أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

“ديما مغرب”

ذ ابراهيم مخلوفي

بقلم : ذ ابراهيم مخلوفي

 

لم يعد ما يعيشه المغرب في المجال الكروي مجرد لحظة عابرة أو نجاح ظرفي، بل تحول إلى ظاهرة مجتمعية تعكس تحولات عميقة في موقع الرياضة داخل المشروع الوطني. فبعد سنوات من التراكم والعمل، أضحت كرة القدم المغربية نموذجاً يُحتذى به، متجاوزة حدود المنافسة المحلية والإفريقية، لتجد لنفسها مكاناً ضمن دائرة الكبار على الصعيد العالمي.

هذا التحول اللافت لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة استثمار طويل الأمد في البنيات التحتية، والتكوين، والحكامة الرياضية، إضافة إلى رؤية استراتيجية جعلت من الرياضة رافعة للتنمية. وهو ما تجسد في النتائج المحققة من طرف المنتخبات الوطنية والأندية المغربية، التي نجحت في رفع الراية الوطنية عالياً، وأعادت الاعتبار لصورة المغرب كقوة رياضية صاعدة.

غير أن هذا المسار لم يكن محل إجماع. فكما جرت العادة في عدد من المحطات التاريخية الكبرى التي بصمت مسار البلاد، برزت أصوات تنتقد وتشكك في جدوى هذه الإنجازات. وهي ظاهرة ليست جديدة، إذ رافقت مشاريع وطنية كبرى منذ طريق الوحدة، مروراً بسياسات بناء السدود في عهد الحسن الثاني، وصولاً إلى المسيرة الخضراء، وغيرها من الأوراش التي شكلت علامات فارقة في تاريخ المغرب الحديث.

تعتمد هذه الأصوات، في الغالب، على مرافعات ترتكز على إشكالات الديمقراطية، وترتيب الأولويات، ومستوى إشراك المواطنين في اتخاذ القرار. وهي نقاشات مشروعة في جوهرها، بل ضرورية لإغناء الفضاء العمومي وتعزيز ثقافة المساءلة. غير أن الإشكال يبرز حين يتحول النقد إلى موقف عدمي يختزل كل ما تقوم به الدولة في زاوية الرفض المطلق، ويغيب عنه أي اعتراف بما تحقق من منجزات.

في المقابل، يصعب إنكار أن المغرب نجح في إحداث نقلة نوعية في المجال الرياضي، سواء من خلال تطوير البنيات التحتية، أو عبر تنظيم تظاهرات كبرى، أو من خلال الأداء المشرف للمنتخبات الوطنية. كما أن الرهان على الرياضة لم يعد مقتصراً على بعدها الترفيهي، بل أصبح جزءاً من رؤية تنموية أوسع، تشمل الأبعاد الاقتصادية والسياحية والاجتماعية.

لقد أبانت التجربة أن المرفق الرياضي يمكن أن يتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية، ومجالاً لخلق فرص الشغل، وتحريك عجلة الاستثمار، وتعزيز جاذبية البلاد على المستوى الدولي. كما أظهرت، في الآن ذاته، قدرة الرياضة على توحيد المغاربة حول لحظات فرح جماعية، قلما استطاعت السياسة، في أوج نجاحاتها، أن تحققها.

فمشاهد الاحتفال في الشوارع، والتلاحم الشعبي الذي رافق الإنجازات الكروية، تعكس بوضوح أن هناك عناصر مشتركة تجمع المغاربة، تتجاوز الخلافات الظرفية، وتؤسس لما يمكن تسميته بـ”الوجدان الجماعي”. وهو ما يفرض، من باب الإنصاف، الاعتراف بأن هذه الإنجازات لم تأتِ من فراغ، بل هي ثمرة جهود فاعلين كثر، من مسؤولين، وأطر تقنية، ولاعبين، وجماهير.

إن الإقرار بالنجاحات لا يعني التطبيل، كما أن النقد لا يجب أن يتحول إلى تخوين. وبين هذين الحدين، يظل المطلوب هو ترسيخ نقاش عمومي متوازن، يعترف بالمكتسبات، ويطرح في الآن ذاته الأسئلة الضرورية حول سبل تطويرها وتعزيزها.

اليوم، وقد أصبح المغرب رقماً صعباً في المعادلة الكروية الدولية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الحفاظ على هذا الزخم، بل في تحويله إلى رافعة مستدامة للتنمية، تعود بالنفع على مختلف فئات المجتمع. كما أن الرهان يظل قائماً على استثمار هذا النجاح لتعزيز الثقة في الإمكانات الوطنية، وترسيخ روح الانتماء، بعيداً عن منطق التشكيك المطلق أو التمجيد الأعمى.

في النهاية، قد تختلف المواقف، وتتباين القراءات، لكن الثابت أن هناك لحظات تفرض نفسها بقوة الواقع، وتجبر الجميع على التوقف والتأمل. والإنجازات الرياضية التي يعيشها المغرب اليوم، هي بلا شك واحدة من تلك اللحظات التي تستحق أن تُقرأ بعين النقد المسؤول… وبقليل من الفخر أيضاً.


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد