يونس البصري
مرة أخرى، يجد المواطن المغربي نفسه في مواجهة سؤال قديم يتكرر مع كل أزمة؛ من يحمي القدرة الشرائية للمغاربة؟ فمع اقتراب عيد الأضحى، تحولت أسواق بيع الأضاحي إلى فضاءات للصدمة أكثر منها فضاءات للاستعداد لواحدة من أهم المناسبات الدينية والاجتماعية في المغرب.
قبل أشهر، طمأنت الحكومة الرأي العام مؤكدة أن وضعية القطيع الوطني مستقرة، وأن إجراءات الدعم والإحصاء والمراقبة كفيلة بضمان وفرة العرض واستقرار الأسعار. خطاب رسمي بدا وكأنه يبعث برسالة واضحة، أزمة السنة الماضية أصبحت وراءنا، والأسواق هذه المرة ستكون تحت السيطرة بوجود 40 مليون رأس من القطيع.
لكن الواقع سار في اتجاه مختلف تماما، فالأسعار التي تشهدها الأسواق اليوم لا تعكس فقط اختلالا عاديا في العرض والطلب، بل تكشف حالة انفلات حقيقية جعلت الأضحية تتحول بالنسبة لعدد كبير من الأسر، من شعيرة دينية إلى عبء اقتصادي ثقيل.
فمع اقتراب العيد، تحولت أحاديث البيوت و المقاهي و كذا مواقع التواصل الاجتماعي إلى شكاوى يومية من الارتفاع الصاروخي للأسعار. خروف من النوع الجيد كان يباع بحوالي 3000 درهم، أصبح اليوم يتجاوز 6000 درهم، في حين قفزت أسعار بعض الأنواع إلى مستويات غير مسبوقة، حتى صار من المعتاد سماع أرقام تللنس المليون سنتيم مقابل أضحية واحدة.
الأخطر من ذلك، أن هذا الارتفاع لا يبدو مرتبطا فقط بمنطق العرض والطلب كما تفسره النظريات الاقتصادية الكلاسيكية، بل يطرح تساؤلات حقيقية حول طبيعة السوق المغربية، ومدى خضوعها للمنافسة الحرة. فكلما اقترب موعد العيد، اختفى عدد من العارضين، وارتفع الطلب بشكل أكبر، لتدخل السوق في حالة من الاضطراب يستفيد منها المضاربون والسماسرة، أو ما يعرف شعبيا بـ”الفراقشية” وهذا ما وقع في اليومين الاخيرين.
وفي الاقتصاد، يفترض أن يؤدي ارتفاع العرض إلى استقرار الأسعار أو انخفاضها، لكن ما يحدث في السوق المغربية كثيرا ما يسير في الاتجاه المعاكس، وهو ما يدفع العديد من المتتبعين إلى الحديث عن وجود نوع من التفاهمات غير المعلنة بين كبار المتدخلين في السوق، بما يشبه الاحتكار أو “الكارتيل”، خاصة في ظل ضعف آليات المراقبة وغياب تدخل صارم لضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
خروف كان في متناول الطبقة المتوسطة قبل سنوات قليلة، أصبح اليوم يبتلع راتبا كاملا، بينما تقف آلاف الأسر عاجزة أمام موجة الغلاء التي عرفها السوق قبل يومين من موعد العيد.
وهذا الارتفاع المهول يحدث رغم كل الوعود المسبقة بوفرة القطيع، ووزارة الفلاحة الوصية على القطاع تبعث برسائل من قبة البرلمان تفيد وجود خروف يبدأ من ثمن 1000 درهم. وهو ما يطرح علامات استفهام حقيقية حول طبيعة ومكان هذا السوق الذي تحدث عنه الوصي عن القطاع حتى يتسنى للجميع الذهاب إليه.
أليس من الاجدر معرفة، الجهات التي تتحكم فعليا في الأسعار خلال هذه المناسبات؟ فكلما اقترب العيد، تقلص العرض بشكل مفاجئ، وارتفعت الأسعار بوتيرة غير مفهومة، في مشهد يتكرر إلى درجة يصعب معها اعتبار الأمر مجرد صدفة اقتصادية عابرة، هذا ما كان على الوزير التحدث عنه.
وفي ظل غياب مراقبة صارمة وفعالة، يجد السماسرة “الشناقة” والمضاربون المساحة الكافية للتحكم في السوق وفرض منطق الربح الفاحش، حتى وإن كان الثمن هو إنهاك المواطن البسيط، هنا لا يعود الحديث فقط عن “حرية السوق”، بل عن حدود هذه الحرية عندما تتحول إلى أداة لاستنزاف المجتمع، خصوصا في ظرفية اجتماعية تعرف أصلا ارتفاعا غير مسبوق في أسعار المواد الأساسية والمحروقات وغيرها من الخدمات…
إن وظيفة الحكومة لا تقتصر على تقديم الأرقام والتطمينات، أو تصريح وزير من قبة البرلمان، بل يجب أن تمتد إلى ضمان عدالة السوق وحماية التوازن الاجتماعي، لأن ترك المواطن وحيدا أمام موجات المضاربة يفقد الخطاب الرسمي مصداقيته، ويجعل الثقة بين المجتمع والمؤسسات أكثر هشاشة وهي في الأصل منهارة.
عيد الأضحى ليس مجرد مناسبة استهلاكية عابرة، بل لحظة اجتماعية، وشعيرة دينية ذات رمزية عميقة داخل المجتمع المغربي. وحين يصبح الاحتفال بها مرهونا بالقدرة المالية فقط، فإن الأمر يتجاوز مسألة الأسعار، ليمس شعور الناس بالأمان الاجتماعي والكرامة الاقتصادية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح، إذا كانت وفرة القطيع موجودة فعلا كما قيل للمغاربة، فمن المستفيد من هذا الغلاء الفاحش؟ ولماذا يبدو المواطن دائما الحلقة الأضعف في معادلة سوق السماسرة؟