أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

مهنة التوثيق العدلي في ضوء تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، هل تنجح التوصيات في حل أزمة المهنة ؟

بقلم نورالدين مصلوحي

 

إعداد: نورالدين مصلوحي

عدل بدائرة محكمة الاستئناف بالرباط

خريج ماستر القانون والممارسة القضائية بالرباط

صادقت الجمعية العامة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بتاريخ 25 مارس 2026 بالاجماع على رأي المجلس بشأن مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، وقد تم إعداد هذا الرأي بناء على إحالة من السيد رئيس مجلس النواب بتاريخ 21 يناير 2026.

وبقراءة متمعنة للرأي المذكور، يمكننا إبداء عدد من الملاحظات المهمة بشأنه (المطلب الأول) لنجيب عن سؤال مهم وهو هل لتوصيات المجلس تأثير إيجابي في تطوير وتجويد مهنة التوثيق العدلي (المطلب الثاني).

المطلب الأول: ملاحظات مهمة بشأن رأي المجلس:

  1. إن المجلس إعمالا لنظامه الداخلي لم يخرج بالرأي المذكور إلا بعد الانصات لفاعلين لهم صلة وطيدة بمهنة التوثيق العدلي ونخص بالذكر وزارة العدل، والهيئة الوطنية للعدول، والجمعية المغربية لصوت المرأة العدل.
  2. أكد المجلس طبيعة عمل العدول الأصلي الذي هو التوثيق، ولم يتأثر بأقوال غير صحيحة صادرة عن جهات سياسية من قبيل “العدول يشهدون ولا يوثقون العقود” فقد كرر المجلس عبارة التوثيق العدلي في مناسبات عديدة في تقريره وكأمثلة على ذلك: (يخضع التوثيق العدلي… ص 08، إلى جانب التوثيق العدلي الذي يضطلع به حصريا العدول…ص 09)، وأيضا فمن خلال استعماله عبارة “ازدواجية نظام التوثيق ص 09” فهذا يدل على أن التوثيق ليس جهة حصرية لمهنة واحدة دون الأخرى، إضافة إلى اقتراح المجلس وبصريح العبارة إمكانية العمل في المدى البعيد على التقائية مهن التوثيق ( ص 25).
  3. لم يكن المجلس موفقا أبدا وهو بصدد ذكر الاختصاصات الحصرية للموثقين، ولعله استقى ما ذكره من تصريحات الموثقين دون تمحيص هذه التصريحات والنظر في مدى مطابقتها للقوانين ذات الصلة، فالأنظمة الأساسية للشركات كشركة المساهمة مثلا اشترط فيها المشرع شكلية الكتابة فقط، بل وقَبِلَ أن تكون هذه الأنظمة في شكل محررات عرفية، ولا يوجد نص صريح يلزم أن توضع بموجب محررات توثيقية، ( المادة 11 من القانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة ) وأيضا فالمادة 17 من القانون رقم 17.95 اعتبرت الشركة مؤسسة قانونا بقيامها بإجراءات أربعة وهي توقيع النظام الأساسي من جميع المساهمين وتحرير الأسهم النقدية وتحويل الحصص العينية بعد تقييمها لفائدة الشركة والقيام بإجراءات الشهر. كما أن تدخل الموثق يكون فقط إذا كانت الشركة تدعو الجمهور للاكتتاب، حيث أوجب عليها القانون رقم 17.95 في المادة 19 منه إيداع نظامها الأساسي إما لدى كتابة الضبط أو لدى موثق.

وما قيل بشأن تأسيس الشركات يقال كذلك بخصوص تفويت أنصبتها حيث إن المشرع ألزم فقط أن يكون التفويت كتابة ولم يشترط أن يكون العقد رسميا، ( المادتان 16 و 61 من القانون رقم 5.96 المتعلق بشركة التضامن وشركة التوصية البسيطة وشركة التوصية بالأسهم والشركة ذات المسؤولية المحدودة وشركة المحاصة).

  1. إن العقود البنكية التي ذكرها المجلس نص المشرع على بعض منها في مدونة التجارة ومنها: بيع الأصل التجاري، والتسيير الحر، والرهن الحيازي للمنقول، والرهن بدون حيازة، والسمسرة والوكالة بالعمولة، وعقد النقل، والعقود البنكية، فأين تم ذكر اختصاص الموثق الحصري في توثيقها ؟ إن المشرع عندما تقتضي إرادته اشتراط شكلية معينة في عقد ما فإنه ينص على ذلك بصراحة كما فعل في المادة 04 من القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، وكالمادة 57 من القانون رقم 17.04 بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة، بمناسبة ذكر الاجراءات الخاصة باقتناء الأصل التجاري للصيدلية، حيث اشترط أن تتم الاجراءات المذكورة من طرف موثق، وما هذا الاشتراط إلا بسبب غياب آلية تلقي الودائع في القانون المنظم لمهنة التوثيق العدلي، وإلا لاستوى العدل والموثق في هذا الاختصاص أيضا. وما ذكرناه حول العقود البنكية يسري على القروض البنكية فقد جرى العمل أن تبرم عرفيا بين المقرض والمؤسسات البنكية ولا يتم الالتجاء إلى التوثيق الرسمي إلا إذا كان هناك رهن على العقار، ومعلوم أن الرهن الرسمي والرهن الحيازي للعقار يعد توثيقهما اختصاصا مشتركا بين العدول والموثقين.
  2. يلاحظ أن المجلس ركز على نقطة جوهرية جدا، وهي ضرورة إرفاق مشروع القانون رقم 16.22 بدراسة الأثر، فدراسة الأثر في نظرنا المتواضع نعتبرها صمام أمان يضمن الانتقال من منطق النصوص القانونية الجامدة إلى منطق القوانين الوظيفية، وتكمن أهميتها العميقة في كونها أداة استشرافية تمنع حدوث الارتباك التشريعي، فهي أي “دراسة الأثر” لا تكتفي بفحص الصياغة القانونية، بل تغوص في الجدوى الاجتماعية والاقتصادية، مما يضمن أن مشروع القانون لن يكون حبرا على ورق، بل محركا فعليا للأمن التعاقدي، فربط التشريع بمعطيات رقمية ومؤشرات دقيقة يحول المهنة من طابعها التقليدي إلى فضاء الحكامة القانونية، حيث يصبح إصدار القانون رهينا بقدرته على تحسين جودة حياة المرتفق والمتعاقد وتعزيز ثقة الاستثمار، وهذا ما يجعل دراسة الأثر جسرا ضروريا لضمان الأمن القانوني والتعاقدي في مغرب يتطلع إلى عصرنة كافة مرافقه الحيوية.
  3. إن معظم مطالب السادة العدول تبناها المجلس ولم يظهر أي تحفظ بشأنها نظرا لأن تحقيق النجاعة والحكامة في مجال التوثيق العدلي لن يكون لهما أدنى أثر دون الاستجابة للمطالب المذكورة، لاسيما تمكين العدول من آلية لتلقي وتدبير ودائع المتعاقدين، وتيسير مساطر وإجراءات تلقي شهادة اللفيف.
  4. إن المجلس لا يعارض فكرة استقلال مهنة التوثيق العدلي عن مؤسسة قضاء التوثيق، وأيضا إمكانية التلقي الفردي للعقود، لكنه يرى أن هذا الاستقلال وهذا التلقي ينبغي أن يتم بشكل تدريجي، وقد عبر عن هذا صراحة وهو بمناسبة تقديم توصيات بشأن تحسين الاطار التنظيمي وتأهيل الموارد البشرية حيث جاء رأيه كالتالي: …تعزيز استقلالية العدول، بصفة تدريجية ومدروسة، بما يفضي إلى الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمواطنات والمواطنين، في أفق مراجعة آلية خطاب القاضي وتكريس مبدأ الممارسة الفردية للمهنة. لكننا ننتقد هذا التوجه لأنه غير معلل، فخطاب القاضي بموجب مشروع القانون رقم 16.22 لا يضيف للوثيقة العدلية شيئا إلا مداد توقيع القاضي وطابعه، وأيضا فإقرار اشتغال العدل لوحده دون عدل آخر لا يحتاج تدرجا لأن معظم المهن التوثيقية داخل وخارج المغرب تشتغل منذ أزمنة طويلة بشكل فردي دون كبير عناء.

ونشير في هذا الصدد، أن المجلس حتى وإن كان لا يرى مانعا من الإبقاء حاليا على خطاب القاضي ومراجعته تدريجيا، إلا أنه تبنى ما كان يطالب به السادة العدول بخصوص ضرورة تمكينهم من آلية تتيح لهم مراجعة قرار القاضي بشأن الامتناع عن الخطاب، ولذلك أوصى المجلس بإقرار آلية واضحة ومؤطرة قانونا، تمكن العدل من الطعن أو استئناف قرار الامتناع عن الخطاب من قبل قاضي التوثيق، داخل آجال معقولة وبمسطرة مبسطة.

المطلب الثاني: دور توصيات المجلس في تطوير وتجويد مهنة التوثيق العدلي

لقد سبق وقلنا أن رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بشأن مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بمهنة العدول لم يكن إحالة ذاتية منه، بل بناء على طلب من خوله القانون ذلك، وهو مجلس النواب عن طريق رئيسه، ورأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حتى وإن كانت له أدوار استشارية لا غير طبقا للمادة 02 من القانون التنظيمي رقم 128.12، إلا أن لآرائه قيمة مهمة جدا قد تصل حد إلزام الجهات المكلفة بالتشريع في الأخذ ببعض آرائه على الأقل واعتمادها في سن قانون لمهنة التوثيق العدلي يراعي كل متطلبات الجودة والحكامة، وما يؤكد أهمية رأي المجلس وقيمته الاعتبارية الكبيرة ما يلي:

  1. إن المجلس يعتبر مؤسسة دستورية، حيث خصص الدستور للمجلس وحده بابا مستقلا وهو الباب الحادي عشر، رغم أن فصول هذا الباب لا تزيد عن ثلاثة فصول (151-152-153)، ولم يدرجه مع باقي المؤسسات الأخرى التي تضطلع كذلك بأدوار استشارية كوسيط المملكة والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها وباقي المؤسسات التي تم جمعها كلها في باب واحد وهو الباب الثاني عشر.
  2. إن الجهات المكلفة بالتشريع ملزمة بنهج الديموقراطية المواطنة والتشاركية، إذ أن نهج ما ذكر يعد تجسيدا لأحد مقومات النظام الدستوري للمملكة، حيث جاء في الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور ما يلي: “يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديموقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة”.
  3. إن المجلس يتوفر على تركيبة متميزة جدا، حيث يضم أربعة وعشرين 24 خبيرا في مجالات التنمية الاجتماعية والشغل والبيئة والتنمية المستدامة، وفي المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمالية، وذات الصلة بالتنمية الجهوية والمحلية وبالاقتصاد الرقمي، وكلهم معينون من جلالة الملك اعتبارا للكفاءات الخاصة والخبرة والتجربة التي يتوفرون عليها وعلى مؤهلاتهم العلمية أو التقنية. ولذلك فلمكانة هذا المجلس المرموقة، نقول أنه من الجفاء التشريعي تجاهل رأي المجلس وعدم اعتماد أي من توصياته من أجل سن قانون مهنة التوثيق العدلي.
  4. إن رئيس مجلس النواب لم يُفَعِّل المادة 04 من القانون التنظيمي رقم 128.12 المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلا من أجل الاستنارة برأي هذا المجلس في الأمور التي تخص مهنة التوثيق العدلي، ومعرفة مواطن الخلل في مشروع القانون رقم 16.22، وتوصل مجلس النواب برأي المجلس دون اعتماد أي من توصياته سيجعل طلب رأيه في المشروع عبث لا يليق بمؤسسة تشريعية دستورية، كما سيضع مجلس النواب نفسه في موقف المسؤولية أمام المواطنين وأمام العدول، وأمام جلالة الملك باعتبار أن هذا الأخير وحسب المادة 10 من القانون التنظيمي رقم 128.12 السالف الذكر، يتوصل سنويا بتقرير حول أنشطة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والملك بطبيعة الحال لن يرضيه وجود مؤسسات دستورية رفيعة المستوى لا يتم الأخذ بأي من آرائها في تطوير وتجويد مشاريع القوانين المنظمة لمهن حيوية كمهنة التوثيق العدلي.
  5. إن أكثر ما سيحرج مجلس النواب أمام الجميع، هو أن رئيسه ملزم بقوة المادة 09 من القانون التنظيمي رقم 128.12 بإخبار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بمآل الآراء التي أدلى بها ومن ضمنها رأيه في مشروع قانون مهنة التوثيق العدلي، فماذا عسى رئيس مجلس النواب أن يقول بشأن مآل الرأي المذكور إذا تم تجاهل توصياته ؟

وفي الختام نؤكد أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يعد قوة اقتراحية لا ينبغي تجاهلها من المشرع، حيث يساهم المجلس في تجويد مشاريع ومقترحات القوانين من خلال تحويلها من نصوص جافة إلى سياسات متكاملة، تراعي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مستندا في ذلك إلى قوة الخبرة العلمية (فئة الخبراء) والشرعية الاجتماعية (ممثلي النقابات والجمعيات) والمعطيات الواقعية الدقيقة.

 


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد