛ تلك اللحظات البسيطة المرتبطة بالنفس والهدوء والعلاقة الإنسانية والطبيعة والإحساس العميق بالحضور.
ويطرح الكتاب مجموعة من المحاور الفكرية التي تتوزع بين “الدلالة البيولوجية للسعادة” و”الدلالة الأدبية للسعادة”، إضافة إلى أبواب تناقش المنح الطبيعية للكائن البشري، والعلاقة بين الغريزة والوعي، والقلق الوجودي، وفقدان التوازن الطبيعي للإنسان الحديث، فضلًا عن أسئلة الزمن والتأمل والحداثة والشرط الإنساني.
ويتميز العمل بأسلوب هجين يجمع بين الصرامة العلمية واللغة الأدبية الرفيعة، حيث يحرص المؤلف على تقديم المعلومة العلمية وفق مقاربة دقيقة تستند إلى المرجعيات البحثية، دون التخلي عن البعد الإنساني والجمالي للنص، في تجربة كتابية تنفتح على تخصصات متعددة تشمل الطب وعلم الاجتماع والفلسفة والسياسة والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا.
ويرى متابعون أن هذا المؤلف يشكل إضافة نوعية في مجال الكتابة الفكرية المغربية المعاصرة، بالنظر إلى جرأته في مساءلة مفاهيم السعادة والوعي والوجود، ومحاولته إعادة الإنسان إلى مركز التفكير بعد أن طغت النزعة المادية والتقنية على الحياة الحديثة.
كما يعكس الكتاب، بحسب مهتمين، مساراً فكرياً وإنسانياً لطبيب اختار أن يجعل من الكتابة امتداداً للتأمل في الإنسان، لا باعتباره جسداً بيولوجياً فقط، بل كائناً مركباً يحمل داخله الذاكرة والخوف والرغبة والحلم والبحث الدائم عن المعنى.
ومن خلال هذا العمل، يفتح الدكتور عمر اعباس نقاشاً فلسفياً وإنسانياً حول معنى العيش في زمن السرعة والتشتت، داعياً إلى إعادة اكتشاف “بساطة الحياة” والعودة إلى التفاصيل الصغيرة التي تمنح الإنسان شعوره الحقيقي بالاكتمال والسكينة.