مسرحية شعرية من تأليف (وإخراج) :
ذ مصطفى نولجمعة
هذه أطوار محاكمة إحدى أجنحة المآسي الإنسانية
المسماة (حربا ).
المشهد 1 : صفير الرياح وصوت البوم ونعيق الغربان في ظلام دامس وشعلة شمعة خافتة كأنها تغالب ثقل الحياة .
– الحكيمة :
الحرب ؟
عجوز شمطاء
تتوشح بمساحيق الخبث وقبح الأشواك
صقيع يشل في الإنسان كل الإنسان
الحرب ؟
أيادي ساحرة تخنق عيون الزهور
وتمنعها من التفتح على غيوم السماء
آه ثم آه وآه
الحرب تلغي الحياة من الحياة
تسرق طعم الماء
تفسد جدوى الهواء
تعطل عطر العقول
تحرم التربة من رحمها
تجرد زخات المطر
من فرحة التساقط
لا تفتحي فمك بكلمة يا قطرة الندى
فانت متخمة بجراحات التساؤل
فالحرب يا صغيرتي
عمى يسلب الطفولة
مخزون باقات الأحلام الساذجة
يكبل أياديها بحرقة الفراق
يهدر كرامة خصلات شعر فتاة
بالكاد تعلمت كيف تلاعب التبسم
بالكاد استطابت اللعب مع الظفيرة
المشهد الثاني :
سطوة الغبار في كل مكان
الضباب مترهل ومضحك
أثقل من ضجر الصخور
يجثم على جفون حالمة
لم تر بعد ضوء الحقيقة
لم تسمع بعد قرع طبول السخرية
لم تذق بعد طعم الصحاري
رائحة البارود تزكم انوف
دروب تائهة
تقض مضجع أنفاس
تبحث لها عن مخبإ
هربا من عطر
كسرة خبز محترقة
الطفلة اللاجئة تتحدث بصوت باك :
نعم أيتها الحكيمة
أعرف أنك تعرفين الكثير
عن تجاعيد نفسي
عن صمت نظراتي
وعن برودة عظامي
لكن سأسمح لما تبقى لي من كبرياء
بأن يبوح لك عن
هجرة الذات للذات
فسمائي هجرتها النجوم
والزرقة والقمر
وأشعة الشمس خجلى
من ظلمة أهذابي الراقصة
على انغام رحيل البلابل
وعلى قبح سطوة رايات الحرب
وجنون أجنحتها النارية
الحكيمة :
ما بالك أيتها المعذبة المعذبة
هل لكي من زمن اللعب حظ
هل لكي من شعلة التعلم نصيب
هل لكي من فرحة الورود وخزة
هل لكي من جمال الخبز بصمة
هل لكي من كبرياء الأمان
ما تلفين به هزالة ظلك
أجيبيني أيتها الصغيرة المحترقة
في بركة الأوهام
أجيبيني أيها الشراع المبعثر
الذي يبحث له عن ظهر سفينة
أجيبيني يا غروبا فقد الأمل في موعد مع الشروق
أجيبيني يا رسالة تبحث لها عن أحضان الفراغ
أجيبيني واصدقيني القول :
اللاجئة تلملم ذاتها وتستجمع حبات رملها وتجيب وهي شاردة عابرة لجدار الأزمنة الضائعة في وحل العبث :
أنا التي تحمل خطواتها المثقلة
بثقل الفراغ
أمد يداي لأعانق
ما تبقى لي من شقوة الضياع
أبسط جفوني لأروي تربة نفسي
بقطرات سحب تبحث لها عن ملجإ
أطلق العنان لأشرعة خصلات شعري الذابلة
كي تراقص جنون العاطفة
كي تداعب خواء اللامعقول
أحاكي تجهم سقطة قطرات الندى
نعم
أنا السراب الموشح بزخات الحروب
أنا الصرخة الصامتة الصامدة المحترقة
بين أنسجة حزن الخيام
فأحلامي ملتصقة بصدإ أوتاد
غاضبة في وجه الحرمان
حفرت لي نقشا خرافيا
في ذاكرة البعيد
تحاصرني كتابات حمقاء
على جذران الماضي
تغالبني نظرات ، أحسن ما تتقن
فن التشفي والتكابر
الحكيمة : ومالي أراك جالسة في هذا البرد كأنك في انتظار قادم من جوف هذا الظلام :
اللاجئة ترد بحرقة وامتعاض وخيبة :
أنتظر خطوات رغيف
قادم على صهوة سلحفاة
لأرمم بها جرح كبرياء معدتي
المستباحة في وجه صفير رياح الشفقة والتشفي والتسلية
لكني أجمل أبيات الشعر المرصعة
بمداد من ماء ودخان
رغم أني سقطت من ديوان زغردات الحياة
تلاطمتني أمواج جعجعة الحروب
لست إلا جرعة في زوبعة فنجان
بنكهة الضياع
لست إلا صرخة مبعثرة
في وجه اللاشيء
أنا كيان يستجمع آخر حبات الرماد
في زمن أعاصير الخواء
تنتفظ اللاجئة وتتصلب نظراتها كصهيل متألم وصاحت :
لا أحتاج منكم كسرة خبز محترقة
يزف إلى ملاحم الجياع
لا أريد قميصا ذابلا في وجه
نخوة الأجواء الباردة
وهي تحتفل بعرس أشجان
تترقب نوم عظامي النخرة في
سبات أعراس الخوف والظلام
لا بل أنا أحتاج إلى أياد
تحفظ أوراق السلام
من التساقط الأعرج
أحتاج إلى عسل فكرة
يعيد لبسمة نفسي
بريق الضباب
فأنا لاجئة ولا أفتخر
فليس لي وقت
لأداعب دمعتي
الرافضة لكل استسلام
العابثة بتناغم مد وجزر
غموض المسير
قلبي أرض كبيرة
لا تتسع لكل باقات الحمق
قلبي صحراء
لا تقبل احتضان زغردات الأشواك
قلبي غاضب لن يرضى بفتات
ما تبقى من حياء الإنسانية
قلبي زهرة ترفض وشاح الأكاذيب
قلبي قلب لا يقبل أن يكون
قبر قلب إنسان
أقارع سيوف نظرات الغربة
أنا نيران على صفحات البحار الجافة
التي تطرب البوم والوادي وحرص الذئاب
أنا ثقوب في أشرعة العمر
أنا نيران على صفحات البحار الجافة
أنا أحذية لأرجل السراب
أن السؤال الذي حير
ذكاء كل الأجوبة المتعبة
كيف لغباء الإنسان
أن يهدر رمالا من الأموال
على السلاح والدمار والخراب
أما من عقل يوقظ غفلة عقله
حتى تتخذ العصافير من فوهات البنادق
أعشاشا لأحلامها الصغيرة
وتغرد أوراق الخريف
أنشودة السلام للسلام
كيف يحتل حدائق أعيننا
هدير دبابات متغطرسة
على دروب زهور الحياة
سارقة منا لحظة اللقاء بالبقاء
كيف تمطرنا القاذفات المتعالية
على هذا الرعب والذهول الجاثم
على جباهنا
كيف تمطرنا بوابل من باقات القنابل
وبزغردات الموت
المزعج للصمت والصفاء
ولنعومة أعشاش العناكب
ولجنون أعين غمرها
طوفان التساؤل والتجاهل
كيف لأعين بندقية حمقاء
أن تسرق مني
بهجة أرجوحتي
وسذاجة دميتي
وجمال عنقود العنب
كيف لصوت الإنفجارات
هنا وهناك حيث لا هناك هناك
إلاهناك
أن تلاعب تبختر عقارب الساعات
كيف لهذه الأصوات الآتية من جوف الجحيم
أن تحبس أنفاسي
وتزرع تحت أقدامها
ألغام الأشواك الساخرة
وتمنعها من معانقة
صفحات الحنين
إلى لوعة الرقص
على ضفاف شطآن السعادة
آه ماذا تبقى لي
من زمن البراءة المتآكل
حتى تحترق أوراق الذاكرة
ما ذنبي حتى تزحف
قتامة الشيخوخة
على جنات جفوني
ما ذنبي يا ذاك ويا هؤلاء
حتى تزحف رمال الصحارى العطشى
لتغمر لوحات أحلامي بالسراب
بسواد الجفاء والجفاف وندرة تساقط
قطرات الحب
على ما تبقى لي من قطرات الندى
ووجع عصفور
الحكيمة :
وماذا تقولين في وجه صفاء الضباب هذا
بنكهة رائحة غبار الحروب
وأنت ما تزالين تبحثين عن أثر
ضوء عيونك الغارقة في وحل الذهول
عيونك المشتاقة لصحبة نوم هاجر منذ زمن
اللاجئة : نعم أنا أبحث لي عن نافذة مما تبقى
من جدران مدرستي المتناثرة
أبحث لي عن سبورة تنعي طبشورتها الملطخة
بحمرة حمق الغباء والهمجية وطيش رصاصة
علني أجد فيها ما يستحق القراءة
ما يستحق الإفتخار بالحياة
سأضع في سلة معارفي
كل الأحرف إلا حروف الحاء والراء والباء
وازرعها في رحم كل الكلمات
علها تزهر شيئا من السلام والأمان والإنسان
كفانا من بحار الدماء والشقاء
اسمحوا لأشجان عصفورتي الذابلة
بأن تمسح عن السماء
بلادة سحابة الصيف الزائفة
حتى تستعيد حياتي حياتها
كيف لي أن أختزل في
ضيق خيمة لا تستقبل فرحة الحمام
لا هواء فيها يعيد لأنفاس الروح شمسها
فهيا اجتمعي يا حبات الروح المتناثرة
التصقي بأحضان هذا الزمان الضائع
هيا تجمعي يا فراشاتي المترقبة
لعودة الأحبة مع غروب الغروب
آه لأياد تلامس جبهتي المحتضرة
آه لأعين تطفئ احتراق ظلي في ظلي
وتغازل بهجة أحلامي المزيفة
أينك أمي ، أينك أبي ، أينكم إخوتي
أينك دميتي
آه من يعيد لأرجوحتي
طفولتها المغتصبة
فهناك أرى عناق أياد لأياد
وعناق ورود لعطرها
تنشد ملاحم أغنيات
البياض في وجه السواد
نعم أيتها الحكيمة :
هناك تلمح أعيني هذا البعيد
المرصع بفرحة الثلوج وزرقة السماء
هناك ستلتقي النجوم بضوء القمر
فاهنئي يا نفسي
فلن تحضري جنازة أجنحة السلام
ستستعيدين دفئ أوتار شربة الماء
وشموخ الأشواك في وجه الصحراء
فلا تقولي وصيتك
انهضي يا أطيب نسمات الحياة .
ذ مصطفى نولجمعة