ـ الذّئبُ ما زال حاضرًا في أعرافِنا الاجتماعية..
وفي نُصوصٍ قانُونيةٍ فضفاضة، قابلةٍ لتأويلات، ويُمكنُ العبثُ بها..
والذّئبُ أبو لهب يقفزُ على الجميع، ويُمارسُ «وَأْدَ» البنات، بتزكيةٍ من بعضِ الأُسر..
وتزكيّةٍ من الرّشوة!
أبو لهب يتسلطُ على أُسَرٍ تعيشُ خارجَ العصر، و«يتَسَوّقُ» منها قاصراتٍ تحتَ غطاءِ الدّين، فيغتصبُ مع القاصراتِ كُلَّ البلَد..
أعرافٌ مُنتشرةٌ بينَنا، وخاصةً في أقصى البوادي، أمام أنظارِ من عليهم مسؤوليةُ النّظر، وبُعْدِ النظر..
أبو لهب، الآتي إلينا من العصرِ الجاهلي، يرتدي قناعَ «لا إلهَ إلا الله»، وفي جُبّتِه أوراقٌ بنكية، ويَتخيّرُ أُسرةً من أفقرِ ما هو موجُود، ويُصلّي بالجماعة، ثم ينقضُّ على صبيّةٍ في فراشِ «الزّواج»..
يتَسلّحُ الذئبُ بآياتٍ «من الذّكرِ الحكيم»، هو نفسُه يجهلُ مَقصُودَها، وتُشَرْعِنُ لهُ الجماعةُ مشرُوعَ «الافتراس»، وتحملُ إليه الضحيّةَ الصغيرة، ليفعلَ بها ما كثيرٌ قبلَهُ قد فعلُوا..
ـ فعلُوا ولم يتعرّضُوا للحسابِ والعقاب..
ويرفعُ بذلك عددَ قتيلاتِ «تزويجِ القاصرات»..
وبعضُهُنّ يُفارِقْن الحياةَ في ليلتِهنّ الأولى مع الذئب..
وأبو لهب قد يُكرّرُ هذه الفعلةَ الإجرامية، مرةً أخرى، وربما مرات، مع ضحايا التّفاوُتِ الطبقيّ الظالم..
والجماعةُ تُعلّق: «هذا قضاءُ الله.. ولا مَرادَّ لقضاءِ الله»..
هي شَرْعَنَت الجريمة، وَتملّصَتْ من المسؤولية..
وبين الحين والآخر، ومن مكانٍ لآخر، جريمةٌ أخرى يَقترفُها أبو لهب، وأتباعُ أبي لهب، تحت غطاءِ «شرعيةِ الأعراف»، دَاخِلَ بلدٍ يُردّدُ الطّمُوحَ إلى الحداثة..
وإذا كُنّا نُريدُ حداثةً فعليّة، فلماذا ما زالتِ الأسرةُ تحت وصايةِ قوانينَ غيرِ مَدَنيّة؟ قوانين قابلةٍ للأخْذ والردّ.. فيها ثغراتٌ يُوظّفُها أمثالُ أبي لهب.. أين هي الحداثة؟
أينَ الحداثةُ في تزويجِ قاصراتٍ بتزكيةٍ من تقاليدَ مُهَلْهَلَةِ مُنتشرةٍ في البلد؟
الصمتُ على جرائمِ أبي لهب، وأمثالِ أبي لهب، مُشارَكةٌ من المجتمعِ والدولةِ في جرائمِ تزويجِ القاصرات، باسمِ الدين..
ومُشارَكةٌ من جَماعاتٍ مُلتحيّةٍ لا تتكلّمُ بمنطق، بل بتعابيرَ مُلَوّنَةٍ بالغيْبيّات..
الصمتُ مشارَكة..
الأعرافُ مُشارَكة..
إنّنا أمام استفحالِ تزويجٍ للقاصرات، رغمَ أنْفِهِنّ.. ومن ثمّةَ اقتيادِهنّ إلى أحضانِ الذّئاب..
دَعارةٌ تتمُّ جهرًا، وبأعرافٍ فاسدة..
تتمُّ بالطبلِ والغيطة.. وبأناشيدَ مَحسُوبةٍ على الدّين.. وخطاباتٍ مُلوّنةٍ بأساطيرِ الأوّلين..
أيُّ جهلٍ أكبرُ من هذا؟
وأيُّ تجهيل؟ وأيُّ خرْقٍ أكبرُ من هذا لحقوقِ الطفل؟ وحُقوقِ الأمومة؟ وحُقوقِ المرأة؟ وكلّ إنسان؟
الجهلُ لا يُبرّرُ اغتصابَ الطفولة..
الفقرُ لا يُبرّرُ اغتصابَ الطفولة..
ـ الاغتصابُ جريمة.. ولا مُبرّرَ للجريمة!
جرائمُ من هذا القبيلِ تَحْدُثُ عندنا، باسم «لا إلهَ إلاّ الله»..
جُهَلاءُ لا يعرفُون في الدّين..
جُهَلاءُ يُفْتُونَ في الدّين..
ويُسيئون للدّين..
ويَنْقُلُون بَلدَنا إلى العصر الجاهلي..
وباسمِ الأعراف، وسُوءِ تفسيرٍ لخطاباتِ الدّين، طفلاتٌ يتمُّ اختطافُهُنّ من المدرسة، رغم أن المدرسة هي مكانهُنّ الطبيعي والحُقوقي والإنساني..
وباسم الأعرافِ وسُوءِ تفسيرٍ لرسالةِ الدين، يُلقَى بهنّ في أحضانِ الجزّارِ أبي لهب!
أعدادُ ضحايا أبي لهب في ارتفاعٍ مُستمرّ ببَلدِنا..
طُفولةٌ تُغتالُ على فراشِ أبي لهب!
والإدارةُ تغُضُّ الطّرف..
والقانونُ فيه ثغراتٌ تسمحُ لأبي لهبٍ أن يفعلَ بطِفْلاتِنا ما يُريد..
جرائمُ «قانونية» في زمنِ «حُقوقِ المرأة»..
و«حُقوقِ أيّ إنسان»..
وما زال أبو لهبٍ يصُولُ ويجُول.. يفترسُ طفُولَتَنا افتراسًا، تحتَ غطاءِ الزّواج «الشرعي»..
والضحيّةُ التي لا مُدافعَ عنها، تنتهي بصمت.. وكأنّ شيئًا لم يقع!
والنتيجة: تنَاسُلُ وتَكاثُرُ ظاهرةِ أبي لهب..
في كلّ مكان من ربُوع بلدِنا أنماطٌ من أبي لهب..
ـ وكأنّ أبا لهبٍ أَقْوَى من الدولة!
ولا تلتفتُ الدولةُ إلى كونِ أبي لهبٍ ليس شخصًا مُتوازِنًا.. هو في عُمقِه مريضٌ نفسانيًّا وعقليّا وجنسيًّا وإنسانيًّا.. وعلى كلّ المستويات!
أبو لهب لا يعرفُ المرأة.. ولا قيمةَ المرأة.. ولا كيفيةَ التّعامُلِ مع المرأة..
ـ ومُؤخرا، ظهر مُثقّفٌ من شاكلةِ أبي لهبٍ..
«الكُتُبُ الصّفراء» أَنجَبَتْ منهُ وحْشًا..
الوحشُ يعقدُ ندواتٍ ومُؤتمرات، ويقُومُ بتكوينِ الشباب..
وفي بلدٍ عربي، عقدَ «مُلتقًى تأطيريًّا» تحت عُنوان: «هل المرأةُ إنسان؟»..
ماذا يعرفُ هذا المعتوهُ عن الإنسان؟ والإنسانية؟
ماذا يعرفُ في الدّين؟
هذا أبو لهبٍ جديد.. في عصرِ الفضائيات.. وتكنولوجيا النّانُو.. والروبوت.. وعُلُومِ الكون.. وهَلُمّ جرّا…
أبو لهب لم يخْتَفِ من بلادِنا..
الذّئبُ قد تسلّلَ إلينا من الماضي السّحيق..
ومُهمّتُه أنْ يعُودَ بنا إلى الجاهلية..