عندما نتابع المسيرات والوقفات الاحتجاجية التي تشهدها مناطق مختلفة من إقليم أزيلال بين الفينة والأخرى، فإن أول ما ينبغي الاتفاق عليه هو أن هذه الاحتجاجات لا تنشأ في فراغ، ولا يمكن قراءتها بمعزل عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه المنطقة. فالمعطيات الرسمية الصادرة عن المؤسسات الوطنية المختصة تؤكد أن إقليم أزيلال يوجد في قلب إشكالية الهشاشة المجالية والتنموية بالمغرب.
فقد كشفت معطيات سنة 2024 المتعلقة بالفقر متعدد الأبعاد أن جهة بني ملال-خنيفرة سجلت أعلى معدل للفقر على الصعيد الوطني بنسبة بلغت 9.8 في المائة، فيما تصدر إقليم أزيلال قائمة الأقاليم الأكثر فقرا وهشاشة بنسبة بلغت 17 في المائة. وهي أرقام رسمية لا تحتمل التأويل، وتعكس وجود اختلالات عميقة في توزيع ثمار التنمية والولوج إلى الخدمات والفرص الاقتصادية. وعندما تصدر هذه المؤشرات عن مؤسسات رسمية، فإنها تتحول من مجرد أرقام إلى دعوة صريحة لإعادة النظر في السياسات العمومية الموجهة لهذه المجالات الترابية.
ولعل ما يضفي على هذا التشخيص مزيدا من الأهمية هو أن أعلى سلطة في البلاد وقفت عند هذا الواقع بشكل واضح. ففي خطاب افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان بتاريخ 10 أكتوبر 2025، دعا الملك محمد السادس إلى إعطاء عناية خاصة للمناطق الأكثر هشاشة، وعلى رأسها المناطق الجبلية والواحات، مؤكدا أن تحقيق تنمية ترابية منسجمة يقتضي تكاملا وتضامنا فعليين بين الجهات والمجالات الترابية.
كما شدد جلالته على ضرورة إعادة النظر في تنمية المناطق الجبلية التي تغطي نحو 30 في المائة من التراب الوطني، وتمكينها من سياسة عمومية مندمجة تراعي خصوصياتها ومؤهلاتها. وهي توجيهات ملكية تشكل في جوهرها اعترافا بوجود تفاوتات مجالية قائمة، لكنها في الوقت نفسه تضع مسؤولية كبرى على مختلف المتدخلين من أجل ترجمة هذه الرؤية إلى مشاريع ملموسة يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية.
والمطلوب اليوم هو تنزيل هذه التوجيهات الملكية على أرض الواقع من خلال تحسين البنيات التحتية، وتعزيز العرض الصحي والتعليمي، وفك العزلة عن الدواوير، وخلق فرص اقتصادية قادرة على تثبيت الشباب في مناطقهم. فالمواطن البسيط يقيس التنمية بما يلمسه من تحسن في الطريق والمدرسة والمستشفى وفرص الشغل والخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، ينبغي التأكيد على أن الاحتجاج السلمي ليس ظاهرة سلبية كما يحاول البعض تصويرها، بل هو حق دستوري ومظهر من مظاهر حيوية المجتمع. ففي جميع الديمقراطيات التي تعترف بحقوق مواطنيها، يشكل الاحتجاج إحدى آليات التعبير عن المطالب والانتظارات، كما يمثل وسيلة لتنبيه المسؤولين إلى وجود اختلالات أو حاجيات تستوجب التدخل.
ولذلك فإن التعامل مع الاحتجاجات باعتبارها شكلا من أشكال التمرد أو الخروج عن الإجماع يعد قراءة قاصرة لا تنسجم مع روح الدستور ولا مع المبادئ الكونية لحقوق الإنسان. فالاحتجاج الذي يلتزم بالسلمية ويحترم القانون ويطرح مطالب واضحة ومشروعة يظل جزءا من الحياة الديمقراطية الطبيعية.
الآن دعونا نطرح السؤال التالي: لماذا ترتفع وتيرة الاحتجاجات في أزيلال خلال فترات معينة دون غيرها؟ هنا تبدو الحاجة إلى قراءة اجتماعية للظاهرة بعيدا عن الأحكام الجاهزة. فالمتابع للشأن المحلي يعلم أن الاحتجاجات بالإقليم ليست موسمية بالكامل، بل هي شبه دائمة ومستمرة في الزمان والمكان، غير أن وتيرتها ترتفع بشكل ملحوظ خلال بعض المناسبات، وعلى رأسها فترات الأعياد، خاصة عيد الأضحى.
ويعود ذلك، في تقديري، إلى أن عددا كبيرا من شباب الإقليم الذين يشكلون المحرك الأساسي للاحتجاجات يقضون معظم السنة في المدن الكبرى للدراسة أو العمل، ثم يعودون إلى قراهم خلال العطل والمناسبات. هؤلاء الشباب يحتكون يوميا بمستويات مختلفة من الخدمات والبنيات التحتية وأنماط العيش داخل المدن، وعندما يعودون إلى مناطقهم الأصلية يصطدمون من جديد بإكراهات النقل والربط بالإنترنت والخدمات الأساسية، فيتجدد لديهم الإحساس بالفوارق المجالية وتتعزز مطالبهم بالتغيير. ولهذا أصبح عيد الأضحى، بحكم عودة أعداد كبيرة من أبناء المنطقة، موعدا ترتفع فيه وتيرة النقاشات والمطالب والتحركات الاحتجاجية.
إلى جانب هذا العامل الاجتماعي، يبرز عامل آخر لا يمكن تجاهله، ويتمثل في اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. فالتجربة المحلية أظهرت أن بعض الاحتجاجات تعرف خلال هذه الفترات حضورا مكثفا لفاعلين سياسيين أو منتخبين لم يظهر لهم أثر يذكر طيلة سنوات. وهنا يطرح سؤال مشروع حول حدود الترافع الحقيقي عن مطالب الساكنة وحدود الاستثمار السياسي في الاحتجاج. فليس سرا أن بعض الفاعلين قد يحاولون الركوب على مطالب مشروعة لإبراز قدرتهم على الحشد أو توجيه رسائل سياسية وانتخابية إلى أطراف مختلفة، سواء من أجل تعزيز مواقعهم التفاوضية أو تحسين صورتهم أمام الناخبين أو حتى التأثير في ترتيبات انتخابية مستقبلية.
كما لا يمكن إغفال مسؤولية بعض المنتخبين، وخاصة البرلمانيين، في تغذية جزء من حالة الإحباط التي تتحول أحيانا إلى احتجاجات. فخلال الحملات الانتخابية ترتفع في بعض الأحيان سقوف الوعود إلى مستويات تتجاوز الصلاحيات الحقيقية للمنتخبين أو الإمكانات المتاحة لتحقيقها. وعندما يكتشف المواطن بعد سنوات أن تلك الوعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ، يتولد لديه شعور مشروع بخيبة الأمل وعدم الرضا، قد يترجم إلى أشكال مختلفة من الاحتجاج والتعبير عن الغضب.
ومن هنا تبرز أهمية الالتزام بالأخلاق السياسية وربط الوعود الانتخابية بالاختصاصات الفعلية والبرامج القابلة للإنجاز، لأن المبالغة في الوعود لا تسيء فقط إلى مصداقية المنتخب، بل تساهم أيضا في إنتاج انتظارات غير واقعية تنتهي بتعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالمسؤول المنتخب مطالب بأن يكون صادقا مع ناخبيه، وأن يعد بما يستطيع الدفاع عنه أو المساهمة في تحقيقه، لا بما يعلم مسبقا أنه خارج نطاق صلاحياته أو قدرته على التأثير فيه.
وفي جميع الأحوال، فإن المقاربة السليمة للتعامل مع احتجاجات أزيلال تكمن في الإنصات إلى الرسائل التي تحملها هذه الاحتجاجات. فالساكنة حين تخرج إلى الشارع لا تطلب المستحيل، بل تعبر في الغالب عن حاجتها إلى شروط عيش كريمة وفرص متكافئة وتنمية منصفة.
لذلك فإن المصلحة العامة تقتضي التعامل مع هذه التحركات باعتبارها مؤشرات على وجود اختلالات تستوجب المعالجة، لا مجرد أحداث ظرفية تنتهي بانتهاء المسيرة أو الوقفة. وعندما تتحول الاعترافات الرسمية والتوجيهات الملكية إلى سياسات ملموسة على الأرض، وتترافق مع خطاب سياسي مسؤول يبتعد عن الوعود غير الواقعية، فإن الكثير من أسباب الاحتجاج ستجد طريقها إلى الحل، وستنتقل أزيلال من عنوان للهشاشة إلى نموذج للإنصاف المجالي الذي طال انتظاره.
بقلم : عبدالمالك اهلال